الرئيسية / المقالات / الروحانيّة: ليس شائعاً اليوم أن يكون الإنسان “روحانيّاً”!

الروحانيّة: ليس شائعاً اليوم أن يكون الإنسان “روحانيّاً”!

البطريرك لويس روفائيل ساكو

أمام تراجع الروحيّة حتى عند المُكَرَسين والمُكَرَسات بسبب نمط التنشئة وأسلوبها غير المناسب لزماننا، وغياب التنشئة المستدامة، وافتقار المرشد إلى التأهيل اللازم، وعدم الاستقرار في البلاد والمنطقة، وعدم وضوح الرؤية، وموجة الهجرة، وغزو وسائل التواصل الاجتماعي التي خطفت الكل، هذا التراجع مؤشر خطير ينبغي إن تنتبه له الكنيسة.
 لذا رأيت إن انشر بعض أفكار عن "الروحانيَّة" على موقع البطريركية آملاً أن يستفيد منها القراّء، مكرسين كانوا أو مكرسات أو مسيحيين عاديين، لان من دون خبرة روحية عميقة ينقص لمسيحتنا شيء أساسي. هذه الأفكار هي بمثابة " فلاشات" تساعد على التفكير في الإيمان والدعوة والتمييز وهو موضوع سينودس الأساقفة العام في تشرين الأول 2018..
الفلسفة الثنائية اليونانية قسمت الأمور إلى ثنائي المادة والشكل، واعتبرت الإنسان ثنائيا: الجسد بؤرة فساد والنفس أو الروح هو العنصر الخالد، وعليه ينبغي تحييد الجسد في سبيل تحرير الروح، بينما في الروحانية المسيحية وبخاصة المشرقية منها نجد الكلام عن الوحدة والشركة والكمال والتناغم في الحياة، أي عن الإنسان الواحد. ولا علاقة للروحانيّة "بالثنائيَّة" ولا "بالغيبيَّة- عالم الأوهام"، ولا بالممارسات الدينيّة الشكليّة التي لا تساعد على السعي نحو الفضيلة والسمو، الروحانيّة أبعد من كل هذا. الروحانيّة تقوم على اللقاء والعلاقة، والمسيح دعا إلى علاقة بالآب القدّوس، والمسيحيّة بإيمانها الواحد تقوم على علاقة صميمة مع المسيح والاتحاد به،
فلابدّ، في البداية تحديد معنى الروحانيّة حتى تتّضح الرؤية ويُفهم القصد. فالكلمة تأتي من الروح، الروح القدس، من التركيز على حضوره، والإصغاء إلى نداءاته والسير بموجبها، " الروح يهبُّ حيث يشاء" (يو3/8). وهو يساعدنا على البحث ولقاء الله في كل شيء. ويُحدّد هويّتنا كمؤمنين، ويملأ كياننا، ويوجّه حياتنا باتجاه يسوع. وبالرغم من مرورنا بحالات صعبة، الا ان كذا روحيّة تحافظ على الانسجام الداخلي العميق والسلام والفرح. لذا يعود مصطلح “الروحانية” في الأدب المسيحي إلى من له "الروح القدس"، "امتلئوا بالروح" (أفسس 18:5). والشخص الروحاني هو من يفتح كيانه للروح القدس كي يعمل فيه فيغدو شاهداً ليسوع المسيح، ونموذجا حيًا للتلمذة المسيحية ومتجددًا فاعلا لالتزامه من خلال السلوك اليومي الطبيعي الواعي مع من وما يحيط به، عاكسا لهم إنجيل الرجاء والنور والفرح. هذه الروحانيّة في النهاية هي صدى للقاء المؤمن بالمسيح والانبهار به واتباعه.
 الروحانيّة ليست امتيازا للمكرسين والمكرسات في الكنيسة، بل هي لكل معمدّ اقتبل الروح القدس، أي ختم به من خلال الميرون، ويسعى أن يتعلم، وينمو، ويرتقي في علاقة يومية مع الرب يسوع المسيح باتباع إرشادات الروح القدس الذي ينشئ قلب المسيحي ويهديه، ويجدد حياته باستمرار ويبني شخصه ويحوله، بحيث إذا ما تهدم بسبب العمر أو المرض أو حادث ما، يكون قد أقام في داخله كيانا آخر لا يموت، لأنه مندمج في اللامائت. إنها مسيرة لعيش الإيمان بحسب الهامات الروح القدس وتطبيق متطلبات الإنجيل: " الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم" (يوحنا 14/26).
الروحانيّة المسيحية هي نتيجة لشركتنا مع الروح القدس، وتعتمد على المقدار الذي نسمح للروح أن يقودنا. وكل شيء متوقف على الروح أو الدافع: motivation الذي من أجله نحيا ونعمل. الروح يفتح عقل المؤمن وقلبه على الأشياء حتى الصغيرة منها التي لا تُرى إلّا بعين الرّوح
1، وبالثقة والاستسلام الكامل لله.
 الروحانيّة لا تعزل المسيحي عن الناس، بل على العكس تساعده ليكون في وسطهم متأثرا ومؤثرا من خلال ظهور ثمار الروح فيه: " المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف (غلاطية 22:5-23) فيظهر وجه الله فيه.
الروحانيّ شفَّاف ومرهف للحس، لا توجد عنده خشونة ولا يعامل الآخرين بترفع. ولا يمارس باي شكل من الأشكال العنف اللفظي والنفسي أو… الروحاني متواضع يعرف ضعفه وحدوده، ومسامح، ولا يجمد القيم الدينية والأخلاقيّة، بل يسعى دوما لتأوينها.


