الرئيسية / المقالات / التطويبة الثالثة “طوبى للحزانى فإنهم يُعزّون”

التطويبة الثالثة “طوبى للحزانى فإنهم يُعزّون”

المطران بشار وردة


نقرأ في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية:
"إن التطويبات هي في القلب من كرازة يسوع، وإعلانها يُعيد ما قُطِعَ من مواعيد للشعب المختار منذ إبراهيم، ويكملّها بتوجيهها لا إلى التمتّع بالأرض فحسب، بل بملكوت السموات كذلك. التطويبات ترسم وجه يسوع المسيح وتصفُ محبتهُ، وتُعبّر عن دعوة المؤمنين المُشاركين في مجد آلامه وقيامتهِ، وتُنير الأفعال والمواقف التي تُميّز الحياة المسيحية. التطويبات تكشِف عن هدف الوجود الإنساني، عن الغاية القصوى للأعمال الإنسانية، وهي أن الله يدعونا إلى سعادته الخاصة، وهذه الدعوة موجّهةٌ إلى كلِّ واحدٍ شخصياً، ولكن أيضاً إلى الكنيسة بوصفها جماعةً: الشعبَ الجديدَ المؤلَفَ من الذين تقبلوا الوعدَ ويحيونَ به في الإيمان" (1716، 1717، 1719)


طوبى للحزانى فإنهم يُعزّون
الحُزن يُعبّر عن حالة إنسانية يشعُر فيها الإنسان بمشاعر الخسارة والألم والضياع والقطيعة مع الذي يريدهُ ويتمنّاه من جهة: أُريد أن أكون مع فلان، أتطلّع لأن يكون شريكُ الحياة أكثرَ صدقاً ويعيش العلاقة بأمانةٍ، أُحبَ أن يعرِف الناس الحقيقة، فلا أختبرَ الظلمَ الذي أشعرُ به، ومع الواقع من جهةٍ أخرى، الذي يرفُض الإستجابة لكل هذه الأمنيات والرغبات والتطلّعات: غُربة وتهجير وخياناتُ ومرضٌ وموت، تجعل الإنسان حزينا ومتألماً يشعر بالإمتعاض والحسرة والكآبة والتأسفِ والضعفِ والضياع والعذاب وخيبة الأمل وعدم جدوى الحياة والرغبة بالبكاء، وحتى بالغضب والنفور ورفض مثل هذا الواقع المُؤلِم والمُخيف في الوقت ذاته.
فالحزين إنسان يشعُر بفقدانِ إنسان أو شيءٍ يُحبهُ، فيُحدِثُ غيابهُ فراغاً مُؤلِماً في حياتهِ، يعبّر عنها بالصراحة وذرفِ الدموع. إنَّ الغيابَ والحرمانَ والموتَ واقع مُؤلِم يجعل الإنسان حزيناً فيبكي. الموت يُدمّر الوحدةَ التي يسعى الحُب الناضج لأن يخلقها؛ لذا، يعدّ خطيئةً، تحرِم الإنسان الحزين من الكلام أو التعبير عن عوزه وفقرهِ، ولا يكون له إلا الله يلتجئ إليه ويستمدُ منه العزاء والقوّة لمواصلة الحياة، من دون حضور المحبوب (أو الشي المرغوب فيه). هكذا يكون إنسان الإيمان والرجاء، يواصِل المحبة على الرُغم من واقع "الموت".
فهل أن ربّنا يسوع طوّب كل أشكالِ الحُزن الإنساني عندما أعلنَ: "طوبى للحزانى فإنهم يُعزون"؟ كيف يُمكن للإنسان الذي تعلّقَ قلبهُ بشخصٍ أو شيءٍ أو منصبٍ أو مكانةً، وخسره، أن يُصلي: "الله أعطى والله أخذ، فليكن إسم الربِ مُباركاً؟!
