الرئيسية / المقالات / التطويبة الرابعة “طوبى للجياع والعِطاش إلى البرِ فإنهم يُشبعون”

التطويبة الرابعة “طوبى للجياع والعِطاش إلى البرِ فإنهم يُشبعون”

المطران بشار وردة


"التطويبات -كما يقول البابا فرنسيس- هي طريق الحياة التي يعلّمنا إياها الرب حتى نسير على خطاه… التطويبات هي صورة المسيح وبالتالي كل مسيحي… إنّ التطويبات هي بمعنى آخر البطاقة الشخصية أو هوية المسيحي. إنها تُثبِت بأننا أتباع يسوع. نحن مدعوون لكي نكون طوباويين وأتباع يسوع، أن نواجه الصعاب بروح ومحبة يسوع”…. “طوبى لمن يبقون مثمرين بينما يواجهون الشرّ الذي يقترفه الآخرون تجاههم، ويغفرون من كل قلبهم. طوبى لمن ينظرون في عيون المهمَّشين والمنبوذين ويظهرون لهم القرب. طوبى لمن يرون الله في كل شخص ويجهدون في سبيل جعل الآخرين يكتشفون المسيح. طوبى لمن يحمون بيتنا المشترك ويهتمّون به. طوبى لمن يتخلّون عن راحتهم الذاتية في سبيل مساعدة الآخرين. طوبى لمن يصلّون ويعملون من أجل تحقيق الوحدة الكاملة بين المسيحيين. كلّ هؤلاء هم رسل رحمة الله وحنانه، وسيُكافَؤون بالتأكيد على ذلك".

إنسان التطويبات هو فقيرُ الروح الذي آمن كلياً بالله، والوديع الذي تحّرر من تجربة التسلّط، والحزين على واقع العالم الخاطئ؛ لذا يكون جائعاً وعطشاً إلى البِر، برِ الله. لا يبحث عن اشباع رغباتهِ وحاجاتهِ الجسدية والمعنوية، بل يُريدُ إتمامَ ما يُريدهُ الله أولاً وقبل كل شيءٍ، ويواصِل عمل الله على الأرض: "طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه" (يو 4: 34).

ولكن، لماذا اختار ربّنا يسوع كلمتي: "الجوع والعطشِ" في تعليمهِ عن واجبِ طلبِ برِّ الله؟ هل يُمكن أن نطوّب الجوع والعطش؟ أَوَ ليسَ الجوع والعطش إهانة لكرامةِ الإنسان؟! فنحن نؤمِن أن لكلَّ إنسان الحق في الطعام والماء من دون تمييز. أَلَم يرفض ربّنا يسوع صرفَ الجموع الجائعة مثلما اقترحَ تلاميذهُ، فأخذ الخُبز والسمكات وبارَك وكسرَ وأعطى التلاميذ والتلاميذ قدّموا للجموع؟! أَلَم يدعو الجياع والعطاش إلى أن يقبلوهُ هو: "أَنا خُبزُ الحَياة. مَن يُقبِلْ إِليَّ فَلَن يَجوع ومَن يُؤمِنْ بي فلَن يَعطَشَ أبَداً" (يو 6: 35).

يتفقَ مُعظم علماء الكتاب المُقدس أن متّى الإنجيلي أضافَ كلمة "البر" إلى التطويبة، فجعل لها توجهاً خاصاً. فهو لا يتنكّر للجوع والعطش اللَّذَين يُعدان شراً يجب محاربتهُ، مثلما فعل الله عندما رافق شعبهُ في البرية حيث صلّوا إليه طالبين طعاماً وماءً. فليس في الجوع والعطش صلاحٌ أو خير يُرتجى، إلا إذا كانَ نذراً من أجل غاية أسمى، كالصوم مثلاً. أرادَ متّى الإنجيلي أن يعودَ إلى نقطة الإنطلاقة: الجوع والعطش إلى البِر، الجوع إلى الله، والذي يُؤكِد بالضرورة على التزام الإنسان في طلِب مشيئة الله: "لتكُن مشيئتُك كما في السماء كذلِك على الأرض"، وسيكون لهذا الإلتزام المسؤول نتائج وثمار عملية تتركّز في "جعل الله في المركز"، والعمل على إزالة الظلم والفوضى والحرب والفقر والمجاعة عن وجه الأرض، وهو ما فعلهُ ربّنا يسوع في حياتهِ مع الفقراء والجياع والعطاش والمسحوقين والمرضى والمنبوذين، حتّى قدّمَّ نفسهُ خُبزاً يُؤكَل وشراباً يروي عطشَ الإنسان.

