الرئيسية / المقالات / التطويبة السابعة طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون (متّى 5: 9)

التطويبة السابعة طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون (متّى 5: 9)

المطران بشار وردة

وجهّ ربّنا يسوع التطويبات إلى جماعة التلاميذ الذين تجمّعوا حوله (5:1) كحلقةٍ أولى من جمعٍ كان يسمع بشغفٍ إلى تعليمهِ: "ولمَّا أَتَمَّ يسوعُ هذا الكَلام، أُعجِبَتِ الجُموعُ بتَعليمِه، لأَنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن لَه سُلطان، لا مِثلَ كَتَبَتِهم" (متّى 5: 28). كانت الغاية إذاً هي "بناء جماعة الملكوت"، جماعة لها هويّة خاصّة وأسلوب حياة متميّز عن الآخرين، جماعة تتصّف بالفقر الروحي والوداعة والحزن على العالم الذي غيّبَ الله عن حياته، جماعة طاهرة القلب ونزيهةٌ في تعبّدها، وتعمل على أن تكون رحوم. تأتي التطويبة السابعة فتكشِف المزيد عن حياة "جماعة الملكوت" فتُشير إلى أفعالٍ ينبغي على أفراد هذه الجماعة تبنيها، فيسعون إلى السلام ليس بمعنى المُصالحة مع الأعداء، بل مُساعدة الآخرين ليتصالحوا فيما بينهم، ويتصالحوا مع الله.

هذه التطويبة – إذ تُعلمّنا طبيعة الله الآب نفسه: السلام- تدعونا في الوقت ذاتهِ إلى العمل من أجل السلام فنحظى بنعمة البنوّة ونكون على مثال الله الآب: صانع السلام والمُصالحة. 

السلام هبّة من الله

"فهُوذا قد وُلدَ لَك اَبنٌ يَكونُ رَجُلَ راحَة، وانا أريحُه مِن جَميعِ أَعْدائِه مِن حَوله، لان اَسمَه سُلَيمان، وأَمنَحُ السَّلامَ والهُدوءَ لإِسْرائيلَ في أيامه. فهو يَبْني بَيتًا لإسْمي، وهو يَكونُ لِيَ اَبنًا وانا أكونُ لَه أباً، وأثبِّتُ عَرشَ مُلكِه على إِسْرائيلَ للأبد" (1 أخ 22: 9- 10)، تُظهِر هذه الأية مُلازمة البنوّة الإلهية وعطيّة السلام، وتُبيّن أن السلام "هبةٌ من الله"، ويتطلّب الأمرُ اجتهاداً من أجل أن يُبنى السلام ويتعزز في قلبِ الإنسان وفي الجماعة.

السلام بركة إلهية: "الرَّبُّ يؤتي العِزَّةَ شَعبَه الرَّبُّ يُبارِكُ بِالسَّلامِ شَعبَه" (مز 29: 11)، ومظاهر السلام الخارجية إنّما هي إنعكاسٌ لبركةِ الله، وعلى الإنسان أن يطلُب السلام دوماً من الله: "وآطلُبوا سَلامَ المَدينةِ الَّتي جَلَوتُكم إِلَيها، وصَلُّوا مِن أَجلِها إِلى الرَّبّ، فإِنَّه بِسَلامِها يَكونُ لَكم سَلام" (إرميا 29: 7). السلام عطيّة من الله لمَن يطلبهُ ويسعى إليه:

"إِنِّي أَسمعُ مما يَتَكلَمُ بِه الله. لِأَنَّ الرَّبَّ يَتكلَمُ بالسَّلام بالسَّلام ِلِشَعبِه ولأَصفِيائه فلا يَعودوا إِلى الحَماقة. قَريبٌ خَلاصُه مِمَّن يَتَّقونَه لِيَحِلَّ المَجدُ في أَرْضِنا. الرَّحمَةُ والحَقُّ تَلاقَيا البِرُّ والسَّلامُ تَعانَقا. مِنَ الأَرضِ نَبَتَ الحَقّ ومِنَ السَّماءَ تَطلعً البِرّ. إِنَّ الرَّبَّ يُعْطي الخَيرات وأَرضَنا تُعْطي ثمَرَها. أَمامَه البِرُّ يَسير وبِخَطَواتِه يَشُقُّ الطَّريق". (مز 85: 9- 14)

