الرئيسية / المقالات / السلطة في مفهوم المسيح

السلطة في مفهوم المسيح

الاب سالم ساكا

المقدّمة:
في بداية إنعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، قال البابا يوحنا الثالث والعشرون (1958-1963): "إنَّ الإنجيل ما زال مجهولاً ينتظر مَنْ يكتشفه من جديد". وممّا قاله بهذا الشأن أيضاً البابا بولس السادس (1963-1978) في ختام إحدى رياضاته الروحيَّة: "من الواجب علينا نحن المؤمنين بالمسيح، الاكليروس قبل المؤمنين العلمانيين، أنْ نُطبِّق الإنجيل… فقد خُيِّل إلينا على أنَّنا فهمناه حقاً وعشناه، ولكنَّنا عرفنا الآن وأدركنا جيداً انَّنا بحاجة إلى إعادة النظر في كلّ شيء منذ البداية".
من الطبيعي قوله، أنَّنا إذا إنتقلنا من الإيمان النظري إلى تجسيد ما نؤمن به بالأعمال والواقع، أعني إذا إنتقلنا الى مرحلة التطبيق فيما يطلبه إيماننا المسيحي، خشينا الاعتراف المتواضع بأخطائنا. فكم وكم مرة حوَّرنا رسالة المسيح وأفقرناها من معناها وغاياتها. ولم يغرب بعد عن الأذهان كيف تَشكَّك الكثيرون عندما طلب البابا بولس السادس المغفرة عن الخطايا التي اقترفتها الكنيسة على مرّ الأجيال. وهذا ما فعله أيضاً البابا القديس يوحنا بولس الثاني (1978-2005). معنى ذلك، أنَّ الكنيسة وإنْ هي معصومة عن الخطأ في تعليمها الرسمي النهائي، إلاّ أنَّها معرَّضة للخطأ، لا بل هي خاطئة وتبقى كذلك، في ما عداه.
إنَّنا نعيش في زمن من أحرج أزمنة تاريخ كنائسنا. فنقول بأنَّ الأزمة ضاربة أطنابها في سائر الميادين: أزمة في السلطة، أزمة في الطاعة والإيمان والأخلاق، كما في الرجاء أيضاً. والجميع في كلّ مكان يشعرون بحاجة ماسَّة إلى مضاعفة الجهود للخروج من هذه الأزمات.
في خضمّ ظلمات هذه الأزمة، لا يزال المسيح في نظرنا، نحن المسيحيين، نور العالم (يوحنا 8/12)، والنور الأمين: "إلى مَنْ نذهب يا ربّ، وكلام الحياة الأبدية هو عندك؟" (يوحنا 6/68)، ولا بدّ لنا، ساعة تحتدم الأزمات في تاريخنا المسيحي، من أنْ نتخطّى الأجوبة الفلسفيَّة والثقافيَّة والعلميَّة وما هو منها على مستوى الإنسان فقط، فهي وحدها لا تكفي. وليكن المسيح جوابنا "الحيّ". وليكن كلمة سهلة بحيث يستطيع كلّ إنسان أنْ يقرأها ويفهمها، كلمة عصرية بحيث تساعد في حلّ كلّ المشاكل وأشدّها خطورة، كلمة جديدة بحيث تلبّي أعمق المتطلَّبات في الذين يبحثون باستمرار، والذين يحبّون التجديد، والذين يريدون أجوبة مستحدثة عن مشاكلهم الخاصّة، والذين يحلمون بإله يتبدَّل كلّ يوم شريطة أنْ يظلّ إله المحبَّة (1يوحنا 4/16).

أزمة السلطة:
    كَثُرَتْ المؤلَّفات اليوم حول ما يُسمّيه البعض بأزمة السلطة بشكلٍ عام وأزمة السلطة في الكنيسة بشكلٍ خاصّ، فيما يُشدِّد البعض الآخر على أنَّ ثمة أزمة الطاعة. فهذا يقول: "الرؤساء لا يُطاعون لأنَّهم لا يحسنون الخدمة"، والآخر يجيب: "المرؤوسون لا يُطيعون لأنَّهم لا يحسنون نكران الذات وروح التجرُّد". لا شكّ في أنَّ علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية أيضاً وسواها من العلوم الأخرى، تقوم بدور هامّ جداً في تفهّم مظاهر السلطة والطاعة، ممّا لا ينحصر في النطاق الديني فحسب. لكنَّني أرى أنَّ لا علم النفس ولا غيره من العلوم الأخرى، يمكنها أنْ تعطي لنا نحن المسيحيين الجواب الشافي. فلا بدّ إذن من اللّجوء إلى المسيح ومفهومه عن السلطة.