ميّز ربنا يسوع جماعة التلاميذ عن الجموع فكانوا يرافقونه عن قُربٍ ويختلي بهم مراراً ليُعلّمهم. هذا التمييز جعلهم مُكرسين ومُفرَزِين عن العالم مع أنهم في العالم، ليحملوا البُشرى السارة إليه، وكان عليهم أن يعيشوا فكرَ المسيح ومشاعره: "فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع" (فيلبي 2: 5). شعورٌ يجعلهم حزانى على واقعِ حياتهِم الخاطئ، وواقع العالم البعيد عن الله. حزانى بسبب الخطيئة والشر اللَّذَينِ يجعلان العالم مُرعباً وغير حسنٍ للعيش بعدُ. لم يكن حُزنهُم أنانياً أو مُغلقاً، بل كان ذا قضيّة، لكيما يواصلوا إعلانَ البُشرى السارّة والدينونة في آن: "اِذهَبوا إلى العالَمِ كُلِّه، وأَعلِنوا البِشارَةَ إِلى الخَلْقِ أَجمَعين. فمَن آمَنَ واعتَمَدَ يَخلُص، ومَن لَم يُؤمِنْ يُحكَمْ عَليه" (مر 16: 15- 16)، وعندما يرفضُ الآخر الإيمان يحزنُ الرسول من أجلهِ أيضاً؛ لأنه يُحبهُ محبّة الله الآب له: "إِنَّ في قَلْبي لَغَمًّا شَديدًا وأَلَمًا مُلازِمًا. لقَد وَدِدتُ لو كُنتُ أَنا نَفْسي مَحْرومًا ومُنفَصِلاً عنِ المسيح في سَبيلِ إِخوَتي بَني قَومي بِاللَّحمِ والدَّم، لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة" (2 قورنتس 2: 4).
تختلِف هذه التطويبة عن غيرها في أنها تَعِدُ بتغييرٍ مُستقبلي في الواقع، فالفقراء يعيشون واقع ملكوت الله، والودعاء لهم الأرض كلّها، أما الحزانى فإنهم سيُعزوَن، والربُّ الإله هو الذي سيُعزيهم، وسـ " يمسَح كل دمعةٍ من عيونهِم" (رؤ 7: 17)، ولن يبقى للموت أو للحُزن أو للصراخ أو للألمِ وجود (رؤ 21: 4)، لأنهم مؤمنون بأن الربَّ لن ينساهُم، وسيكون معهم ليُغيّر واقعَهُم المُحزِن والمُبكي؛ لأنه أحبوهُ وترجوهُ في كل حياتهِم. هذه التطويبة تتحدث عن حالة على نحوٍ متميّز وتعد بالعزاء والراحة والرجاء لكلَّ المُعَذَّبين والمُهَمَّشين والفقراء، وتُساعدهم على أن يعيشوا دعوتهم في محبّة الله بكل القلب والفكر والقدرة، وتسمُّ العلاقات الإنسانية بالعدالة.
ولكنَ، ومِن أجل أن ينالَ الإنسان العزاء الذي يعدُ به ربّنا يسوع في قولهِ: "طوبى للحزانى فإنهم يُعزونَ"، عليه –أولاً- أن يشعر بالحزن والألم اللَّذَينِ فيه، ويختبرهماِ من دون أن ينكرَهما أو يسعى إلى تجنّب التقّرب منهُما أو دفعهُما إلى المناطق الخفيّة في شخصيّته. فمن دون هذا التعرّف والتقرّب من هذا الحُزن لن يكون بإمكان الإنسان الحزين أن يختبِر العزاء، بل سيكون عائقاً أمام نضوجه الشخصي ونموه الإنساني، ولن يتحرر منه. والعزاء الذي سيقبله لن يكون بأن يرفَع الله عنه هذا الحُزنَ، بل سيكون معه وإلى جانبه، فلن يشعر بهولِ الحزن وثقلهِ.