فالسلام ليس غياب الحُرب وزوال الخلافات والصراعات والعداوة، مع أنه يتضمنه بالضرورة، بل هو العودة إلى البركة الأولى التي بارَك بها الله الكون: "ورأَى اللهُ جَميعَ ما صَنَعَه فاذا هو حَسَنٌ جِدّاً" (تك 1: 31)، والذي دُمِرَ بخطيئة الإنسان. السلام هو هناء الحياة اليومية، بل هو الحكمة التي يهبُها الله الإنسان: "إِكْليلُ الحِكمَةِ مَخافَةُ الرَّبِّ يُزهِرُ بِها السَّلامُ والعافِيَة" (سيرخ 1: 8) إذ يعيش الإنسان في وئامٍ وآمانٍ مع نفسه ومع الآخرين ومع الله.

فمَن هو صانعُ السلام الذي يُدعى "إبن" (إبنة) الله؟

صانِع السلام: إنسانٌ مُتحدٌ بالله ومُستسلمٌ كلياً لإرادتهِ وقلبهُ مُطمئنٌ فيه. ليس فيه قلقُ أو رهبةٌ من شيءٍ، فالله هو كفايتهُ. إنسانٌ يقبَل ذاتهُ؛ لأنه عطيّة من الله ويشكره عليها بتواضعٍ، عازماً على أن تنمو حسبَ قلبِ الله، فيجتهِد في تغييرها لتتوافق مع إرادة الله بروح البساطة والمحبّة وتقديم "الإماتات (التخليّات)" الواجبة عليه في مثل هذه المسيرة (معنوية كانت أم مادية)، مؤمناً أن هذا كلّه عمل الربِّ الذي يتجاوب معه بروح الإيمان: "إِن لم يَبْنِ الرَّبُّ البَيتَ فباطِلاً يَتعَبُ البَنَّاؤون. إِن لم يَحرُسِ الرَّبُّ المَدينة فباطِلاً يَسهَرُ الحارِسون. باطِلٌ لَكم أَن تُبَكِّروا في القِيام وتَتَأَخَّروا في المَنام آكِلينَ خُبزَ المَتاعِب واللهُ يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مز 127: 1-2). فصانعُ السلام ينقُل بذلِك سلاماً يختبرهُ هو في حياتهِ على نحوٍ شخصيٍ مع الله الذي صالحهُ بيسوع المسيح (2 كور 5: 20)، يتقاسمهُ مع الجماعة من حولهِ (فاقُد الشيء لا يُعطيهِ)، فبدءُ مسيرة السلام تكون مع الله.

صانعُ السلام: هو مَن قِبِلَ سلام المسيح يسوع في قلبه وفي حياتهِ، ويسعى للحفاظِ عليه من خلال المحافظة على حياة الشِركة في جسدِ المسيح: الكنيسة، فيجعل من المسيح يسوع نقطة إنطلاقِ. الإنسان مجُرّبٌ بأن يجعَل من نفسه نقطة انطلاق (الإعتداد بالنفس)، ويسعى لأن يُمحور الكل حولهُ ظناً منه أنه (أنهم) الأفضل، وإن الآخر هو "العدو" الذي يجب القضاء عليه والحدِّ ِمن خطورتهِ بوسائل شتّى، وهكذا تنشأ الخلافات. الصراعات والحروب تبدأ من نظرتنا المتعالية على الآخرين، وتصوّرنا لهم بأنهم منافسون أعداء (خطأة) لنا وعقباتٌ في طريق نموّنا وتطورنا وعلينا إزاحتهُم، فيتولّد البغض وتنمو الكراهية والظلم والعنف ويتألم الآخر بسبب ما نتصوّرهُ عنه. وهي تقود إلى الخوف والفقر والموت. صانعُ السلام يواجه كل هذه الأمور بسلام المسيح الذي في داخلهِ فيتقبّل سوء الفهِم والخلافات بروح البساطة والمحبّة مُستعداً لحمل صليبِ "سوء ظنِّ الآخرين فيه بصبرٍ"، إلى أن تتجلّى الحقيقة.