صفاتنا للرئيس:
لو قُيِّضَ لنا اليوم أنْ نختار شخصاً ليكون رئيساً لجماعة كنسيَّة مُعيَّنة، فبدون شكّ ستكون المقاييس التي سوف نتبعها كالآتي:
1-    أن يكون مُتبصّراً حذراً. 2- الشخص الذي لا يُثير مشاكل، أو الذي يعطي ضمانات على أنَّه لنْ يثيرَ أية ضجَّة في المستقبل. 3- أنْ لا يصدر عنه أيّ ضعف خُلقي. 4 – أنْ يكونَ إدارياً وله قسطاً وافراً من الحنكة في التعامل مع الناس. 5- أنْ يكونَ من المحافظين والمعتدلين. 6- أنْ يتمتَّعَ بثقافةٍ عالية وحاصلاً على شهادات عالية على الأقلّ في واحد من العلوم المختلفة (راجع القانون/180، القانون/940 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية). لعلَّ هذه اللّوحة أشبه بالكاريكاتور لما فيها من تبسيط في الوصف، إلاّ أنَّنا لا ننكر أنَّ 90% من تعيينات الرؤساء الكنسيين أو إنتخابهم يتمّ على هذا المنوال.

صفات الرئيس في الإنجيل:
منذ أنْ سُلِّطتْ الأنوار على قضية الرئاسة في الكنيسة، ومنذ أنْ طُويت صفحة المجمع الفاتيكاني الثاني، قرأتُ مراراً وتكراراً كافة النصوص الواردة في العهد الجديد التي تتحدَّث عن الرئاسة في الكنيسة وعن كيف سلَّم المسيح مفتاح السلطة لأول"رئيس" في كنيسته. لقد شعرتُ فعلاً لدى تأمُّلي في النصوص، أنَّ في تعيين الرؤساء، من البابا إلى الأساقفة والرعاة ورؤساء الرهبانيّات ومديري الهيئات والمنظَّمات ورؤساء اللّجان الكنسيَّة و…، تمَّ ويتمّ اللّجوء إلى مقاييس هي في الغالب على طرفي نقيض ومقاييس المسيح. فلمّا أزمع يسوع أنْ يُعيِّن أول "رئيس" للكنيسة، القديس بطرس، طلب منه يسوع أنْ يكون هامَّة الرسل، و"يُثبِّتْ" إخوته، ومنحه بعض الصلاحيّات الخاصّة ممّا جعله، إلى حدٍّ ما، فوق الرسل الآخرين. إذاً يسوع إختار التلميذ بطرس ليرئس الجماعة الأولى ويخدم إخوته ويكون المسؤول في مسالك الإيمان الصعبة. لكن ما هي الصفات التي طلبها يسوع من بطرس؟
إذا عدنا إلى النصوص الإنجيليَّة، فسنجدَ إنَّ أول رئيس للكنيسة إختاره المسيح لم يكن له أيّ نصيب من هذه "الصفات" المذكورة أعلاه. ذلك أنَّ التلميذ بطرس لم يكن قطّ مثالاً يُقتدى به على الأقلّ من جانبِ صفة "الفطنة والثقافة" و "البصيرة والعلم". إذ بطرس لم يكن يُقيِّم الأمور بشكلٍ صحيح، ولا ليتحسَّب للمزالق والمخاطر. كما لم يكن بطرس الشخص "الذي لا يثير المشاكل". فقد أثار الكثير منها، سواء كان إبّان حياة يسوع الأرضيَّة أو بعدها. يكفي أنَّ يسوع نفسه إضطرَّ إلى أنْ يصفه "بالشيطان" – أي المُجرِّب-. ثمّ إنَّه في بستان الزيتون لجأ إلى العنف وإستلَّ سيفه خلافاً لما تعلَّم من يسوع. كما أنَّه عرَّض الكنيسة الفتيَّة للخطر بسببِ أساليبه المتزمّتة، ممّا دفع القديس بولس الى مجابهته. ولم يكن بطرس طاهراً، مُنزَّها "بلا خطيئة". فقد أنكر المسيح ثلاثة مرات، وخاف من الإستشهاد، ولم يكن مثالاً للثبات والصمود، بل تغلَّب خوفه من الصليب على أمانته للمعلّم. كان بطرس بعيداً جداً عن الذين ندعوهم اليوم "دبلوماسيين" أو "توافقيين= وياهم وياهم، عليهم عليهم= أنت صحّ وهذا حقّه، وهو صحّ ولكن الحقّ لك". فهو كلّه عفوية، ينضح بما في باطنه دون أنْ يُقدِّر عواقب كلامه. ولعلَّ بطرس كان أقلّ الرسل ثقافة وعلماً وتنشئةً فكرية. لذلك حسب إعتباراتنا، لم يكن بطرس جديراً ليُرشَّح ليكونَ رئيساً ولو لجماعة صغيرة، لا بل من الممكن جداً أنَّه كان يتمّ رفضه حتى لهذا المنصب البسيط، بحجَّة أنه قليل التبصُّر، ليس موهوباً، وهو متطرّف، متذبذب في مواقفه، ولا يحمل شهادة عليا، ومع ذلك أدلى المسيح له بصوته.