لقد عانى الشعبُ مراراً من حالة الخطيئة: إنعدامِ البِر وكثرةِ المظالِم وانحرافِ القضاء وفساد الحُكم، وتعالت أصوات الأنبياء المُطالبة بتحقيق العدالة: "أجروا الحُكمَ بالحق والعدل" (هوشع 10: 12)، فواصلوا شجب كل أشكالِ الظلم والفساد التي حصلت على يد القضاة والملوك، وعدّوا ذلِكَ إهانة لقداسةِ الله: "وَيلٌ لِلقائِلينَ لِلشَّرِّ خَيراً وللخَيرِ شَرّاً، الجاعِلينَ الظُّلمَةَ نوراً والنّورَ ظُلمَة، الجاعِلينَ المُرَّ حُلْواً والحُلْوَ مُرّاً… المُبَرِّئينَ الشِّرِّيرَ لِأَجلِ رَشوَة، والحارِمينَ البارَّ بِرَّه؛ فلِذلك كما يَلتَهِمُ لَهيبُ النَّارِ القَشّ وكما يَفْنى الحَشيشُ المُلتَهِب يَكونُ أَصلُهم كالنَّتْن وبُرعُمُهم يَتَناثَرُ كالتُّراب لِأَنَّهم نَبَذوا شَريعةَ رَبِّ القُوَّات واستَهانوا بِكَلِمَةِ قُدُّوسِ إِسْرائيل" (إش 5: 20 -24). ولأنهم، أي الأنبياء، كانوا يعرفون مدى جسامة خطيئة الإنسان وتعرض العدل والقضاء إلى الفساد، كانوا يتطلعون إلى مجيء الماشيحا الذي سيحكُم بالبِر: "ها إنَّها ستأتي أَيَّامٌ، يَقولُ الرَّبّ أُقيمُ فيها لِداوُدَ نَبْتاً بارّاً ويَملِكُ مَلِكٌ يَتَصَرَّفُ بِفِطنَة ويُجري الحُكمَ والبِرَّ في الأَرض. في أَيَّامِه يُخَلَّصُ يَهوذا ويَسكُن إِسْرائيلُ في أَمان. والاسمُ الَّذي سيُدْعى بِه هو الرَّبُّ بِرُّنا" (إرميا 23: 5- 6)

فبدء البِر هو عند الله؛ ليجذُبَ الكلَّ إليه، فالله هو الأصل (الجذر)، وهو الذي يمدُّ الساقَ بالغذاء ما دامت متصلّة بالجذرِ لتحملَ الثمار في أوانهِا. هو أب مُحبٌ يُعلِّم أبناءَه طريقَ الاستقامةِ، وإن أخطؤوا وتابوا يستقبلهُم برحمتهِ، فيكون بذلِك أميناً لنفسه: محبّة. فعلى الإنسان التواصل مع الله ليكون لتقواهُ حياةٌ فتحملِ الثمار المرجوة.