صانعُ السلام: مَن يعمَل على إحلال العدل بين الناس فيقف إلى جانب الفقراء والمظلومين، مثلما يفعل الله. لا يخاف الرفض والإضطهاد ولا يهاب الموت؛ لأنه يُريد إتمام مشيئة الله، فمجدُ الله مرتبطُ بالسلام على الأرض: "الـمَجدُ للهِ في العُلى! والسَّلامُ في الأَرضِ لِلنَّاسِ فإنَّهم أَهْلُ رِضاه!" (لو 2: 14)، ويختار اختيارات الله في صناعة السلام والمُصالحة. صناعة السلام لا تتطلّب القوّة، مثلما يعتقِد الإنسان، فمثل هذا السلام يكبَح الاعتراضات خوفاً، ويُؤجِل الصراعات إلى أزمنة أخرى، أو يعتمِد على التوفيق والمُسايرة أو تقديم تنازلات يُجبَر عليها الإنسان. بناء السلام الحقيقي يتطلّب تضحيات وتفاهُمات مُشترَكة، وهي مهمّة كل مسيحي ومسؤوليته، فهذا ما يرضي الله ويسرّهُ، فيعمَل على أن يكون حضور الله فاعلاً في حياته وحياةُ الجماعة، فغيابُ الله يولّدُ الصراعات والحروب.

صانعُ السلام: يُحيي الآخرين بالسلام ويدعو لهم بالصحة ووفرة الخير والاطمئنان والراحة والفرح، ليس هذا فحسب، بل يعمل- مُقتدياً بالمسيح يسوع- لتكون لهم كلّ هذه الأمور. له قلب مُحِب لا يخاف الآخر ولا يحذر منه أو يُعاديهِ. يستمع إليه ويُصغي إلى ما يقولهُ من دون أحكامٍ مُسبَقة، أو محاولةٍ لتبرير مواقفه السلبية منه. يجتهِد في النظر إلى الحياة بإيجابية (وليس بسذاجة)، ويعمَل على إطفاء نار الكراهية وإزالة العداوة ورغبة الإنتقام ما بين المتخاصمين. طهارة قلبهِ تجعله نقي الأفكار صادقاً ونزيهاً في كلامهِ فلا ينافِق في مواقفهِ وفي علاقاتهِ، ليكون "محلَ ثقةِ الآخرين"، وجسرَ مُصالحةٍ بينهم فيما إذا نشبَ خلافٌ أو خصامٌ؛ لأنه يُكلِّم الناس بلطفُ ووداعةٍ واحترامٍ لشخصهِم على الرُغم من اختلاف وجهات النظر والمواقف.

صانعُ السلام: يعمل من أجل إحقاق العدالة بمحبةٍ؛ من أجل علاقاتٍ إنسانية نزيهةٍ وصحيحةٍ. يقبل الآخرين إخوة وأخوات من أجل ثباتِ "عائلة الله" التي يجب أن تكون على شبهِ الثالوث وتعزيزها، مثلما قدّمها روبليف في أيقونته الشهيرة. فإذا حصلَ إنقسامٌ سارعَ من أجل "المُصالحة" بين الأطراف المتنازعة من خلال استحضارِ شعور المسيح المتواضع والذي "تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب" (فيلبي 2: 7- 8). المنازعات والخصومات علامة لغياب الحكمة الحقيقية، والحسد هو تربتها، أما الحكمة الحقّة، فتتبنّى "المُسالمة والحُلِم والرحمة" من أجل بناء السلام في الجماعة: " ثَمَرَةُ البِرِّ تُزرَعُ في السَّلامِ لِلَّذينَ يَعمَلونَ لِلسَّلام" (يعقوب 3: 18).