ولكن كيف يعيش تلميذ المسيح يسوع؟
يعيش فقيرَ الروح، وديعاً، يُعاني (يتألم) بسبب خطاياهُ وخطايا العالم، وبالنتيجة يصبح غريباً عن هذا العالم، بل مرفوضاً ومُهاناً ومُضطَهداً. وهذا ما يجعلهُ حزيناً: على واقعِ حياتهِ وحياة العالم الذي يعيُش فيه. وعندما يحزنُ الإنسان على هذا الواقع، يضع حدّاً لسلطان الشِّر وانتشاره، ابتداءً من نفسهِ. هو يعرِف أن دعوتهُ ورسالتهُ تتضمنان حمل صليبِ الألم، ويُؤمِن بكلمة ربّنا يسوع: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: ستَبكون وتَنتَحِبون، وأَمَّا العاَلمُ فَيَفَرح. ستَحزَنون ولكِنَّ حُزنكم سيَنقَلِبُ فَرَحاً. إنَّ المرأَةَ تَحزَنُ عِندما تَلِد لأَنَّ ساعتَها حانَت. فإِذا وَضَعتِ الطَّفْلَ لا تَذكُرُ شِدَّتَها بَعدَ ذلك لِفَرَحِها بِأَن قد وُلِدَ إِنسانٌ في العالَم. فأَنتُم أَيضاً تَحزَنونَ الآن ولكِنِّي سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح" (يو 16: 20-22).
يقول البابا بندكتُس السادس عشر في مَعْرِضِ شرحهِ للتطويبات، ولتطويبة "طوبى للحزانى":
هناك نوعان من الحُزِن: نوعٌ فقدَ الرجاء والثقة بالحُب وبالحقيقة، وهو يأكل الإنسان من الداخل ويُدمرهُ، ويمثله يهوذا الاسخريوطي الذي أصابهُ الرُعب، وهو يُفكِر في سقطتهِ، فلم يجرؤ على الرجاء، فشنق نفسه التي كانت فريسة اليأس، ونوعٌ ينجمُ عن الإضطرابِ الذي تُثيرهُ الحقيقة، ويقود الإنسان إلى التوبة ومقاومة الشر. إن هذا النوع من الحزنِ شافٍ؛ لإنه يُعلم الرجاء والحب من جديد. ويُجسّده حزن بطرس الذي ذرفَ دموعاً شافية تحت نظر الربّ، فتحت أثلاما في تربة نفسه. لقد بدأ إنطلاقة جديدة، وأصبح إنساناً جديداً.


فاي حُزنٍ يُطوّبهُ ربنا يسوع؟
الحزين: إنسانٌ يؤسسَ إيمانَهُ ورجاءَه على الله، ويحملُ محبةً صادقةً لإخوتهِ البشر، لا يقبل بأن يُساوِم على حساب إيمانهِ هذا، ويرفض أي شكلٍ من التوافقية مع "انتظارات العالَم". إنسانٌ استغنى عمّا يظنه العالم رخاءً وسلاماً ومتعة، فماتَ عن الخطيئة ليحيا للمسيح، وفي الموتِ حزنُ وألمٌ ومرارة: "فكَذلِكَ إحسَبوا أَنتُم أَنَّكم أَمواتٌ عنِ الخَطيئَة أَحْياءٌ للهِ في يسوعَ المسيح. فلا تَسودَنَّ الخَطيئَةُ جَسَدَكمُ الفاني فتُذعِنوا لِشَهَواتِه" (روم 6: 11- 12). وهو حزينٌ في الوقت نفسِهِ على العالِم بسبب الخطيئة والشّر اللَّذَين ينخران فيه، ويبدو كأنه غريبٌ عن العالم وضيفُ مُزعِجٌ عليهِ ونذير شؤمٍ، مع أنه يحملُ حزنَ العالم وحُزناً على العالم؛ ليُشارك ربّنا يسوع في آلمهِ على الصليب، فيكون قادراً على تعزية الآخرين؛ لأن الربَّ بادَر إليه وعزاهُ: "تَبارَكَ اللّهُ أَبو ربِّنا يسوعَ المسيحِ، أَبو الرَّأفَةِ وإِلهُ كُلِّ عَزاء، فهو الَّذي يُعَزِّينا في جَميعِ شَدائِدِنا لِنَستَطيعَ، بما نَتَلقَّى نَحنُ مِن عَزاءٍ مِنَ الله، أَن نُعَزِّيَ الَّذينَ هُم في أَيَّةِ شِدَّةٍ كانَت" (2 كور 1: 3- 4)