مَن هو الجائع والعطشان إلى البر؟
الجائع والعطشان إلى البر: هو إنسان يؤمِن بأن الله وحده هو الذي الذي سيُشبعهُ ويرويهِ، وعليه أن يعي هذه الحاجة في حياتهِ: "أَمَّا أَنا فبِالبِرِّ أُشاهِدُ وَجهَكَ وعِندَ اليَقظَةِ أَشبعُ مِن صورَتكَ" (مز 17: 15)، فلن يُشبع جوعهُ أو يروي عطشهُ تسلطٌ أو مالٌ أو مكانةٌ متميزةٌ أو أي ُّ تطلّعاتٍ إنسانية، فهذا الشكل من الإشباع والإرواء سيتركهُ أكثر جوعاً وعطشاً. الجوع والعطش إلى الله، سيُنظّم كل علاقاتهِ: مع الله ومع الآخرين، ويضعها على المسار الصحيح، فيُعطي الله حقّ التعبّد له بإيمان صادِق وأمين، ويُعطي الإنسان حقّهُ ويرفُض كل أشكال الظلم ِالتي تطال حياة القريب؛ لأنه، أي الإنسان البار، يحمُل حُلمَ الله للخليقة، ويُريدها أن تكون دوماً، مكاناً حسناً فيضعُ السلم حيث العنف، والمحبّة حيث العداوة والنظام حيث الفوضى، واعياً لضعفهِ ومحدودية إمكانياتهِ، وحاجتهِ المُستمرِة إلى الله، إلى التوبة إليه، فلا يتحوّل يوماً من مظلومٍ إلى ظالمٍ، بل يرى "وجه الله" في الفقير والمحتاج: "الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متّى 25: 40).

الجائع والعطشان إلى البر: إنسان يؤمِن بأنّ البِر هو عطيّة من الله: "إِلى أن يُفاضَ علَينا الرُّوحُ مِنَ العَلاء فتَصيرُ البَرِّيَّةُ جَنَّةً وتُحسَبُ الجنَّةُ غاباً ويَسكُنُ الحَقُّ في البَرِّبَّة ويَستَمِرُّ البِرُّ في الجَنَّة ويَكونُ عَمَلُ البِرِّ سَلاماً وفِعلُ البِرِّ راحةً وطُمَأنينَةً لِلأَبَد" (إش 32: 16- 18). عطيّة يقبلهُا بمسؤولية وعليه أن يتحلّى بالشجاعة ليواصِل المسيرة بثباتٍ وحماسٍ مقاوماً تجربة الفتور التي تجعلهُ يتراجعَ ويستكينَ إلى الواقعِ "الشرير" ويقبل به يائساً. الجوع والعطش إلى البِر يدفعان الإنسان الى العمل من أجل القضاء على الجوع والعطش المادي في العالم، وهذا يتطلّب الدخول في حياة الشِركة مع الآخرين بثقةٍ ومحاربة الأنانية التي فيه والتي تجذبهُ إلى ذاتهِ وتجعله ينافِس القريب ويرغبُ في السيطرة عليه والاستيلاء على الخيرات المادية متوهماً أنّ فيها راحتَهُ وسعادتَهُ: "وأَقولُ لِنَفْسي: يا نَفْسِ، لَكِ أَرزاقٌ وافِرَة تَكفيكِ مَؤُونَةَ سِنينَ كَثيرة، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي" (لو 12: 19).

الجائع والعطشان إلى البِر: هو من يسعى من أجل تحقيق صلاح الله في العالم. يُصغي ويتأمَل في كلمتهِ، ويبحث عنه ليكونَ حيثُ يُريدهُ الله. هو يعرِف أن ذلك لن يتحقق إلاّ من خلال مسيرة متيقظة للواقع الذي يعيشه؛ ليتلّمس علامات حضور الله. وكونه جائعاً وعطشاناً إلى البِر يجعلهُ حيّاً وفاعلاً ومُبدعاً يواصِل المسيرة، ولا يدّعي يوماً الوصول أو الشبعَ أو الإرتواء، مؤمناً بأنه مدعوٌ لأن يتعاون مع الله في تحقيقِ البّر (الصلاح): "غَيرَ أَنَّنا نَنتَظِرُ، كما وَعَدَ الله، سَمَواتٍ جَديدةً وأَرضًا جديدةً يُقيمُ فيها البِرّ" (2 بط 3: 13). هذا الإنتظار يخلقُ فيه شوقاً إلى الله، ويقظة لرؤية علاماتهِ في حياته، والإصغاء إلى مشورته الصامتة، فيعمَل على أن يُهيء سُبلَهُ على الأرض: زكريا وإليصابات ومريم ويوسف، فكانوا في حياتهِم طريق الله إلى كل إنسانٍ.

