الرئيسية / المقالات / التنشئة الكهنوتيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثالث

التنشئة الكهنوتيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثالث

الاب سالم ساكا

6- التنشئة الدائمة لرعاة الكنيسة وخدّامها:
تدعو مجموعة قوانين الكنيسة الشرقية الكاثوليكية كافة الاكليريكيين، الشمامسة الانجيليين، الكهنة والأساقفة دون إستثناء، بعد إتمامهم التنشئة المطلوبة للدرجات المقدَّسة، إلى مواصلة دراساتهم في العلوم اللاهوتية والدينيَّة، وسعيهم نحو المزيد من التثقيف الديني والاجتماعي، ومشاركتهم في الندوات التكوينيَّة والدراسات الكنسيّة والرعويَّة التي تُنظِّمها لهم السلطة الكنسيَّة. على ذلك يؤكِّد نصّ القانون/372، إذ جاء فيه: "بعد إتمام التنشئة اللازمة للدرجات المقدّسة، لا ينقطع الإكليريكيون عن العكوف على العلوم الدينية، لا بل عليهم أنْ يسعوا إلى المزيد من التعمّق والتّحديث في معلوماتهم واستخدامها، عن طريق دراسات تكوينيَّة يعتمدها رئيسهم الكنسي" (-البند 1)؛ "عليهم أنْ يشتركوا في الندوات التي يراها رئيسهم الكنسي ملائمة لتنمية العلوم الدينية والشؤون الرعوية" (-البند2)؛ "لا يهملوا أيضاً أنْ يحصلوا من العلوم المدنية، لا سيما أوثقها صلة بالعلوم الدينية، قدراً يليق بالمثقفين من الناس" (-النبد3).
جديرٌ بالملاحظة، أنَّ التنشئة الروحيَّة واللاهوتيَّة والرعويَّة والإنسانيَّة لرعاة الكنيسة (الكهنة، الأساقفة)، لا ينبغي أنْ تقتصرَ على فترة تحضيرهم لرسالة الخدمة الرعوية، ولكنَّه يجب أنْ تمتدَّ طوال فترة حياتهم وخدمتهم، من خلال التنشئة المستمرّة والتكوين الدائم لتجديد قواهم ورسالتهم. إذ يحتاج الراعي الكنسي، كاهناً كان أو أسقفاً، أثناء فترة عمله، من حينٍ إلى آخر، إلى وقت يُخصِّصه من أجلِ تجديده الروحي، والمراجعة الشاملة لأمورِ خدمته، والإطّلاع على كلِّ ما هو مُتجدِّد في علم اللاهوت والعلوم الكنسية الأخرى، والتعرّف أيضاً على كلّ ما هو حديث ومبتكر في الفكر والعلم والأدب. هذه المراجعة تساعده على مواصلة إعداده وتكوين ذاته، ومواجهة كلّ ما يطرأ من تطوّرات إجتماعيَّة وتطلّعات ومطالب حياتيَّة. ويستطيع الراعي الكنسي القيام بهذا التكوين الدائم بمفرده بواسطة القراءة والأبحاث والدراسات الشخصيَّة، بما يُدعى التثقيف الذاتي، أو بالاشتراك مع الرعاة الآخرين من خلال عقد المؤتمرات والدورات والبرامج المعدّة لهذا الغرض.
لهذا، يطالب البابا القديس يوحنا بولس الثاني أيضاً، في إرشاده الرسولي "أعطيكم رعاة"، الموجَّه بشكلٍ مباشر الى الأساقفة (العدد/70-81)، ومجمع الإكليروس، في وثيقته "دليل في خدمة الكهنة وحياتهم" (الأعداد/69-97) بأنْ يحظى التكوين الدائم للآباء الرعاة والخدّام بأقصى درجات الاهتمام، وأنْ يشملَ هذا التكوين مراجعة ودراسة جميع المواد والمواضيع الروحيَّة واللاهوتيَّة والرعويَّة والإنسانيَّة والفكريَّة. بحيث تهدف التنشئة المستمرّة بالنسبة للراعي الكنسي (الكاهن، الأسقف)، إلى إنعاش روحه وتجديد نشاطه وغيرته الرسوليَّة، أمّا بالنسبة للخدمة، فتهدف إلى مراجعتها وفحص طريقة عملها وأسلوب ممارستها. ونرى أنَّ التغيرات السريعة والمتلاحقة والتحوّلات العديدة والواسعة في المجتمع المعاصر، تفرض علينا واجب الاستعداد الدائم، والتجديد الملائم، لكي نتوفَّق ونتمكَّن من تقديم إنجيل ربِّنا يسوع المسيح أمام تحديات وتساؤلات وتطلّعات العصر الحديث.

