الرئيسية / المقالات / 2 روحانيّة اللقاء: من دونها يبقى المسيحي “نحاساً يَطِّن أو صَنجاً يرنّ” (1 قورنثية13/1)

2 روحانيّة اللقاء: من دونها يبقى المسيحي “نحاساً يَطِّن أو صَنجاً يرنّ” (1 قورنثية13/1)

    البطريرك لويس روفائيل ساكو

يُحذّرنا يسوع من خطر الاعتقاد بأنّنا جاهزون بمجرد انتمائنا الاجتماعي إلى المسيحية، وإتمامنا طقوسا دينيّة معينة، وتطبيق شرائع ثابتة، يسوع يريدنا أن نسير إلى الأبعد، إلى العمق، يدعونا أوّلاً وقبل كلّ شيء إلى التعرف عليه، واللقاء الشخصي به، لان اللقاء وحده قادر أن يغيرنا جذريا. يسوع قال لتلميذين أرادا أن يتبعاه "هلمّا فانظرا، فذهبا ونظرا أين يقيم" (يوحنا1/39).
كل مشاهد الإنجيل هي صدى لهذه اللقاءات وتركز على أهميّة اللّقاء بشخص يسوع المسيح. لان الإيمان لا يمكن إن يبقى موروثاً اجتماعياًّ، بل يجب أن ينتقل إلى قناعةٍ ووعيٍّ، ومن دون أن يكون إيمانا شخصياً فلا جدوى منه. الإيمان يتطلب قلوباً وعقولا ًمفتوحةً ومتفاعلة!
اللقاء هو أن نقع على شيء ما، أو نلتقي بشخصٍ ما غير متوقَّع، نُفاجأ به وننبهر، وندخل معه في حوار وعلاقة حميمة فيملأ قلبَنا. هذا اللقاء الحرّ الواعي يرسم ملامح شخصيّتنا، وتاريخنا كله، فيه نشعر أننا محبوبون ونتحّرك ونعمل ونبدع بفرح. الحب وحده يحرك، يجدد، يبدع كما فعل يسوع. لذا ينبغي ان اسأل نفسي: هل علاقتي به هي هويتي؟ أنا مسيحي! الإيمان ثورة حب!
هل عشتَ، ولو لمرّة واحدة في حياتك، لقاءاً شخصياً حقيقياً؟ لقاءاً كشف لك أحسن ما فيك وفيمن التقيته؟ لقاءاً دفعك بثقة وحماسة إلى الأمام، وجعلك تسير بهمّة وقوّة تنقل الجبال! لقاءاً فيه يفي كل واحد من الثنائي بوعوده، لقاءً يجعلك مثل مريم، تؤمن وتثق بما يفوق الطبيعة؟ ويجعلك مثل توما تسجد وتصلي "ربي والهي" (يوحنا 21/28) وبالمجدلية في البستان "رابوني"، يا معلمي…
في اللقاء يكمن سرّ كل قصة حبّ. فيه حركة مزدوجة: اليقين والرغبة. اليقين بأن الآخر موجود ينتظر، ويحبّ، والرغبة من طرفك في لقائه من دون شروط مسبقة حتى يكون لقاءاً كاملاً. لهذا السبب، كلُّ لقاء هو فريد لا يتكرر مرة ثانية بنفس الطريقة والأصالة. 

     على اللقاء تقوم روحانية المسيحي. هذا اللقاء يضعك على المحك، فتخرج من بيتك، من ذاتك، وتذهب، وتمشي، لا بل تجري. لقاء يكشف لك سرَّ من يسكن فيك…مثل إبراهيم، اسحق، يعقوب، موسى، صموئيل، اشعيا. ألعذراء، السامرية، المجدليّة، المرأة الخاطئة، بولس… 
"إن حافظنا على نظرنا موجّهًا إلى يسوع، باستمرار، فسنكتشف بدهشة أنَّه هو الذي ينظر بمحبّة إلى كلِّ فرد منّا" هذا ما قاله قداسة البابا فرنسيس في عظته بعيد القدّيس يوحنّا بوسكو.

 أُحْفُرُ في عُمق قلبك الرغبة في لقاءٍ حقيقي. أدْخُل بصلاتك إلى قعر الشخص الذي تتوق إلى لقائه، افتح له بابك، قاسِمْه ما عندك، حينئذٍ، يكشف لك أحسن ما فيك، وتتدفّق حياتك فرحًا كالشلاّل، ولن يقدر أحدٌ أن ينزعه منك. فتروح مثل مريم تنشد نشيد الحّب. في البداية قالت “نعم" تعبيراً عن إيمانها، ثم "نفسي تعظِّم"، تعبيراً عن فرحها المتدفق.
 