الجائع والعطشان إلى البِر: إنسانٌ يُريد أن يكون عادلاً ومُستقيماً ونزيهاً في علاقاتهِ ومنتبهاً لواقعِ الفقر والظلمِ الذي يفتِك بحياة الكثيرين، فيدفعهُ وعيه وشعوره ليكون مُحباً ورحوماً وسخياً: "وإِن كانَ رَجُلاً فَقيرًا، فلا تَنَمْ ورَهنُه عِندَكَ، بل، عِندَ مَغيبِ الشَّمْس، تَرُدُّه إِلَيه، حتَّى يَنامَ في ردائِه وُيبارِكَكَ، فيُحسَبُ لَكَ بِرٌّ أَمامَ الرَّبِّ إِلهِكَ. لا تَستَغِلَّ أَجيرًا مِسْكينًا أَو فقيرًا مِن إِخوَتكَ أَو مِنَ النزَلاءِ الَّذينَ في أَرضِكَ، في مُدُنِكَ، بلِ ادفَعْ إِلَيه أُجرَتَه في يَومِه، ولا تَغِبْ علَيها الشمْس، لأَنَّه مِسْكين وإِلَيها يَطمَح، لِئَلاَّ يَصرُخ علَيكَ إِلى الرَّبّ، فَتكونَ علَيكَ خَطيئَة" (تث 24: 12- 16). عدالتهُ واستقامتهُ مُقدمَة بصحن المحبة والرحمةِ، وهذا يُجنبهُ السقوط في تجربة "تنصيبِ نفسهِ" ديَّاناً للاخرين، فيبقى الله في المركّز لا ما يظنهُ هو ويعتقدهُ، ويكشِف هو عن نفسه إنساناً مُعتدلاً وفطناً في رؤيته وأحكامهِ. محبّة وإهتمامٌ يتجاوز حاجةِ الفقير المادية والمُباشرة ليشمُل حياتهُ كلهّا، فلا يُجازيه على وفقِ ما يستحقُّ فحسب، بل يُعاملهُ بالمحبة أيضاً فيُعطيه أكثر مما يستحق (عمال الساعة الأخيرة: متّى 20: 1- 16).

الجائع والعطشان إلى البِر: ليس شخصاً أنانياً منغلقاً على ذاتهِ وحاجاتهِ: الجوع والعطش، بل يُصلي طالباً "العملَ بمشيئةِ الله"، وهذه الصلاة الفاعلة تجعلهُ منفتحاً على حاجاتِ الآخرين؛ لأنه يرى العالم بعيون الله. فلا يُطالِب الآخرين بأن يكونوا صالحينَ بل يبدأ مسيرة الصلاح من نفسه: فيصومَ ليوفّر الطعام للجياع، ويُصلي ليكون صوتاً للمظلومين والمُهَمَّشين، ويَتَصدّق (يُحسِن) على المُحتاجين ليُشارِكهم عطايا الله. فالجوع والعطش إلى البر يُحِرران الإنسان من نفسهِ ليكون كلياً لله، ويصدقُ في تعبده لهُ: "أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟! أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ" (إش 58: 6-7).
الجائعِ والعطشان إلى البر: إنسان مُحبٌّ للناس (حكمة 12: 19)، يُبالي بما يُعانيه الفقراء من جوعٍ وعطشٍ إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة: الخبز والماء، ويشعر في قلبهِ انها مُعاناتهُ هو، ويُشفِق عليهم مثلما أشفقَ ربّنا يسوع: "أُشفِقُ على هذا الجَمْع، فَإِنَّهُم مُنذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يُلازِمونَني، ولَيسَ عِندَهم ما يَأكُلون. وإِن صَرَفتُهم إِلى بَيوتِهم صائمين، خارَت قُواهم في الطَّريق، ومِنهُم مَن جاءَ مِن مَكانٍ بَعيد" (مر 8: 2-3). فلا يُمكن أن يكون مثل الغني الذي رأى معاناة لعازر المسكين وتركهُ يُقاسي العذاب، من دون أن يصلَ صُراخهُ إلى قلبهِ. إيمانهُ بالله يدفعهُ إلى محبّة القريب، فالإيمان من دون أعمال ميّت (يعقوب 2: 17). يستقبِل الإنسان البار كلَّ ما يأتيهِ من الله بشكرٍ وفرحٍ، ويعمَل على تجسيد هذا الفرح من خلال استجابات مُحبة لله وتعبدٍ نزيهٍ يُمجِد فيه الربَّ وينعمُ القريب بحياة كريمةٍ ويقف متضامناً مع الفقير والمسكين واليتيم والأرملة والمُستضعَف.