 

غايات التنشئة الدائمة للرعاة ودوافعها:
يضيف البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي مُشدِّداً على أسباب التنشئة الدائمة ودوافعها اللاهوتية والكهنوتية والإنسانية، إذ يقول: "التنشئة الدائمة، تجد لها في ديناميَّة الكهنوت، مُستنداً خاصّاً وحافزاً أصيلاً. فنحن، ولا شكّ، لا نفتقر إلى دواعٍ، حتى على الصعيد البشري، تحمل الكاهن على إعتماد التنشئة الدائمة. فهي مقتضى من مقتضيات نموّه البشري، ولا غرّو، فكلّ حياة إنَّما هي مسيرة متواصلة تتوخّى النضج الذي لا يتحقّق إلاّ بفضل تنشئة مستمرّة، وهي أيضاً مقتضى من مقتضيات الخدمة الكهنوتيَّة، في مالها من طابع مشترك مع المهن الأخرى المبذولة في خدمة الآخرين، فليس اليوم من مهنة أو التزام أو عمل إلاّ ويفترض تأهيلاً متواصلاً ليظلَّ فاعلاً. ولأنَّ "مواكبة" التاريخ في تقدّمه هي أيضاً من الدواعي البشرية التي تُبرِّر التنشئة المستمرة والمتواصلة" (أعطيكم رعاة، العدد/70)؛ ويواصل قداسة البابا الحديث عن أهميَّة التنشئة المتواصلة، وضرورة التثقيف الدائم، ويذكر الفوائد العديدة التي يجتنيها الكاهن والخادم منه: "التثقيف الدائم يساعد الكاهن في التغلّب على النـزعة إلى اعتبار خدمته الكهنوتية مُجرَّد نشاط قائم في ذاته، مستغرق، بطريقة لا شخصيَّة، في إهتمامات شتى أياً كانت صفتها الروحيَّة أو القدسيَّة، أو محصورٍ في شبه دائرة وظائفيَّة في خدمة النظام الكنسي. التثقيف الدائم يستطيع وحده أنْ يساعدَ "الكاهن" في الحفاظ، بحبٍّ ويقظة، على السرّ الذي يحمله في ذاته لخير الكنيسة والبشرية. التثقيف الدائم، بمختلف نواحيه وتكامل وجوهه، يساعدنا في إستيعاب مفهومه العميق: وهو مساعدة الكاهن في أنْ يظلَّ، كياناً وعملاً، في توافق مع يسوع الراعي الصالح، روحاً ونسقاً… من هذا الملحظ يمكن القول إنَّ التثقيف الدائم يهدف إلى أنْ يكونَ الكاهن مؤمناً ويصيره كلّ يوم أكثر، وينظر دوماً إلى ذاته كما هو في الحقيقة، بعيني المسيح، وعليه أنْ يسهرَ على هذه الحقيقة بحبٍّ مفعم شكراً وفرحاً، ويُجدِّد فيه الإيمان بممارسته الخدمة الكهنوتية، ويعرف ذاته خادماً ليسوع المسيح وآية حبّ الله للناس، كلّ مرة يكون وسيطاً ووسيلة حيّة لموهبة الله وعطيته للإنسان" (رعاة أعطيكم، العدد/72-73).