 الخاتمة
 الروحانية وبخاصة المشرقية
2 مبنية على تدبير الخلاص "oikonomia الذي رأسه يسوع المسيح، ويتحقق في الكنيسة(الجماعة) وفي الفرد المؤمن. ويتم هذه التطابق خصوصا من خلال السنة الطقسية، حيث تعرض علينا محطّات تاريخ الخلاص المختلفة من البشارة إلى تقديس الكنيسة بشكل واقعي وعملـي (المعنى اللاهوتي والأخلاقي) ويتكلل تدريجيا بتقديس الكنيسة (البعد الأواخري)، ومن خلال التأمّل المستمر، شخصيًا وجماعيًا، في سرّ المسيح، يسعى المؤمن المشرقي ليأخذ شيئا من المسيح ويضعه عليه حتى يندمج فيه. إنه برنامج تنشئة على التفكير والتأمل في المواضيع الأساسية والمصيرية المكوِّنة للجماعة المسيحية ووعيها لسرّ دعوتها، وتوجّه صلاتها ومسيرتها. ومسيحية من دون خبرة صوفية – روحية لا طعم فيها. كل مسيحي مدعوٌّ ليكون له شيء من الخبرة الصوفية التي ليست حالة استثنائية، بل على الكلّ ان يختبروها. من هذا المنطلق يضع طقسنا المشرقي قنديلاً مشتعلاً في وسط الهيكل ليسلّط الضوء على مائدتي الافخارستيا والكتاب المقدس، اي على المسيح لنكرمه ونسجد له ونقتدي به.
وركائز الروحانيّة السليمة هي الصلاة والتأمل وقراءة كلمة الله باستكانة وصمت وهدوء، والخروج من المعتاد بين حين وآخر لرياضة روحية أو لمراجعة الذات. هذه الركائز هي القاعدة الأولى للتنشئة الدائمة. وسوف نتناول هذه السمات في حلقات قادمة.

 

نص من آباء كنيسة المشرق

"ليس على الأرضِ ما هو أعزّ على الله من راهبٍ جاثٍ على الأرضِ يُصلي دائمًا، فالصلاةُ مرساةُ التوبة، حيثُ تَهدأ كلُ أنواعِ الأفكارِ مهما كانت كثيرةً. الصلاةُ الدائمة تَجعلُ من العقلِ صورةَ الله، وتؤمِّنُ له موهبةَ إدراكِ الأمورِ الصغيرة. وبوقتٍ قصير تكّفِرُ عن ديون إلإهمال الثقيلة. هذه الصلاة تحوي كلَّ أنواع الزُهْدِ وأنماطِهِ"3.


____
1 العين المستنيرة نظرة مار إفرام الروحانية.. للدكتور سبستيان بروك وترجمة الأب جوزيف ترزي، لوس أنجلوس 1991
2 الأب روبير بولاي الكرملي، مجموعة الرسائل الروحية ليوحنا الدلياتي، دار المشرق 1986.
3. (إبراهيم النثفري، القرن السادس، ساكو، آباؤنا السريان دار المشرق، بيروت 2012 ص 192

 

 

 

شاهد أيضاً

(The Motto of the Chaldean Patriarchate: “For we saw His star in the east and have come to worship Him” Matt (2: 2

Patriarch Louis Raphael Sako Chaldeans Pre – Christianity: Chaldeans were a major component of the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*