الرئيسية / المقالات / 4 الروحانيّة: قراءة الكتاب المقدّس

4 الروحانيّة: قراءة الكتاب المقدّس

 

كان النُّورُ الحَقّ الَّذي يُنيرُ كُلَّ إِنْسان آتِياً إِلى العالَم.. والعالَمُ لَم يَعرِفْهُ (يوحنا 1/9-10)

 

خلال تاريخ المسيحية، راهباتٌ ورهبانٌ وعلمانيّون، اتبعوا طريقةً خاصة لقراءة الكتاب المقدس وفهمه، سموها "القراءة الإلهية" وباللغة اللاتينية lectio divina “، أو “القراءة المقدّسة". انه مقدس، لان إلهامه وعصمته يعودان إلى من هو "القدوس".

الكتاب المقدس.. أو الوحي الإلهي لم يأتِ إلى الوجود دفعةً واحدةً وبين ليلةٍ وضُحاها، بل جاء تدريجياً. فكلُّ نصٍّ قبل أن يرى النور، حُبِلَ به طويلاً ونما في قلب جماعة مؤمنة، وواعية ومصلية، جماعة عرفت ذاتها في هذا النص وعبَّرت فيه عن إيمانها. تقول الرسالة الثانية إلى تيموثاوس: "إن الكتاب بكل ما فيه قد أوحى به الله" (2 تيمو 3/16). بينما يصفه مار أفرام "بانه رسالة محبة الله للبشر".

الكتاب مجموعة أسفار مقدسة كتبها أناسٌ مؤمنون وملهَمون لأشخاصٍ مؤمنين. فهي قبل كل شيء تعبّر عن أيمانهم وصلاتهم، لذا نحن أمام كتابٍ ليتُرجى (طقسي).

 لنقرأ مثلا استهلاليّة إنجيل يوحنا "في البدء كان الكلمة" (1/1-18). أنظروا كم معنى يقترح علينا، وما سِعة المساحة الداخلية التي يفتحها أمامنا.! انه يقترح علينا طريقا نيِّرا لنسلُكه. هو طريق النعمة والحق والحياة. ويسوع لا يفرض علينا شيئا بالقوة، بل يضعنا أمام حريتنا ومسؤوليتنا في اتخاذ قرار إتِّباعه. ليس ثمة تعليم أكثر ثورة من تعليمه، لكنها ثورة تتم دون عنف. وجودَه معنا نعمة عظيمة جدا لمستقبلنا، لكننا للأسف نتردد في الاعتراف به "العالم لم يعرفه" (يوحنا 1/10)، لذا يتراجع مجتمعنا روحيا وأخلاقيا!

 

كيف نقرأ الكتاب المقدس؟

غالبية المسيحيين لا يعرفون كيف يقرأون الكتاب المقدس، او قلما يخصصون وقتا لقراءته بشكل جدي لاكتشاف معنى هذه النصوص وسياقاتها. هذه النصوص شهادات حية حول شخص المسيح وليست نصوصا ًجامدة، لذلك عندما نقرأها بالروح الذي كتبت من أجله سينتابنا شعور عميق برهبة الحضور الإلهي.

 المؤمن لا يمكنه قراءة الكتاب المقدس بأسلوب المطالعة الفضولية مثلما يطالع صحيفة يومية، انه كتاب مقدس، وليس بحثا تاريخيا يسرد أحداثا وقعت بالمعنى الدقيق، بل انه يفسر ما حدث ويحمِّله معنى مقدسا لحياة الناس اليومية في كل زمان ومكان لعيش نداءات الله.

لا توجد ثمةَ قراءة واحدة مطلقة للكتاب المقدس، بل يتوجب على كل مؤمن أن يسعى لتغذية إيمانه بقراءته. وان يأتي اليه كما هو، يرافقه رجاؤه، وتربيته المسيحية، وصلاته وخِبرته الكنسيّة، أي أن يقرأه مع الكنيسة.

في هذه القراءات الإيمانية نجد حركة وعد وصلاة وانتظار، ورجاء من اجل التعرّف على هذه البشرى الّتي هي للجميع وان ندرك أنّ الربّ قريب منا، ويُحافظ على وعوده، وما علينا إلا الصلاة والانتظار برجاء وثقة مثل ابراهيم وسارة، زكريا واليصابات، فلابد ان يولد اسحق وكذلك يوحنا، والرب لن يتركنا وحدنا في محنتنا، بل سيفتقدنا ويملانا فرحاً.

ما يُفترَض ان يجذبنا في الكتاب المقدس هو الخلاص والمساحة الداخلية التي يعرضها وحثَّه على ارتقاء الحياة، لذلك بلاغاته تُقلق لأنها تدفعنا بالفعل ذاته على التفكير، وقد يقودنا الى حيث لم يخطر على بالنا ابداً. انه يقلب موازيننا ومفاهيمنا. لذا، حين نقرأ الكتاب المقدس، علينا وبكل بساطة، ان نسعى لاكتشاف الخطى التي تضيء تاريخنا الخلاصي وتقودنا أولاً وأخيراً الى من هو "كلمة الله"، يسوع المسيح، بدلاً من ان نترك أنفسنا تتيه في البحث عن التفاصيل الثانوية وعن البراهين المقنعة.