الجائع والعطشان إلى البِر: إنسان يعيش حياتهُ على وفقَ فكِرِ الربِّ ويسعى لإتمام إرادتهِ في حياتهِ، فيمتلِك علاقاتٍ صحيحة مع العالم ومع الآخرين. فيه جوعٌ وعطشٌ إلى الربِّ، وهذا يعني عملياً أنّ فيه جوعاً وعطشاً إلى أمرين لا ينفصلان: العدالة وحياة القداسة، إلى الله، فهو ليس ثورياً يرغبُ في تغيير الأنظمة السياسية والاجتماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية بين البشر فحسب، بل يُريد أن تكون هذه خطوة نحو حياة القداسة، أي الإتحاد بالله القدوّس: "أَنَّ الَّذي دَعاكم هَو قُدُّوَس، فكذلِكَ كُونوا أَنتم قِدِّيسينَ في سيرَتِكم كُلِّها، لأَنَّه مَكتوب: "كونوا قِدِّيسين، لأَنِّي أَنا قُدُّوس" (1 بط 1: 15- 16). ويشهدُ التاريخ الإنساني لحركات طالبَت بتحقيق العدالة وحرّكت الجماهير وقامت بثوراتٍ غيّرت فيها أنظمة مُستبدة لتتحوّل هي نفسها إلى أنظمة أكثر استبداداً من سابقتها؛ لأنها كانت تخلو من منطلقات روحية، من الله.
 
يسوع الجائع والعطشان إلى البِر
 تربىّ ربّنا يسوع في بيت يوسف ومريم اللّذين عاشا البر من خلال طاعتهما لله وإن لم يستوعبا حقاً معنى تجسدهِ. وقدّم متّى الإنجيلي يوسفَ بوصفه "باراً" (متّى 1: 18)، والذي أبقى الحوار مع الله متواصلاً لاسيما في الساعات الحرجة التي اختبرها في حياتهِ، فصلّى وقت الأزمةِ وكشفَ في ذلك عن صداقةٍ أصيلة مع الله، فلم يتركهُ الله في ضيقهِ فأرسلَ إليهِ ملاكهُ ليُثبّته في الإيمان ويكشِف عن هوية مريم وعنّ سرّ الحبل الإلهي، وكلّفه برسالة: "أن يُسمي الطفل" ليكون والدَهُ الشرعي.

بِر يوسف تجلّى في استعدادهِ ليكون تحت تصّرف الله وخدمة مشروعهِ، مؤمناً بهِ حتّى لو لم يفهَم ما يُريده الله منه. برّه جعله قادراً على تمييز إرادته؛ لأنه أصغى باعتناءٍ لصوتِه، وأعطى المكانة المُطلقة لله في حياتهِ، ولم يدع أفكاره وتأملاتهِ كي تجرّه إلى طُرق عنيفة أو صاخبة وإلى حلول فوضويةٍ، بل واصل السير في ظلمة الأفكار التي تتصارَع فيه، فاستسلمَ كلياً لله (نامَ نومَ المتأمِل)، حتّى لو لم يفهم تدبير الله ومطالبهِ: "يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مز 126: 2)، ونومٌ البار ليس تهرباً من مشروع الله، بل انفتاح على الحضور الإلهي في حالةٍ من الوعي، إذ يضعُ الإنسان جانباً ما يُفكِر به ليسمَح لله بالتفكير فيه ومن خلالهِ.