كيف البلوغ إلى هذا النوع من اللقاء؟
1-  اذا بقي الأنسان وحده، منغلقًا ومعزولا، فهو عقيم وخائف ومهدد، لكن عندما يكون مرتبطاً بالأخرين ارتباط المحبة، يقدر أن يطمئن ويحيا ويتقدّم. وفي اللّغات الأجنبية يُشار إلى الديانة بلفظة religion، أي ارتباط واتحاد. هناك علاقات جوهرية في حياة كلٍّ منّا، إذا قطعنا إحداها أصبحنا في حكم المُعاقين، إذ تتوقف كل آفاق وأبعاد شخصيتنا "مجد الله هو الإنسان الحي" ( قول للقديس ايريناوس توفي 202م ).
2-   العلاقة مع الكون، الذي هو المجال الطبيعي لنمو مواهبنا، هي لنكون خلاّقين لا مستهلكين. 

3-   العلاقة مع الذات، بمقدورنا تطوير الطبع الذي يدمغ شخصيتنا، أي تطوير مقدرتنا على تثبيت ذاتنا وبنائها، والسيطرة على ميولنا، وتحمّل مسؤولياتنا. اننا كثيرا ما لا نطور أنفسنا ونبقى الى الأخير على ما نحن عليه فنتخشب. وهذه كارثة!! لأن الإنسان  في نمو دائم ومتكامل. كتب الاب أنطوني دي ميلو اليسوعي الهندي يقول: " كنت لسنوات في حالة انهيار عصبي، قلقا ومنهارا وأنانياً. وأصر علي الجميع بقولهم ان أتغير، امتعضت منهم ولكن رضخت وأردت أن أتغير، وبكل بساطة لم استطع. وأكثر ما آلمني ان اعز أصدقائي هو أيضا كالأخرين الحَّ علي ان اتغير. فشعرت اني في مصيدة لا حول لي ولا قوة. ثم قال لي في أحد الأيام "لا تتغير احبك كما أنت. ترددت الكلمات في اذني كالموسيقى. استرخيتُ وعدت الى الحياة. وفجأة تغيرت". أليس هكذا يحبني الله؟" . 

4-   العلاقة مع الجسد، أي أن نكون سليمين في جسدنا وقلبنا، حتى نتمكّن من القيام بعمل ما. وهذا يتطلب منا أن نؤنسن رغباتنا وعواطفنا، حتى نعيش علاقة سليمة ومتكافئة.

5-    العلاقة مع الآخرين: الاستقبال والاحتضان وخدمة المحبة. إن الآلة التي لا تُستعمل يصيبها الصدأ، والموهبة التي لا تُستثمر تُفْقَد، والحياة التي تعاش من دون هدف تذبل. كل ما نتعلّمه يمكن أن نوظّفه من أجل الآخرين. ومن خلال خدمتنا سنكتشف أن لدينا أشياء جديدة ونقدر أن نستعملها لفائدة الكثيرين.

6-   العلاقة مع الله، الإيمان بالله ليس أمرًا بديهيا سهلا وواضحا، ولا مجموعة عقائد نقبلها ونرددها كالببغاء. هذا تصور خاطئ. بل يتوجب علينا تحويل هذه المفاهيم الى واقع. فالإيمان هو قبل كل شيء علاقة وحياة واختبار ويحتاج دائما الى التفكير والتأمل والصلاة. إن للإله اسم آخر وهو " إني أحبك، أنت وحيد وفريد، لا يمكن استبدالك أو الاستغناء عنك. أحبك كما أنت، كُنْ ذاتك". الله هو مثالنا، وهو منبع سعادتنا. كل ما نعمله هو نتيجة طبيعية لهذه العلاقة الشخصية الرائعة. لا توجد حياة مسيحية من دون أن يكون هناك شيء من خبرة اللقاء مع الله والعيش معه بثقة! " لذا يجب ان يثابر المسيحي في التفكير والتأمل والصلاة وتطبيقها في حياته.

نص من آباء كنيسة المشرق
"أُحبُّ حبيبي وتُحبُّهُ نفسي، وحيثُما راحتُهُ أَكون أَنا. مُزِجْتُ بِهِ لأنَّ المُحِبَّ وَجَدَ المحبوب، ولأني اُحبُّ ذاك الابنَ، صِرتُ ابنًا. مَن انضمَّ إلى من لا يموت، صار هو أَيضًا غير مائتٍ، ومَنْ يُسَرُّ بالحياة يُصْبِحُ حيًّا"2.
____
1- كتاب الايام للاب رفيق خوري، مطبعة البطريركية اللاتينية، القدس 2001 ص 24-25.
2-  موشحات سليمان، أولى الأناشيد السريانية للاب الدكتور افرام سقط، بيروت دار المشرق 2016 ص 97

 

شاهد أيضاً

(The Motto of the Chaldean Patriarchate: “For we saw His star in the east and have come to worship Him” Matt (2: 2

Patriarch Louis Raphael Sako Chaldeans Pre – Christianity: Chaldeans were a major component of the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*