 الكتاب المقدس واحد، عهدٌ واحد، وعبارة "القديم" لم ترد في العهد القديم، بل نجدها في العهد الجديد: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي" (لوقا 22/10). واليوم يفضِّل البعض تسميته العهد الأول والعهد الثاني. وكلمة عهد ترجمة للَّفظة العبرية (بيريث) التي تعني العهد بين الله وأولئك الذين يؤمنون به. هذا العهد اكتمل في المسيح "الألف والياء" (رؤيا 1/8). لذا لا يمكن فهم الواحد من دون الأخر.

 

إليكم نموذج لهذه القراءة المقدّسة: (متى 18/ 15-20)

النصح الأخوي

إذا خَطِئَ أَخوكَ، فَاذهَبْ إِليهِ وَانفَرِدْ بِه ووَبِّخْهُ. فإِذا سَمِعَ لَكَ، فقَد رَبِحتَ أَخاك. وإِن لم يَسمَعْ لَكَ فخُذْ معَكَ رجُلاً أَو رَجُلَين، لِكَي يُحكَمَ في كُلِّ قضِيَّةٍ بِناءً على كَلامِ شاهِدَينِ أَو ثَلاثة. فإِن لم يَسمَعْ لَهما، فأَخبِرِ الكَنيسةَ بِأَمرِه. وإِن لم يَسمَعْ لِلكَنيسةِ أَيضاً، فَلْيَكُنْ عندَكَ كالوثَنِيِّ والجابي. الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما رَبطتُم في الأَرضِ رُبِطَ في السَّماء، وما حَلَلتُم في الأَرضِ حُلَّ في السَّماء.

أَقولُ لكم: إِذا اتَّفَقَ اثنانِ مِنكم في الأَرضِ على طَلَبِ أَيِّ حاجةٍ كانت، حَصلا علَيها مِن أَبي الَّذي في السَّمَوات. فَحَيثُما اجتَمَعَ اثنانِ أَو ثلاثةٌ بِاسمِي، كُنتُ هُناكَ بَينَهم.

 

 يستمرّ يسوع في تنشئة تلاميذه. تعليماته تتناول العلاقات بين الإخوة. ومتَّى الانجيلي يكتب بعد القيامة نحو سنة 80م ليعالج المشاكل التي واجهتها الجماعات المسيحية الأولى، شارحًا لها متطلبات إيمانها أمام تساؤلاتها العديدة: ما قيمة القرارات التي تُتخّذ داخل الجماعة؟ وهل الغفران مطلوب، وهل الصلاة فعَّالة حقًّا؟ وخصوصا أن الشك أخذ يراود البعض عن تأثير المسيح القائم من بين الأموات وغير المنظور في وسطهم.

 في هذا النصّ يسعى متَّى لمساعدة المسيحيين الأولين في اتخاذ موقف مناسب وسليم تِجاه الإخوة الذين انحرفوا؟ يود أن يعلمهم ان المصالحة والمغفرة هما في قلب الإنجيل وفي قلب الجماعة المسيحية.. كما ان على الجماعة أن تبرهن عن صبرها، وان تعطي الأخَ المنحرِف فرص الارتداد. إن كلمات يسوع متشددة، فالأخ الذي يرفض الى النهاية أن يسمع النصيحة، يفصل نفسه عن الجماعة، مثلما يفعل الوثنيون والعشّارون. وهذه الشدّة مفهومة لان من ينحرف عن سبيل الإنجيل، يعمل على هلاك نفسِه.

والتوجيه الذي يتعين القيام به هو في الرحمة: اذهب وعاتبه بينك وبينه، وان لم يسمع، لا تيأس خذ معك أشخاصا مشهودا لهم وان لم يصطلح، قل للكنيسة واذا استنفذت كل الطرق فاتركه… المسيح يريد ان يحصِّن قداسة الكنيسة وسلامتها ونظامها.

أن سلطان "الحل والربط"، في موضوع الخطايا الذي سبق أن منحه يسوع لبطرس (متى/ 16-19)، يمنحه هنا لجميع التلاميذ. والسماء مرتبطة بالأرض. وبكلمة أخرى، إن يسوع يربط الأرض بالسماء، ويواصل خلاصه من خلال تلاميذه (ومن خلالنا). إن سلطان الجماعة لا يمكن أن يمارس خارج الصلاة. فالله يستجيب إلى صلاة الكنيسة. ويسوع حاضر سرّيًا في وسط الذين يؤمنون به ويصلُّون، وعندما يجتمع إثنان أو ثلاثة للصلاة أو لقراءة الكتاب المقدس يكون هو في وسطهم لربما من دون أن يدركوا حضوره مثل تلميذي عماووس (لوقا/24) ...

في الختام اعتقد علينا أن ننادي بالإنجيل وبعباراته المفهومة والسهلة، بدل البحث عن شروحات لاهوتية تعقّد علينا الأمر!

قراءة من آباء الكنيسة

        "لنتشبهّنَّ بالكلمة إذن في جميعِ أعمالنا وتصرفاتِنا، فهو لنا القدوة والمثال، ومشوراته هي طرق وأنظمة موجزة لإنماء بذور الأبدية في نفوسنا، لأنها مليئة حواراً وبراهين دامغة وحبّا، وليس خوفاً ورعباً وتهديداً، والمسيح يهدف من خلالها إلى تربيتنا وتربية البشر جميعا" (اقليمس الإسكندري، المربي)

شاهد أيضاً

(The Motto of the Chaldean Patriarchate: “For we saw His star in the east and have come to worship Him” Matt (2: 2

Patriarch Louis Raphael Sako Chaldeans Pre – Christianity: Chaldeans were a major component of the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*