الحزين: وبسبب ما يختبرهُ من مهانةٍ ورفضٍ وظلمٍ من قبل الآخرين، بسبب إيمانهِ بالمسيح يسوع وتباعتهُ له بأمانةٍ، يشعرُ أحياناً بالحزنِ لغياب الله عن حياتِهِ فيصير منبوذاً، مثلما يُصلي المزمور: "قد كانَ لي دَمْعي خُبزًا نَهارًا ولَيلاً إِذ قيلَ لي طولَ يَومي: "أَينَ إِلهُك؟" (مز 42: 3)، وعلى الرُغم من ذلِك يبقى إيمانه راسخاً. نذكّر كيف أن القديسة الأم تريزا قاد عانت كثيراً من "شعور غياب الله" عن حياتها لفترة 50 سنة، ولكنها لم تتوقّف عن المسيرة بل واصلت العطاء والخدمة بفرحٍ؛ لأنها رفضت العمل مع الإنسان من دون الله. حزنها لم يكن سبباً لتبتعِد عن الله، بل بقيت مؤمنةً به، واثقةً من محبتهِ الأمينة، طالبةً منه العون، مثلما يصلي المزمور 13:
 
 
إِلامَ يا رَبُّ، ألِلأَبدِ تَنْساني؟ (نداء إستغاثة موجهٌّ إلى الربِّ)
إِلامَ تَحجُبُ وَجهَكَ عَنِّي؟ (موضوع الإستغاثة: غيابُ الربِّ)
إلامَ أجعل هموما في نفسي وحزنا في قلبي كل يوم؟
إلامَ يرتفع عدُوّي عليَّ
أُنظُرْ واْستَجِبْ لي أَيُّها الرَّبّ إِلهي وأَنِرْ عَيَنيَّ لِئَلاَّ أَنامَ نَومةَ المَوت
فيَقولَ عَدُوِّي: "علَيه قَويتُ" واْبتَهَجَ مُضايِقيَّ لأّنِّي تَزَعزَعتُ.
وأَنا توكَّلتُ على رَحمَتِكَ ويَبتَهجُ قَلبي ِخَلاصِكَ. (إعلانُ الإيمان)
أُنشِدُ لِلرَّبِّ لأّنَّهُ أَحسَنَ إِلَيَّ وأَعزِفُ لاْسمِ الرَّبِّ العَليِّ. (نذرٌ ووعد شخصي)


الحزين: إنسانٌ يشعُر في عمقِ ذاتهِ بإنه متغرّبٌ عن "محبّة الله الآب". يطمَح ليُثبّتِ نفسهُ عبر تحقيق ذاتهِ فيجِد نفسهُ بعيداً عن أبيهِ، وفي حالةٍ تعيسة: "يرعى الخنازير" (لو 15: 15). هذه الغُربة تجعله يشعر بالألم؛ لأنه خَسِر محبةَ الأب، خسارة أشبه بالموتِ، ففي خطيئتهِ أهانَ شخصَ الآب، وعليهِ أن يتحلّى بالشجاعةِ ليعودَ إليه ويتمتَع بسماع صوتِ الأب الذي يفتح ذراعيه ليستقبِل الحزين ويُنهي حالة الإنتظار ويبدأ زمنُ الإحتفال. التوبة الصادقة تبدأ بمشاعر الحُزن على واقع الخطيئة الشخصي الذي يشعر به الإنسان وتكتمِل بدموع الندامة عليها، مثلما بكَى بطُرس بعد أن أنكرَ معلِّمَهُ (لو 23: 62). فخطايا الإنسان لا تُمحَى إلاَّ بالماء: ماء المعموذية ودموع التوبة"، على حدِّ تعبير آباء الكنيسة.