برّه كان في فعل الطاعة الذي التزمَ به: "فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ"، فلم يُؤجِل المهمّة لأيامٍ، ولم يستشر مُفسِّرَ أحلامٍ، بل كمّل كل ما أوصاه به الملاك، فصار الحارس والمُدبر والمعتني والمُحّب والمرافِق للأم وطفلها مُتخلياً عن إرادتهِ ورغباتهِ الشخصية ليكون تحت تصرّف تدبير الله الخلاصي. دُعي ليُحبِ خطيبتهُ وزوجته في بتوليتها، ويعتني بطفلها من دون أن يتوقّع مكافأتٍ شخصيةٍ، بل كان عليه تحمُلُ المشقات بسبب هذه الدعوة. دعوته كانت: أن يكون الأب المرئي لتدبير الله الخلاصي على الأرض، أن يخدُم إبن الله وأمه بسخاء تامٍ، وهذه مكافأة بحدّ ذاتها.

وعندما بدأ يوحنا المعمذان رسالتهُ دعا الجموع إلى معموذية التوبة، أي، العيش بأسلوب حياة يختلِف عن المتعارَف عليه، فكان عليهم أن يتركوا عالم الخطيئة والدخول في عالم الله، واستجابَ كثيرون لدعوته، وبضمنهم ربّنا يسوع الذي تقدّم لينالَ العماذ منه، وعندما عارضهُ يوحنا أجابَ ربّنا: "دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ" (متّى 3: 15)، فكانت عبارة "البِر" أولى كلمات ربّنا يسوع في إنجيل متّى. وفي تقدّمه للعماذ أرادَ أن يدخلُ في عالمِ الله، فيعيش أسلوب حياة جديد على الأرض فيُحوّل الأرض إلى سماء (عالم الله)، لذلك؛ انفتحَت السموات له عند عماذه: "واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متّى 3: 16- 17).

"ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس. فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع" (متّى 4: 1-2)، فما الذي فعلهُ ربّنا يسوع في مواجهةِ الجوع؟
 طلبَ المُجرِّب من ربّنا يسوع تحويل الحجارة إلى خبزٍ. أرادَ أن يُجرِّب الله الذي خلقَ كلَّ شيءٍ، وفي تجربتهِ هذه كان يُريد السيطرة على قوّة الله لصالحهِ ليخلُق عالمنا مثلما يراه هو: أنانياً، جشعاً ومليئاً بالعنف والصراعات، ويجعَل من ربنا يسوع المُخلِّص ساحراً، ويُبعِده عن أبيهِ، فيترُك العناية الإلهية ليتّكِل على المخلوقات: الحجارة. لكنَّ ربّنا يسوع كانت سعيداً بالحجارة التي رافقته طوال أربعين يوماً وأربعين ليلة، واستمتَعَ بمنظرها، فلم يرغَب بأن تكون غير ما أرادَ الله الخالِق أن تكون، مؤكداً على ضرورة الإيمان والاتكال على الله الآب، مثلما كُتِبَ في سفر تثنية الإشتراع: "لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان" (تث 8: 3). فعليهِ أن يُواصِل الصلاة كل حينِ إلى الله الآب من دون اللجوء إلى "آلهةٍ" أخرى مزيفة، لأن كلمة فم الله هي ثمرةُ محبة قلبهِ، وكلمة الله هي كلمة خلاصٍ، وحياةٌ للإنسان.

 ربّنا يسوع عاش حياة البِرّ الإلهية وأتمّها في حياتهِ مُجسداً محبّة الله وبرّه على الأرض، ونذكُر هنا حادثتين:
 الأولى: عندما شاهد الجموع الكثيرة التي تبعتهُ متعَبة وجائعة أشفقَ عليهم فقدّم لهم خُبزاً وسمكاً مُباركاً: "ثُمَّ أَخذَ الأَرغِفَةَ السَّبعَةَ والسَّمَكات، وشكَرَ وكسرَها وناوَلَها تَلاميذَه، والتَّلاميذُ ناوَلوها الجُموع. فأَكَلوا كُلُّهم حتَّى شَبِعوا… وكانَ الآكِلونَ أَربَعَةَ آلافِ رَجُل، ما عدا النِّساءَ والأَولاد" (متّى 15: 36- 38). لم يشبَع هو حتّى شبعوا كلّهم، ولم يكن هناك تمييز وتفضيل لشخص على آخر. كل شخص نالَ حصتهُ بالتساوي، في واقعٍ كان يُميِّز بين الرجل والمرأة والأطفال، ويُصنّف الناس إلى مجموعاتٍ، مفضلاً هذا على ذاك. في واقع ملكوت الله، بِر الله، الجميع متساوون أمام الله الآب، وهذا ما يحصل في سرّ الأفخارستيا فالجميع يقبل جسد ربّنا يسوع ودمهُ.

