الرئيسية / المقالات /  5 الروحانيّة: التأمل الخلاّق

 5 الروحانيّة: التأمل الخلاّق

 5 الروحانيّة: التأمل الخلاّق

البطريرك لويس روفائيل ساكو

كانت إدارة المعهد الكهنوتي في الستينيات والسبعينيات، تطلب من طلابها أن يقوموا بالتأمل الصباحي اليوميMeditation) ) وحاولت أن تعلمنا التأمل، لكن بصراحة لم يكن الأسلوب ناجعاً، اذ كان أحد الطلاب يقرأ علينا بالتناوب نصاً من كتاب روحي وبشكل روتيني. حتى وإن كان ثمة فترة صمت قصيرة كنا نضيع في تفكير لاهوتي هو أقرب إلى جدال عقيم، منه إلى تأمل هادئ وبنَّاء يساعد على نمو الإنسانية والروحية فينا.

التأمل الروحي هو أن يدخل الإنسان الى كيانه العميق وبالصمت والسكينة يرى ذاته بشكل طبيعي كما هي ومن دون أقنعه أو تبريرات (فحص الذات) ليسيطر على ميوله وأفكاره وأقواله وعاداته وعلاقاته، ويتخلص من كل ما يُعيق نموه فيحصل على السلام الداخلي والاطمئنان. معرفة الذات، كانت الحكمة التي نادى بها عظماء الفلاسفة: "اعرف نفسك" للسعي بها نحو النضوج والارتقاء والكمال، لان الانفصام والازدواجية حالة مرضيّة مدمِّرة. كلما كنا منسجمين ومتصالحين مع ذاتنا كلما كنا في سلام وسعادة وكانت علاقاتنا مع الاخرين قوية ومتماسكة ومتجددة ودافئة، وكلما كنا منقسمين في ذاتنا غلب علينا  الانفعالية و الطفيلية والتفكك والهدم والحزن.

كيف تتأمل؟

في عصرنا هذا، عصر الحركة  والعمل والمشاريع. لا بدّ لنا من فترات  "خلوة" وصمت وتأمل لنكون أفضل مما نحن عليه. نحن بحاجة الى الخلوة الباطنية، خلوة  القلب والفكر لنركن الى ذاتنا ونصغي بانتباه الى الصوت الباطني فينا، وبخاصة نحن المكرسين والمكرسات نحتاج إلى وقفات تأملية ومراجعة حياة، لنلتقي ذاتنا في نور الإنجيل، وبدون وقفات وعيٍ منتظمة، ستقودنا الانشغالات وحُمّى العمل إلى التشتت، والضياع. ان الصمت ينير أكثر من الكلام.  يقول ارميا " خيرٌ للرجل أن يحمل النير في صباه، ليجلس وحده ويسكت" (مراثي 3/27).  وكذلك سفر الجامعة "للسكوت وقت وللتكلم وقت" (3/7). وابن سيراخ: " السكوت ثمرة الحكمة" (ابن سيراخ 20/5) و "الكثير الكلام يُمقَت والفارض نفسه يُبغَض" (ابن سيراخ20 /8).

كثيراً ما كان يسوع يخلدُ الى الخلوة بعيدا عن الناس، لاسيما في الليالي، يقضيها في الصلاة والتأمل والصمت… وبالصمتِ نراه يصفع صلافَة الأحبار والشيوخ والوالي بيلاطس (متى 27: 13 – 14)، بحيث أنه يمكن القول ان حياة يسوع غذّتها نعمة الصمت.  يقينا لا يحدثُ شيءٌ عظيمٌ في الكون إلا وللصمتِ فيه دور كبير… انه يساعدنا على تغيير قلبنا لأنه يسمح لروح الله  ان يسكن فينا وينقل الينا السلام شيئا فشيئا.

نص من اباء الكنيسة

"أَحببْ الصمت أكثر من أي شيء آخر. فالصمت يقربك من الثمرة التي يعجز اللسان عن وصفها… ولا تدري أي مقدار من النور سوف يشرق فيك" (أسحق النينوى، ساكو آباؤنا السريان، دار المشرق بيروت 2012 ص 231)

"هناك صمت اللسان، وصمت الجسد، وصمت الحواس، وصمت العقل، وصمت الروح. صمت اللسان هو في عدم التلفظ بكلام شرير أو قاس ولا يجعلك تلفظ كلمة غضب، وكلاما مثيرا للجدل، ولا تمل الى النميمة والافتراء. صمت الجسد هو في عدم الرغبة في القيام بأعمال شريرة… صمت الحواس هو عندما لا تثير أفكارا ضيقه تهدم كل خير. صمت العقل هو عندما يكون خاليا من الدهاء المضر، أي من الحيل والشيطنة أنها تهيمن على أولئك الذين يهدفون إلى الفعالية ويخدعون رفاقهم. صمت الروح هو عندما لا تستقبل إغراءات الأرواح المخلوقة، بل تبقى مطبوعة بالكائن الأزلي نفسه، وتستجيب لنداءاته" (إبراهيم النثفري، آباؤنا السريان ص 252).

شاهد أيضاً

كيف ومتى نصلي، ولماذا ؟

  كيف ومتى نصلي ، ولماذا؟ منصور سناطي    الصلاة هي صلتنا بالله ، وهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*