الحزين: إنسانٌ يحملُ حزن الله على العالم البعيد عنه، ابتداءً من شخصهِ هو، ويتمنّى أن يُعاقَب هو ويُمحى من وجه الحياة ليحيا الآخر. ورَجَعَ موسى إلى الرَّبِّ وقال: "آهِ! يا رَبّ، قد خَطِئَ هذا الشَّعبُ خَطيئَةً عَظيمة، وصَنَعَ لِنَفْسِه آلِهَةً مِن ذَهَب. والآنَ إِن غَفَرتَ خَطيئَتَه، وإِلاَّ فآمحُني مِن كِتابِكَ الَّذي كتَبتَه" (خر 32: 31- 32). هو شعورٌ الإنسان بحزنِ الله على واقع الإنسان الخاطئ، وشعورٌ(شخصي) بالحزنِ على الإنسان الخاطئ، فيبكي وينوح على خطايا العالم (حز 9: 4)، ويُصلّي إلى الله: "أَشفِقْ ياربُّ على شَعبِكَ ولا تَجعَلْ ميراثَكَ عاراً فتَسخَرُ مِنهُمُ الأُمَم. لِماذا يُقالُ في الشُّعوبِ: أَينَ إِلهُهم" (يؤ 2: 17). فلا يُمكن أن يكون الإنسان مؤمناً بالربِّ، إن لم يكن قادراً على أن يصلِّي ويتوب متضامناً مع العالم الخاطئ.
الحزين: إنسان يشعرُ بألمِ الآخر، ويحزن لأنه لا يستطيع أن يُغيّر الواقع، فيختار البقاء معهُ فيكون إلى جانب الحزين فيما يختبره من حُزنٍ وألمٍ وعذابٍ. فالعُزلة والنسيان تجعلان الألم أكثر ثقلاً على حاملهِ. إنسانٌ متواضعٌ يسمحُ لألمِ الآخر وعذابهِ أن يمُسانهُ على نحو شخصي، فيشعُر بحاجةِ الآخر وألمهِ، فيتضامَن معهُ في حزنهِ، حتّى وإن لم يقدِر على تغيير هذا الواقع المُؤلِم أو التخفيف عن حزنهِ. هذا ما فعلتهُ النسوة عند الصليب مع التلميذ الذي أحبهُ ربّنا يسوع، فلم يتركا ربّنا وأمهُ يُعانيان الحزنَ وحدهما، بل وَقَفْنَ إلى جانبهما ليتقاسَمْنَ وايِّاهما هذه الأوقات بصمتٍ.
الحزين: إنسان تّلَمَسَ ألمهُ الشخصي على نحو عميقٍ، ولا يخجَل من دموعهِ، ولا يحاول تسمية الحزن والألم والعذاب والموت بغير أسمائها، أو التنكر لها. فهو واقعٌ ينبغي أن يتحملّه بصبرٍ. ولكنه يحمل رأفة وسخاءً ليمنح قلبهُ لإنسان آخر يتألم. قلباً يقفُ إلى جانب الفقير والمُعدَم والحزين، قلباً ينسى ألمه ليتماهى في ألمِ الآخر، فيقف متضامناً مع كل الذين لا يستطيعون أن يساعدوا أنفسهم. هو لا يبحث عن الألم والحزِن؛ لأنه إنسانُ الفرح، ولكن إن اختبرَ حُزنا أو ألماً، فهو يتحمّلهما بصبرٍ، مؤمناً بأنه ليس وحيداً هو آمنٌ في محبّة الله بيسوع المسيح:
"فمَن يَفصِلُنا عن مَحبَّةِ المسيح؟ أَشِدَّةٌ أَم ضِيقٌ أَمِ اضْطِهادٌ أَم جُوعٌ أَم عُرْيٌ أَم خَطَرٌ أَم سَيْف؟ فقَد وَرَدَ في الكِتاب: "إِنَّنا مِن أَجْلِكَ نُعاني المَوتَ طَوالَ النَّهار ونُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبْح". ولكِنَّنا في ذلِكَ كُلِّه فُزْنا فَوزًا مُبيناً، بِالَّذي أَحَبَّنا. وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ، ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا" (روم 7: 37- 30)