يسوع يختار بطرس رئيساً:
ليس صحيحاً إذا قلنا بأنَّ المسيح اختار بطرس بسببِ سيئاته، لكي تتجلّى فيه يد الله على أفضل وجه. إذاً لماذا إختاره؟ لا ننكر أنَّه كان لبطرس الرسول سيئاته، بيد أنَّه ينبغي الاعتراف أيضاً بأن كان له من الحسنات التي اعتبرها المسيح أسمى من هفواته وسيئاته. أمّا أهم حسنات بطرس فهي:
1- كان بطرس يتمتَّع بمقدرة عظيمة على الخدمة. فما إنْ تعلَّق بالمسيح حتى بدا له أمراً طبيعياً في ألاّ يملك شيئاً: "نحن الذين تركوا كلّ شيء، بيوتاً، أموالاً، أراضي…". إنَّ غنى بطرس الحقيقي، وحياته كلّها، كان المسيح والمسيح فقط.
2- كان بطرس يحبّ يسوع حبّاً عظيماً وعجيباً. كان يحبّ يسوع أكثر ممّا يفهمه "أنت تعلم أني أحبّك".
3- في الوقت الذي هرب الرسل الآخرين وإختبأوا، قاوم بطرس هلعه وخوفه، وتبع يسوع الى أبعد ما هو مستطاع.
4- يضطرب بطرس أمام كرنيليوس قائد المائة الذي أكبَّ ساجداً له: "فأنهضه بطرس وقال له: قم، فأنَّما أنا بشر مثلك= التواضع" (أعمال الرسل 10/26).
إنَّ إدراك بطرس لحدوده وإمكانيّاته وقدراته من جهة، وحبّه لمُعلّمه الأوحد من جهةٍ أخرى، مكَّناه من خدمة أخوتِه دون أنْ ينسى مسؤوليَّته، ولكن أيضاً، دون أنْ ينسى أنَّه إنسان كسائرِ الناس، مُعرَّض للخطأ مثلهم. وكان من إعتقاده هذا أنَّه قَبِلَ رأي، بل توبيخ بولس الرسول له بكلّ تواضعٍ وشكر.

الختام:
إنَّ الذي يحبّ، والذي هو أشدّ الناس وأكثرهم حبّاً، هو الذي يستطيع دون سواه، ممارسة سلطة الحكم والخدمة ورئاسة جماعةٍ ما في الكنيسة. فأمام هذا "الحبّ الأعظم" تغدو كلّ السيئات عرضيَّة، وبدونه تصبح كلّ الحسنات الأخرى عديمة الجدوى.
أُنتُخِبَ يوحنا الثالث والعشرين على أنْ يكون بابا إنتقالياً، وبانتظار مرشَّح أوفر حظاً منه في الثقافة والذكاء والدبلوماسيَّة. نعم لم يكن البابا يوحنا الثالث والعشرين فيلسوفاً، متبصّراً ولا صاحب شهادات علميَّة عالية، لكنَّه إنعطف بالكنيسة والتاريخ نفسه، مُنعطفاً جديداً. والسبب هو، لأنَّه كان أشدّ محبَّة وتواضعاً من سواه، ولأنَّه أحبَّ جميع الناس، الفقراء والمهمَّشين والمعوزّين أولاً و… ثانياً، دون أن يسثتني أحداً. لقد أحبّ الجميع بكلّ ما في بساطته من قوة عارمة وعفوية وغنى.
إنَّ كنائسنا بحاجة ماسَّة إلى أناسٍ من أمثال بطرس الرسول والبابا يوحنا الثالث والعشرين ليقودوا جماعاتنا المسيحيَّة. أنَّنا بحاجةٍ إلى أناس شريعتهم الوحيدة هي المحبّة والتواضع، أنْ يكونوا خدّاماً لا مخدومين، أنْ يموتوا عن ذواتِهم من أجل أنْ يحيا الآخرون، لا أنْ يحيوا بموتِ الآخرين، وأنْ يكونَ أسلوبهم الرعوي هو البساطة الإنجيليَّة لا اسلوب الأمراء والملوك. نحنُ بحاجة إلى أناسٍ مُتحمِّسين لتحقيقِ أولاً وقبل كلّ شيء مشروع الله وهو تأسيس ملكوته على هذه الأرض، ملكوت العدل والحقّ والسلام، وليس مشاريعنا الشخصيَّة. حينذاك تزول أزمة السلطة وتزول معها أزمة الطاعة. فلنقرأ الانجيل من جديدٍ لكن بعيونِ الأطفال وقلوبهم الطاهرة. أختم حديثي بما قاله قداسة البابا فرنسيس في موعظته لدى ترؤسه قداس الرسامة الكهنوتية لكوكبة جديدة من إيبارشية روما، بتاريخ 7/5/2017: "ليكن دوماً نصب أعينكم مثال الراعي الصالح، الذي جاء لا ليُخدمَ بل ليَخدم… من فضلكم، لا تكونوا "أسياداً، ولا "رجال دولة"، بل كونوا بالأحرى رعاة… رعاة لشعبِ الله".

 

شاهد أيضاً

الجزء الثاني: لقاء يسوع واتباعه

الجزء الثاني: لقاء يسوع واتباعه الشماس سمير يوسف كاكوز يسوع التقى الكثير من عامة الناس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*