 

موضوع التنشئة الدائمة للرعاة:
جدير بالذكر، أنَّ موضوع التنشئة الدائمة يجب أنْ يشملَ، دراسة الوثائق والإرشادات والرسائل الصادرة عن سلطة الكنيسة التعليميَّة، وخاصّة الحديث منها، على إعتبار أنَّها من بين المصادر الأساسيَّة للتنشئة الدائمة، كما أنَّها تتضمَّن العديد من الأفكار الروحيَّة العميقة، والدراسات اللاهوتيَّة المفيدة. يلفت انتباهنا إلى هذا الاتجاه، مجمع الإكليروس، الذي يدعو الآباء الرعاة والخدام إلى قراءة وتأمّل ودراسة الوثائق والإرشادات الكنسيّة، بطريقة مباشرة وشخصيَّة، حتى يتمكَّنوا من استيعابها وفهمها، ثمّ تقديمها وشرحها للمؤمنين بصورة واضحة ونافعة (دليل في خدمة الكهنة، العدد/77-78).
لذلك يدعو مجمع الإكليروس إلى تنظيم دورات رعوية خاصّة لدراسة مثلاً كتاب "التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية"، لما لهذا الكتاب من أهميَّة ومكانة، وفائدة روحيَّة ولاهوتيَّة وتعليميَّة (دليل في خدمة الكهنة وحياتهم، العدد/78). كما يشير نفس المصدر إلى دور وأهميَّة الخلوات والرياضات الروحيَّة في التنشئة الدائمة لرعاة الكنيسة، وفي تجديدهم الروحي. ففي هذه الخلوات، يسمعون معاً كلمة الربّ، ويمارسون الإرشاد الروحي، ويتفرَّغون سوياً للعبادة، ويُكرِّسون معظم وقتهم للصلاة والتأمل: "الخلوات والرياضات الروحيَّة وسيلة فاعلة وملائمة لتنشئة الإكليروس تنشئة دائمة ومناسبة، كما تشهد بذلك الخبرة الروحيَّة الطويلة في الكنيسة. هذه الخلوات والرياضات الروحيَّة تحتفظ، حتى اليوم، بكلِّ واقعيَّتها وضرورتها… من الأهميَّة بمكان، في هذه اللقاءات، أنْ ننوِّه بالنواحي الروحيَّة، ونفسح للصمت والصلاة مجالات واسعة، ونحيط الاحتفالات الطقسيَّة والعبادة الافخارستية والإرشاد الروحي وأفعال الإكرام والتقوى للطوباوية العذراء مريم، بعناية خاصّة" (العدد/85).

 

دور الأسقف الإيبارشي والتنشئة الدائمة للرعاة:
نعم إنَّه واجب على الأسقف العناية بالحياة المادية، أو البُعد المادي للرعاة والخدّام، للاكليروس، وعائلاتهم إذا كانوا متزوجين، الذي يعملون في إيبارشيته، خاصّة فيما يتعلَّق بتوفير المعيشة اللائقة بهم والضمانات الملائمة والتأمين الاجتماعي والتأمين الصحي. إذ لهم الحقّ في أنْ يحصلوا على كلّ ذلك مقابل القيام بالوظيفة أو المهمّة المعهودة إليهم (القانون/192 –البند5). لكن أيضاً وبشكلٍ أكثر إلحاحاً، يجب أنْ تشملَ عناية الأسقف بالرعاة والخدّام شخصياً، وعنايته بهم ليمارسوا مهمَّتهم في الكنيسة بنجاح. فالرعاة الكهنة والخدّام هم بحاجة إلى متابعة بإهتمام من قبل أسقفهم، وأنْ يستمعَ إليهم كمساعدين ومشيرين له، وأنْ يدافعَ عن حقوقهم، ويُشعرهم أنَّه أب، أخ وصديق لهم يُحيطهم بمحبَّته وعنايته، هم الذين أعطوا حياتهم لله في الكنيسة. كما يجب أنْ يعتني بهم لكي يقوموا بواجباتهم الخاصّة بحالتهم الكهنوتية، ولكي يستطيعوا أنْ يقوموا بها يحتاجون إلى أسقفهم الخاصّ لكي يُساندهم ويُشجّعهم ويُذكِّرهم بموجبات حالتهم، ثمّ يوفّر لهم كافة الوسائل والمنشآت والأجهزة وغيرها ممّا هو ضروري لتعزيز ودعم حياة الرعاة والخدّام الروحيَّة والثقافيَّة والرعويَّة (القانون/192 –البند4).

 

شاهد أيضاً

الاحد السابع لايليا: الطفل المعلم

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى: من سفر إشعيا (33: 1-6) تندد بأشكال الكذب والسرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*