يسوع الحزين لأجل الإنسان
"روحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَليَّ لِأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَني وأَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفُقَراء وأَجبُرَ مُنكَسِري القُلوب وأُنادِيَ بِإِفْراجٍ عنَ المَسبِيِّين وبتَخلِيَةٍ لِلمَأسورين لِأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرّبّ وَيومَ انتِقام لِإِلهِنا وأُعَزِّيَ جَميعَ النَّائحين. لِأَمنَحَهمُ التَّاجَ بَدَلَ الرَّماد وزَيتَ الفَرَحِ بَدَلَ النَّوح وحُلَّةَ التَّسْبيحِ بَدَلَ روحِ الإِعْياء فيُدعَونَ بُطْمَ البِرّ وأَغْراساً لِلرَّبِّ يَتَمَجَّدُ بِها" (إش 61: 1-4)، هذه هي البُشرى السارّة التي أعلنها ربّنا يسوع المسيح: إلهنا وملكنا لن يترُك الإنسان في خطاياهُ بل سيُخلّصهُ، ولن يخذُل مَن يترجاهُ، بل سيكون إلى جانبهِ في ألمهِ وحُزنه بيسوع المسيح الذي سيُخلّصه من خطاياه (متّى 1: 21)؛ لأن الخطيئة هي أساس كلِّ ألمٍ وحزنٍ في العالم، وأنَّ رسالة تلميذ المسيح، وكل مؤمنِ به ستكون: أن يحملَ العزاء للحزانى والمتألمين: رسالة عناية وإصغاء ورجاء بصمتٍ وإيمان. لقد آمن التلاميذ والكنيسة بأنّ إلهنا أوفى بوعدهِ في إشعيا: "عَزُّوا عَزُّوا شَعْبي يَقولُ إِلهُكم خاطِبوا قَلبَ أُورَشَليم ونادوها بأَن قد تَمَّ تجَنُّدُها وكُفِّر إِثمُها ونالَت مِن يَدِ الرَّبِّ ضِعفَينِ عن جَميعِ خَطاياها" (إش 40: 1-2)، فكان لنا الخلاص والعزاء بيسوع المسيح. فالله لا يُريد الألم والحزن والعنف لشعبه بل يُريد له الخير والصلاح.
ربّنا يسوع علّم تلاميذه أنَّ التعلّق بالأشياء يجعل الإنسان يسيرُ في الحياة حزينا متحسراً عليها إذا فقدها؛ لأنه صارَ عبداً لها: "فلَمَّا سَمِعَ يَسوعُ ذلِكَ قالَ له: واحِدَةٌ تَنقُصُكَ بَعدُ: بعْ جَميعَ ما تَملِك ووَزِّعْه على الفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّموات، وتَعالَ فَاتبَعْني". فلمَّا سَمِعَ ذلك اغتَمَّ لِأَنَّه كانَ غَنِيّاً جِدّاً. (لو 18: 22- 23) حتّى التعلّق بالأشخاص بمقدوره أن يجعلنا حزانى لفراقِهم أو غيابهِم، إن لم يكن لنا القُدرة على أن نشكر الله على حضورهم في حياتنا، ونمنحهم حُرية أبناء الله ليكونوا حيث ينتظرهم الله: "فقالَ لها يسوع: "لا تُمسِكيني، إِنِّي لم أَصعَدْ بَعدُ إِلى أَبي، بلِ اذَهبي إِلى إِخوَتي، وقولي لَهم إِنِّي صاعِدٌ إِلى أَبي وأَبيكُم، وإِلهي وإِلهِكُم" (يو 20: 17)