صانع السلام: تمكّن بمعونة الروح القُدس من إيقاف ديناميكية "السيطرة على الآخرين" التي فيه، والتي تدفعه إلى محاولة "خلقِ الآخرين على صورتهِ ومثاله"، كونهُ يمتلِك مواهب وإمكانيات متميّزة، وهي عملية تُدمّر العلاقات الإنسانية وتُدخلها في توترٍ وأزماتٍ مثلما حصل في كنيسة كورنثس فنشأت التحزبات وانتشرت الخلافات والخصومات بين الجماعة الواحدة في غيابٍ واضحٍ للمحبة (رسالة كورنثس الأولى). صانع السلام يقبلُ الآخرين مثلما هُم، ويتحدّث عن "الخير الذي فيهم" متجنباً الحديث عن نقائصهم. يسعى إلى حلِّ الخلافات بالحوار بعيدا عن "التوتّر" ويُفصِح عمّا في قلبهِ باحترامٍ جمٍّ وأناقةٍ في التعابير واختيارٍ للألفاظ التي تُعبّر عمّا يُفكِر فيه: "ولكِن لِيَكُنْ ذلك بِوَداعَةٍ ووَقار" (1 بط 3: 16)، فالأمر الأهم لديه هو نقطة الخلاف مع الآخر وليس شخص الآخر نفسه. وإن غضِبَ فلن يسمحَ لهذا الغضب من افساد نقاوة القلب الذي فيه، فلن تغرب الشمس على غضبهِ (أفسس 4: 26).

يسوع المسيح: رئيس السلام

السلام يختصِر كل عملِ المسيح يسوع، فبه صالَحَنَا الله إلى نفسه (2 كور 5: 20)، فصارَ لنا السلام الذي وعدنا الله به: "لِأَنَّه قد وُلدَ لَنا وَلَدٌ وأُعطِيَ لَنا آبنٌ فصارَتِ الرِّئاسةُ على كَتِفِه ودُعِيَ أسمُه عَجيباً مُشيراً إِلهاً جَبَّاراً، أَبا الأَبَد، رَئيسَ السَّلام (إش 9: 5). فأنشدت الملائكة عند مولدهِ: "الـمَجدُ للهِ في العُلى! والسَّلامُ في الأَرضِ لِلنَّاسِ فإنَّهم أَهْلُ رِضاه!" (لو 2: 14)، وهتفت الجموع له بوصفه ملكَ السلام عند دخوله أورشليم: "تَبارَكَ الآتي، المَلِكُ بِاسمِ الرَّبّ! السَّلامُ في السَّماء! والمَجدُ في العُلى!" (لو 19: 38).

إستودعَ ربّنا يسوع الآخرين السلام دوما: "يا ابنَتي، إِيمانُكِ خلَّصَكِ، فاذهَبي بِسَلام" (لو 8: 48)، ورفض استخدام السلاح دفاعاً عنه: "فدَنَوا وبَسَطوا أَيدِيَهم إِلى يَسوع وأَمسَكوه. وإِذا واحِدٌ مِنَ الَّذينَ مع يسوع قد مَدَّ يَدَه إِلى سَيفِه، فَاستَلَّهُ وضَرَبَ خادِمَ عظيمِ الكَهَنَة، فقطَعَ أُذُنَه. فقالَ له يسوع: "إِغمِدْ سيفَك، فكُلُّ مَن يَأخُذُ بِالسَّيف بِالسَّيفِ يَهلِك" (متّى 26: 50 -52). وعاد بعد القيامة وحيّا المريمات الخائفات: "السلام عليكم" (متّى 28: 9)؛ لأنه دمرّ العداوة ولم يُدمّر الإنسان.

المسيح يسوع هو سلامنا (إفسس 2: 14)، وبه وفيه أزيلت كل العداوة ما بين الله والإنسان، وما بين الإنسان وأخيه الإنسان:

"أَمَّا الآن ففي المسيحِ يَسوع، أَنتُمُ الَّذينَ كانوا بالأَمْسِ أَباعِدَ، قد جُعِلتُم أَقارِبَ بِدَمِ المسيح. فإِنَّه سَلامُنا، فقَد جَعَلَ مِنَ الجَماعتَينِ جَماعةً واحِدة وهَدَمَ في جَسَدِه الحاجِزَ الَّذي يَفصِلُ بَينَهما، أَيِ العَداوة، وأَلغى شَريعةَ الوَصايا وما فيها مِن أَحكام لِيَخلُقَ في شَخْصِه مِن هاتَينِ الجَماعتَين، بَعدَما أَحَلَّ السَّلامَ بَينَهما، إِنسانًا جَديدًا واحِداً ويُصلِحَ بَينَهما وبَينَ الله فجَعَلَهما جَسَداً واحِداً بِالصَّليب وبِه قَضى على العَداوة. جاءَ وبَشَّرَكم بِالسَّلام أَنتُمُ الَّذينَ كُنتُم أَباعِد، وبَشَّرَ بِالسَّلامِ الَّذينَ كانوا أَقارِب، لأَنَّ لَنا بِه جَميعًا سَبيلاً إِلى الآبِ في رُوحٍ واحِد. فلَستُم إِذاً بَعدَ اليَومِ غُرَباءَ أَو نُزَلاء، بل أَنتُم مِن أَبناءَ وَطَنِ القِدِّيسين ومِن أَهْلِ بَيتِ الله، بُنيتُم على أَساسِ الرُّسُلِ والأَنبِياء، وحَجَرُ الزَّاوِيَةِ هو المسيحُ يسوعُ نَفْسُه. فيه يُحكَمُ البِناءُ كُلُّه وَيرتَفِعُ لِيَكونَ هَيكلاً مُقدَّساً في الرَّبّ، وبِه أَنتُم أَيضًا تُبنَونَ معاً لِتَصيروا مَسكِناً للهِ في الرُّوح. (أفسس 2: 13- 21)

كان من العدالة أن ينتقِم الله لنفسه عندما لم يستجب الإنسان إلى هبة السلام التي صارت له بيسوع المسيح، لكّنه واجه رفضَ الإنسان هذا بالغفران: "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لو 23: 34)، ليكون الصليب منبعَ "السلام" الذي يدعونا إليه ربّنا يسوع عندما يقول: "طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون"؛ لأنه سلامٌ متطلّب لطاعة مشيئة الله التي لها المكانة المُطلَقة مؤمنين أنه لن يتركنا نواجه الصليب وحدنا: "يا أَبتِ، إِن شِئْتَ فَاصرِفْ عَنِّي هذِه الكَأس… ولكِن لا مَشيئَتي، بل مَشيئَتُكَ!" وتَراءَى له مَلاكٌ مِنَ السَّماءِ يُشَدِّدُ عزيمَتَه" (لو 22: 42- 43).

"السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم" (يو 14: 27). السلام هبةٌ من الله للإنسان، وعندما يقول ربّنا يسوع: "السَّلامَ أَستَودِعُكُم وسَلامي أُعْطيكم"، فهو يُعطينا ما في ذاتهِ، ومعه يهبُ لنا الروح القُدس: "فقالَ لَهم ثانِيَةً: "السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً". قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: "خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم" (يو 20: 21- 23). فيكون السلام ثمرةُ حضور الروح القُدس في الإنسان (غلا 5: 22)، وهو عطيّة من الله الذي صالَحَنَا إلى ذاتهِ بيسوع المسيح فغفرَ لنا خطايانا (غفران ومُصالحة). هذا السلام يهبُ الإنسان حياة البِر فيقبَل مُصالحة الله له بيسوع المسيح، ويعيش سلاماً مع الذات ومع القريب، فربّنا يسوع هو مصدرُ سلام الله الحقيقي، ومَن يقبَل سلام الله هذا، سيسعى ليكون هو ناقلاً للسلام مثلما كان يُصلي القديس فرنسيس الأسيزي: "يا ربُّ اجعلني أداة سلامِك".

أسئلة للتأمل الشخصي:

1. "سَلامٌ وافِرٌ لِمُحِبِّي شَريعَتِكَ ولَيسَ لَهم حَجَرُ عِثار" (مز 119: 165). نبحث جميعاً عن السلام ونرغب فيه كثيراً. فما الجهدِ الذي تقدمه من أجل الحصول على هذا السلام؟ هل تقرأ كلمة الله وتتأمل فيها؟ هل تجعلها نقطة الإنطلاق في حياتِك الشخصية من أجل نشرِ الوئام والمُصالحة في العالم على مثال الله الآب؟

2. كيف تواجه الخلافات مع الآخرين؟ هلّ تعدّها "عقبة" يجب تجاوزها مهما كانت النتائج؟ هل تعزو هذه الخلافات إلى سوء الفِهم لديك (أو لدى الآخرين)، أم أن جهالةَ الآخر وعناده هي السبب الحقيقي فيها؟ هل ترى في هذه الخلافات تحدّياً عليك مواجهتهُ لتفهَم شخصيّتك وحدودها على نحو أوسع؟ ألم توفّر لك هذه الخلافات فرصة لتتعرّف على "شخصيّتك" على نحو حقيقي؟

