الرئيسية / المقالات / الفضائل الأدبية: العدل

الفضائل الأدبية: العدل


 

المطران مار باسيليوس يلدو
 
 
احدى الفضائل المهمة في حياة الانسان هي ان يكون عادلاً (منصفاً)! ان تحقيق العدالة يعتبر من أهم العوامل المؤثرة في تكامل المجتمع وازدهار الحضارة في اي بلد، وعكس ذلك يكون الانحياز إلى الظلم والجور والاستبداد التي هي من أهم عوامل سقوط الأمم وانهيار الحضارات والقيم.
 
العدل يحقق الأمن والطمأنينة للمجتمع بأسره، فالإنسان بطبعه يتمسك بحقوقه، ويحرص على صيانة كرامته، كما يسعى للمحافظة على حريته، فإذا أمن له المجتمع ذلك وأمكنه الوصول إلى حقه من خلال العدالة الاجتماعية، عاش آمناً مطمئناً يفكر ويعمل بجد وموضوعية، ويتفاعل مع الآخرين بثقة واطمئنان، وهذا ينعكس بدوره على تعميق الانتماء والولاء للمجتمع الذي صانه وحماه وحفظ كيانه ورعاه .
 
يمكننا التحدث هنا عن نوعين من العدالة (الإلهية والانسانية)، الاولى هي مصدر وصدى للثانية.
 
اولاً- العدالة الالهية:
يعلمنا الكتاب المقدس أن الله هو إله عدل: "عادل انت ايها الرب وجميع احكامك مستقيمة وطرقك كلها رحمة وحق وحكم" (سفر طوبيا 3: 2). في الواقع "إِنَّ جَمِيعَ سُبُلِهِ عَدْلٌ" (تثنية 32: 4). أكثر من ذلك، يساند الكتاب المقدس فكرة العدالة الاجتماعية التي من خلالها يكون الاهتمام والعناية بأزمة الفقراء والمعوزين (تثنية 10: 18؛ 24: 17؛ 27: 19). ويشير الكتاب المقدس كثيراً إلى الأيتام، والأرملة، والغريب – أي غير القادرين على إعالة أنفسهم ولا يوجد من يعينهم. لقد أمر الله شعب إسرائيل بالعناية بالفقراء في المجتمع، وكان فشلهم في هذا الأمر ضمن أسباب دينونتهم وطردهم من الأرض في النهاية. ولهذا نرى شواهد كثيرة على عدالة الله في اسفار الكتاب المقدس: "جميع سبله عدل.. صديق وعادل هو" تث (32:4) فهو ينصف المسكين، اليتيم والأرملة (تث 10:18، مز 103:6، 119:137 و138،146:7) ويصنع عدلًا وخلاصًا لشعبه (نح 9: 33، أش30:18 أنظر أيضاً مز 35:27، إش 33:5). وباجرائه العدل إنما يظهر أمانته (مز 111:7، رؤ 15: 3).
 
 
ثانياً- العدالة الإنسانية:
ترتبط العدالة أساساً بالسلوك تجاه الآخرين، وبخاصة فيما يتعلق بحقوقهم في مجال الأعمال حيث يقول الله: "لا ترتكبوا جورًا في القضاء، لا في القياس ولا في الوزن ولا في الكيل، ميزان حق ووزنات حق وأيفة حق وهين حق تكون لكم" (لا19:35 و36، تث25:13– 16 أم11: 1، 16: 11، حز45:9 و10 عا 8:5) وفي القضاء لا فرق بين حقوق الغني وحقوق الفقير وبين اليهودي والغريب، "لا تحرف القضاء ولا تنظر إلى الوجوه ولا تأخذ رشوة.. العدل العدل تتبع" (تث 16:18-20، خر 23:1-3 و6-9)، وهي عدالة على النقيض من شر الذي " لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا (لو18: 20). وكثيرًا ما نجد "البر والعدل" مجتمعين (مز 3: 5، 1 مل 10: 9، فالحكم هنا معناه العدل)، وقد يتداخل مفهوم أحدهما مع مفهوم الآخر، فليس العدل -في معناه الواسع- وهو مجرد إعطاء الآخرين حقوقهم، بل يتضمن الواجب الايجابي من جهة ضمان أداء هذه الحقوق، فيقول الرب على فم إشعياء النبي: "اطلبوا الحق (العدل) "ويتحقق ذلك بالقول: "انصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة" (إش 1: 17، انظر أيضًا 11: 4، إرميا 22: 15 و16، مز 82: 2-4). وشعب الله يشارك الآخرين في أهمية العدالة (في 4: 8، انظر أيضًا أي 19: 7، إش 5: 23، مت 27: 19)، كما يقيم المجتمع.
فضلًا عن ذلك، فان العدل مسؤولية كل شعب الله، فاختبار نعمة الله وخلاصه، يجب ان تكون نتيجة هي إظهار العدالة للأخرين (تث 1:17– 22، انظر أيضًا لا 19:16). وإجراء العدل هو في الحقيقة جزء من السير مع الله وانعكاس لمحبته التي لا تتغير (ميخا 6: 8)، فهو جزء لا يتجزأ من الواجب أدبياً ودينياً (حز 18:5– 9 أنظر أيضًا إش 56:1 و2). فإجراء العدل هو الدفاع عن حق المسكين والفقير والمظلوم، والاستماع إلى صراخهم (أنظر أي 29:12، مز 18:6) والإقرار بحقوقهم ومعاونتهم للحصول عليها (أنظر أي 29: 15– 17، ام 29:7)، والتعامل بروح الإنصاف (أنظر تث 24:10– 13) وبعدم محاباة أحد (أنظر يع 2:1– 7) والعناية بالجياع والعطاش والعراة (أنظر مت 25:31– 46).
 
 
العدل والحق ركن من اركان الديانات السماوية، وعليه يجب ان نعمل على تحقيقه في كل المجالات:
 
1. العدل في التشريع: القوانين المشرعة يجب ان تستند الى العدالة الالهية والاجتماعية، بحيث تضمن حقوق الجميع ومساواتهم في كل المجالات.
 
2. العدل في التنفيذ: لا يكتمل التشريع الا بالتنفيذ العادل والمنصف للقوانين وتطبيقها بشكل صحيح وغير مخالف للدستور او لأجل مصالح شخصية.
 
3. العدل في الأخلاق: لكي يعيش الفرد والمجتمع ـ في كل أبعاده السياسية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية ـ مفعماً بالسعادة، عليه أن يراعي العدل ميزاناً في كل شؤونه وتصرفاته الفردية والاجتماعية، سواء في البيت او المدرسة او المصنع … .
 
يبقى العدل مسؤولية الجميع وليس فرداً واحداً، علينا جميعاً نشر مفاهيم العدل والمساوات وتطبيق القوانين التي تمنح الحقوق العادلة للجميع وتحترم حريات الاخرين.

شاهد أيضاً

كيف ومتى نصلي، ولماذا ؟

  كيف ومتى نصلي ، ولماذا؟ منصور سناطي    الصلاة هي صلتنا بالله ، وهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*