تضامنَ ربّنا مع الحزانى فأشفقَ على أرملةِ نائين الحزينة على موتِ ابنها، وأدمعَت عيناه لمنظر الأختين لفقدان أخيهما لعازار، وتألمَ على أورشليمَ البعيدة عن الله والرافضة لأنبيائه: "ولمَّا اقَتَربَ فَرأَى المَدينة بكى علَيها وقالَ: "لَيتَكِ عَرَفتِ أَنتِ أَيضاً في هذا اليَومِ طَريقَ السَّلام!" (لو 19: 41). مَن يتبع ربّنا يسوع سيتعلّم أن يحزَن معه لأجل العالم، لكي يتمكّن من أن يُقدِم تعزية مسيحية معهُ؛ ولذلك، دعا تلاميذه ليبقوا معهُ، ويتقاسموا ساعة الحُزنِ التي اختبرها: "ومضى بِبُطرسَ وَابنَيْ زَبَدى، وجَعَل يَشعُرُ بالحُزْنِ والكآبة. فقالَ لَهم: "نَفسي حَزينَةٌ حتَّى المَوْت. أُمكُثوا هُنا واسهَروا مَعي" (متّى 26: 37- 38). لقد طلبَ رفقةَ الأصدقاء في ساعة الحُزنِ هذه، ولم يجدها؛ لأن النعاس كان ثقيلاً عليهم (متّى 26: 43)، لم يطلبْ كلماتٍ بل البقاء معه بصمتٍ، ولم يجدها من أصدقائه فأرسلَ له الله ملاكَ ليعزيه: "وتَراءَى له مَلاكٌ مِنَ السَّماءِ يُشَدِّدُ عزيمَتَه". (لو 22: 43)، وهذا هو معنى عبارة (يُعَزَّون)، أي أن الله لن يتركهم وحدهم يواجهون الحُزنَ، بل سيكون إلى جانبهم، ليتقاسمَ معهم هذا الحُزنَ ويتسامى به لتقديس حياتهِم.
تعمّق هذا الحُزنُ على الصليب لما سَمِعَ الماّرة يستهزئون ويقولون: "يا أَيُّها الَّذي يَنقُضُ الهَيكلَ ويَبنيهِ في ثَلاثَةِ أَيَّام، خَلِّصْ نَفسَكَ إِن كُنتَ ابنَ الله، فَانزِلْ عن الصَّليب"… "خَلَّصَ غَيرَه، ولا يَقدِرُ أَن يُخَلِّصَ نَفْسَه! هو مَلِكُ إِسرائيل، فَلْيَنْزِلِ الآنَ عنِ الصَّليبِ فنُؤمِنَ بِه. إِتَّكَلَ على الله، فَليُنقِذْهُ الآن، إِن كانَ راضِياً عَنه، فقَد قال: أَنا ابنُ الله". وكانَ اللِّصَّانِ المَصلوبانِ معَه هما أَيْضاً يُعَيِّرانِه بمِثلَ ذلك. (متّى 27: 39- 44). فجاءَ جوابهُ، وهو المُتألِم بسبب خطاياهم: "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لو 26: 34)، فهو لم يتألم بسببهم فحسب، بل تحمل الألم لأجلهِم، مع إنهم رفضوه واستهزؤوا به.
ومن على الصليب صلّى المزمور 22 وفيه كشفَ عن حُزنهِ وألمهِ وأكدّ إيمانهُ بالله الآب، والذي يُعلِن في خاتمته: "سأُبَشِّرُ أُخوَتي باْسمِكَ وفي وَسْطِ الجَماعةِ أُسَبِّحُكَ … جَميعُ أَقاصي الأَرضِ تَتَذَكَّر وإِلى الرَّبِّ تَتوب وجَميعُ عَشائِرِ الأمَمِ أَمامَه تَسجُد لأَنَّ المُلكَ لِلرَّبَ وهو يَسودُ الأمَم. لَه وَحدَه يَسجُدُ جَميعُ عُظَماءَ الأَرض وأَمامَه يَجْثو جَميعُ الهابِطينَ إِلى التُّراب لَه تَحْيا نَفْسي، وإِيَّاه تَعبُدُ ذُرِّيَّتي. يُخبِرونَ بِالرَّبِّ الجيلَ الَّذي سيَأتي وُيبشِّرونَ بِبِرِّه الشَّعبَ الَّذي سيُولَد: لأَنَّه قد صَنعً صَنيعًا".