3. هل تأملّت يوماً فيما علمّهُ ربّنا يسوع حول حل الخصومات في الجماعة: "إذا خَطِئَ أَخوكَ، فَاذهَبْ إِليهِ وَانفَرِدْ بِه ووَبِّخْهُ. فإِذا سَمِعَ لَكَ، فقَد رَبِحتَ أَخاك. وإِن لم يَسمَعْ لَكَ فخُذْ معَكَ رجُلاً أَو رَجُلَين، لِكَي يُحكَمَ في كُلِّ قضِيَّةٍ بِناءً على كَلامِ شاهِدَينِ أَو ثَلاثة. فإِن لم يَسمَعْ لَهما، فأَخبِرِ الكَنيسةَ بِأَمرِه. وإِن لم يَسمَعْ لِلكَنيسةِ أَيضاً، فَلْيَكُنْ عندَكَ كالوثَنِيِّ والجابي" (متّى 18: 15- 17)؟ هل تذكر إنّك طبّقت هذا التعليم لحل إشكالية أو أزمة علاقة مع الآخر؟ ما الذي شعرتَ فيه بعدها؟ هل اختبرتَ مُصالحة حقيقية وربحت أخاً وصديقاً؟

4. هل كانت لكَ الفرصة يوماً لمراقبةِ مشاعرِكَ تجاه شخصٍ نشأت بينكما خصومة؟ هل لحظتَ أنّك كنت تُفكّر في أفضليتِكَ عليه، وإنه يُمثِل "الشر" الذي يجب إيقافهُ والحد منهُ؟ ألم تشعر بأنه يتعمّد جرحَك في كل ما يقوله وما يفعلهُ؟ ما المُبررات التي كنت تُفكِر فيها في هذه الخصومة؟ كيف ترى هذه الخصومة اليوم؟ هل بإمكانِك معاينة العوز والنقص الّلذين طغا على رؤيتِك؟ هل تعرفّت على أخطائِك، وفيما لو كنت أنت السبب من وراء هذه الخصومة؟

5. ما هو موقفُك من نزاعات الآخرين؟ أتعنيكَ هذه النزاعات، أم إنّك تُفضِل موقف المتفرّج؟ أنت مدعو في هذه التطويبة لأن تكون صانع السلام، لا أن تأخذ موقف المتفرِج أو مَن يتجنّب الخصومات. هل قمت يوماً بمهمّة المُصالحة بين متحاصمين؟ من أين كانت إنطلاقتُك في ذلك؟ هل أُقحمِتَ في حلِّ نزاعٍ، أم بادرتَ على نحو شخصي لأجل إحلال السلام؟

 

نختُم تأملنا بصلاة القديس فرنسيس الأسيزي:

يا رب استعملني لسلامِكَ،

فأضع الحبَّ حيثُ البغض،

والمغفرة حيثُ الإســاءَة،

والإتفاقَ حـيثُ الخِلاف،

والحقيقةَ حيثُ الضــلال،

والإيمـان حيـثُ الشَّك، والـرجـاءَ حيثُ الـيأس،

والنور حـيثُ الـظـلام، والــفـرحَ حيثُ الكآبة.

يا رب لا تجعلني أطلبُ أوَّلاً أن أُعـزَّى بل أن أُعـزِّي،

أن أُفهـمَ بل أن أَفـهـمَ،

أن أُحَـبَّ بـل أن أُحِـبَّ؛

لأنَّ الإنسانَ يـأخــذُ عــنـدمــا يَـبــذِلُ نـفسَـهُ، ويَجِدُ نفسَه عندما ينساها،

ويَحصلُ على الغُفرانِ عندما يَغفِر، ويقومُ للحياةِ عندما يموت.

شاهد أيضاً

كيف ومتى نصلي، ولماذا ؟

  كيف ومتى نصلي ، ولماذا؟ منصور سناطي    الصلاة هي صلتنا بالله ، وهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*