 والثانية: عندما حانت ساعة رحيله عن الأرض، أعطانا جسدهُ ودمهُ ليكون طعاماً وشراباً من أجل إعادة بناء العلاقة مع الله الآب: المُصالحة. وهو يدعونا إلى أن نصنعَ هذا لذكرهِ، ليس في قبولنا جسده ودمه فحسب، بل عندما نُصبحُ نحن أفخارستيا للآخرين، فلن يهدأ لنا بالٌ ما لم يُرفَع الظلم والجوع والعطش عن الآخرين. هذا هو (بِرُّ) المسيح، هذه هي عدالته التي يدعونا إليها: عدالة نابعة من نعمةٍ إلهية كما يقول البابا بندكتس السادس عشر في رسالة الصوم الكبير لسنة 2010، حين كتبَ متسائلاً:


ما هي إذن عدالة المسيح؟
إنها، قبل كل شيء، العدالة الآتية من النعمة، فليس الإنسان هو مَن يسنّ القوانين ويشفي نفسه والآخرين…. التوبة إلى المسيح، الإيمان بالإنجيل، تعني في النهاية: الخروج من وهم الاكتفاء الذاتي بغية أن يكتشف الإنسان ويقبل حاجته – الحاجة الى الآخر، الحاجة الى الله، الى غفرانه وصداقته. نفهم إذن كيف أن الإيمان بعيد عن أن يكون واقعاً طبيعياً ومريحاً وواضحاً: التواضع ضروري لأقبل بحاجتي الى آخر ليحررني من “ما هو لي”، ليمنحني بمجانية “ما هو له”. وهذا يحصل على نحوٍ خاص في سري المصالحة والافخارستيا… العدالة التي تشعر في كل حالة بانها مدينة أكثر منها دائنة؛ لأنها حصلت على أكثر ممّا كانت تتوقعه”. بقوة هذه الخبرة بالذات، على المسيحي واجب المساهمة في بناء مجتمعات عادلة، حيث يحصل الجميع على ما هو ضروري للعيش بكرامة تليق بالشخص البشري وحيث العدالة تغذيها المحبة.

 فإذا كنتَ جائعاً وعطشاناً إلى البِر، ربّنا يسوع يُطوبَّك؛ لأنّك نلتهُ بالإيمان به: "أَمَّا الآن فقَد أُظهِرَ بِرُّ اللّهِ بِمَعزِلٍ عنِ الشَّريعة، تَشهَدُ لَه الشَّريعةُ والأَنبياء، هو بِرُّ الله، وطَريقُه الإِيمانُ بِيَسوعَ المسيح، لِجَميعِ الَّذينَ آمَنوا، لا فَرْق" (روم 3: 21- 22).