أسئلة للتأمل الشخصي:
1. أسلوب ربّنا يسوع في العزاء هو من خلال التعرّف على الألم والحزنِ الذي فينا والذي تجاهلناه ولم نتعامل معه على نحو حقيقي: أن نكون بتماس مع "البُكاء المؤجَل" الذي قمنا بكبتهِ ودفعهِ إلى المناطق الخلفية في شخصيّتنا لئلا "تتخدّش صورةَ" عنّا. فهل لك الجُرأة والشجاعة لتكون مع هذا الحُزن؛ لتتعرّف عليه وتُقرَّ بهِ؟
2. هل شعرتَ يوماً أن الله ليس حاضراً في حياتِك؟ غائب وصامتٌ أمام صلواتِك؟ متّى كان ذلك؟ وما الذي كنت تطلبهُ منه وتُصلي إليه؟ هل واصلتَ الصلاة إليه أم قطعتَ الصلاة لأنك اعتقدتَ أنها مضيعة للوقت؟
3. هل فكّرتَ يوماً أن خطيئتَك تُسبب حُزنا في قلبِ الله؟ أم أن الأمر لا يتعدّى مخالفةَ وصية وتُسوّى من على منبرِ الإعتراف؟ هل تؤمِن بأن الخطيئة هي جرحٌ في العلاقة أكثر مما هي تجاوز للمُشترعات والوصايا؟ هل ندمت عليها حُزناً وبُكاءً؟
4. ما هو الحدث الذي سببَ لك حُزناً جسدياً ونفسياً؟ أكانَ فقدان شخصٍ تُحبهُ؟ أم خسارتَك لشيءٍ تعلّقتَ به؟ أم فشلَك في الحصولِ على شيءٍ أو مكانة أو قضيّة؟ هل كُنتَ قادراً على الصلاة لله؟ ماذا صليّت في تلِك الحادثة؟ وكيف؟
5. هل حدثَ وإن صرتَ سببَ حُزنَ إنسان تعرفهُ؟ هل تتذكّر تفاصيل الحادثة؟ ما الذي دفعَك لإتخاذ مثل هذا الموقِف معه؟ هل حدّثَك عن حُزنه منك؟ هل طلبتَ الغفران منه، أم تجاهَلتَ الأمرَ؟
6. هل تأمّلت يوماً في سبب إبتعاد مَن تعرِفهم عن الله؟ ماذا فعلت إزاء هذه المُشكلة؟ هل حدّثتهُم بصراحة؟ هل صليّت من أجلهم، أم أن الأمرَ لا يعنيِكَ البتّة؟
7. ينقل لنا التلفاز يومياً أخباراً عن شعوب تعاني الفقر والمجاعة بسبب جشع ِالإنسان. هل تشعر بالحزنِ أمام هذه المشاهِد؟ هل تتألم لأجلهم؟ وهل تذكرهُم في صلاتِك؟ هل جعلتك هذه المشاهد أكثر قُرباً من الفقراء وغيّرت أسلوب حياتِك في التعامل مع الخيرات الأرضية، أم أن الحروب والمآسي التي اختبرتها أضعفت فيك مثل هذا التعاطُف وهذه المشاعِر؟

 

شاهد أيضاً

(The Motto of the Chaldean Patriarchate: “For we saw His star in the east and have come to worship Him” Matt (2: 2

Patriarch Louis Raphael Sako Chaldeans Pre – Christianity: Chaldeans were a major component of the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*