أسئلة للتأمل الشخصي:
1. هل تشعر بحاجتِكَ إلى الله؟ هل تشعر "بالجوع والعطش" لربّنا يسوع؟ وما الذي يدفعك لقبول ربّنا يسوع في سرِّ الأفخارستيا؟ أهو واجبٌ ومطلبٌ كنسي، أم إنّك تشعر باشتياقٍ إلى العيش بحسبِ مشيئة الله الآب وتعي حقيقة ضعفِكَ ومحدودية إمكانيّاتِك، وتُريد تحقيق مشيئة الله وتطلبُ عونهُ وحضورهُ معك؟
2. ما الذي تفعلهُ عادة عندما تختبرُ أزمة إيمان أو مُشكلة في علاقتكِ؟ هل تسأل عن السبب والمُسببات ومن هو المُخطئ؟ هل تتأمل ما الذي يُريدهُ الله منك ولك في مثل هذه الأوقات؟ هل تستشير كاهنا أو راهبا أو راهبة؟ هل تُصلي الأزمة وتتحاور فيها مع الله؟ هل تؤمِن بأنَّ الله وبسبب محبتهِ الأبوية يُريد لكَ نُضجَ الإيمان والشخصية حتّى وقت الأزمات؟
3. أتلتزم بالصلاة والصوم والصدّقة للآخرين لأن ربّنا يسوع والكنيسة أوصيا بذلِك، أم انّك تبحث عن مديحٍ أو مكافأة معنوية، أم إنّك تشعُرُ بالحاجة إلى "الله" وتُريد التواصل معه والوصولَ إليه بتقواك هذه؟ التقوى الإجبارية تجعلنا أكثر جوعاً وعَطَشَاً ولن تُشبِع جوعنا وعطشنا الروحي. الصوم يبدأ من الانقطاع عن السلوكيات الظالمة والمواقف الشريرة. فما هي السلوكيات والمواقف التي يجب عليكَ أن تصومَ عنها اليوم؟ الصلاة ممارسة لعدالة تُطالبنا بتقديم الشكر لله على رعايته وتدبيره الأبوي، أَفَنُصلي شاكرين أم مُتذمرين؟
4. ما الذي تفعلهُ إزاء الفقر والمجاعة والظلمِ الذي يشهدهُ عالمنا؟ أَتذكر ذلك في صلاتِك إلى الله، أم تصمتُ حزيناً على هذا الواقع الشرير، أم أن الأمر لا يعنيَك؛ لأنّك تشعرُ بضعفِك إزاء هولِ الشر الذي فيه، أم أنّك لا تُفكر فيه البتة؟
5. أوصى ربنا يسوع تلاميذهُ بالاجتهاد في طلبِ البرِ: "فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات" (متّى 5: 20). ووبّخَ ربّنا يسوع إدعاء الفريسيين وزيف تقواهم، فكيفَ ترى نفسكَ أمام هذا المطلب؟ هل لك أن تُميز بين الإيمان والتديّن في مسيرتك الروحية؟ ما هي السلوكيات الفريسيّة التي عليك الاقلاع عنها؟ هل أنَّ صلاتك وصومَك وإحسانَك يدفعك لدينونة الآخرين والنظر إليهم بوصفهم خطأة لا يستحقون الحياة؟ إنتبه فهي أخطر مظاهر الفريسيّة التي شجبها ربّنا يسوع؟
6. طلبَ ربنا يسوع من الشاب: "إذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أَموالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني" (متّى 19: 21)، عليك أن تُعيد تنظيم حياتِك انطلاقاً من واقع الفقراء. أنت مدعو إلى التباعة أي إلى الدخول في حياة الثالوث، فوجود الفقراء يعني أن سلطان الخطيئة مازال هو المُتحكِم في حياة البشر، ووجود الفقراء في العالم يعني أيضاً أنّك مسؤولٌ عن ذلِك. فهل تشعُر بهذه المسؤولية؟ كيف تُدبّر مُقتنياتِك؟ وكيف تتعامل مع الفائض منها؟ هل شعرتَ بالحزنِ إزاء خسارة مادية واجهتها في حياتِك؟ أما زلتَ تتذكر هذه الحادثة وتحزن بسببها؟
7. ما الذي يدفعُك لتكون مُعتدلاً في نظرتِك وقنوعاً في تطلّعاتِك وعادلاً في أحكامِك؟ أَهي مُتطلباتٌ إلهية مٌلزِمةٌ (مفروضة عليك)، أم إنها وسيلة لكسبِ احترام الناس وإعجابهم، أم أنّك تجد فيها الفرصة للتعبير عن واجب الشُكرِ لله على عطيّة الإيمان؟ هل تعي حقيقة أن التقوى هي ثمرة عمل الروح فيكَ، وأنّها هي التي تُهيئكَ للقداسة؟ وهل تُصلي من أجل أن تكون "قديساً" في الكنيسة؟

 

شاهد أيضاً

(The Motto of the Chaldean Patriarchate: “For we saw His star in the east and have come to worship Him” Matt (2: 2

Patriarch Louis Raphael Sako Chaldeans Pre – Christianity: Chaldeans were a major component of the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*