الرئيسية / المقالات / ” نحن الكلدان، شهودٌ للكلمة وشهداء الحق”

” نحن الكلدان، شهودٌ للكلمة وشهداء الحق”

كلمة المطران ميشال قصارجي في المركز الكاثوليكي للإعلام
بتاريخ 16/11/2017
تحت عنوان " نحن الكلدان، شهودٌ للكلمة وشهداء الحق"
اصحاب السيادة والسعادة والمعالي،
الآباء الاجلاء والراهبات الفاضلات
ايُّها الاخوة والأخوات المباركون

الكنيسة الكلدانية شاهدةٌ للكلمة المتجسّد، يسوع المسيح، منذ بداية مسيرتها الطويلة القديمة العهد جداً، الى يومنا الحاضر هذا، مروراً بحقباتٍ مجيدةٍ ومراحلَ دمويّةٍ ايضاً عرفت ان تسكُب خلالها محبّتها للمصلوبِ في كؤوس تقدمة الذاتِ الكليّة قرباناً حياً على مذابح العليّ وبخوراً زكيَّ العرف يفوح من مجامر العبادة الحقَّة… فاتَّخذت لها شعاراً كلمة بولسَ الرسولِ الإناءِ المصطفى: "الحياةُ عندي هي المسيحُ والموتُ ربحٌ" (فيليبي 2/21)
    أيُّها الإخوة،
اليوم اشبهُ بالأمس الى حدٍّ بعيدٍ، والتاريخُ يكرّر نفسه، وتعودُ آلة التطرُّف الدينيّ الأعمى الى سفك دماء المسيحيّين من جديدٍ غير قادرةٍ على قبولِ الآخر المُختلف بل تتذرّعُ كما في الماضي بأسباب كاذبةٍ بعيدةٍ عن المآرب الرخيصة والهدّامة التي ابتدأت تكشف عنها النقاب صراحةً… وإن اتّسمت أحياناً ، وللأسف، بعباءة الدين زوراً.
بعد مرور عامين بعد المئة على تلك المجازر التي ارتُكبت بحقّ الكلدان والسريان والآشوريين والأرمن واليونان، والتي تعرف بمجازر سفر برلك، تعودُ الى الواجهة معاناةُ المسيحيّين من خلال القتل والخطف والتهجير القسري واحتلال الكنائس وتفجيرها احياناً وسلب الممتلكات، إن في العراق أو سوريّا أو مصر وغيرها… ناهيك عن تدميرٍ للتراث ومعالمه التاريخيّة والدينيّة الضاربةِ في القِدَم!
منذُ أن قدّم المسيحُ ذاته ذبيحةً حيّةً على خشبة الصليب، تستمرُّ قافلةُ الذين يبذلون دماءهم العَطِرة في سبيل إيمانهم بهِ وتطولُ يوماً بعد يومٍ، لتبقى شُعلةُ الإيمان وجذوة الرجاء ومِشكاةُ المحبّة… قَبَساً متلألئاً في ظلام عالمنا الدّاجي. وكنيسةُ المشرق الكلدانيّة، التي تُعرف أيضاً بكنيسة الشهداء، قدّمت على مذبح الصليب الذي تتفجّر منه ينابيعُ القيامة، أكثرَ من مئةٍ وستّين ألفِ شهيدٍ من إكليريكيّين وعَلمانيّين ناهيكَ عن الشهداء الأحياء الذين يَندى الجبينُ لبسالتهم ورباطةِ جأشهم وصلابة إيمانهم…. فكانت بحقٍ شاهدةً أمينةً للكلمة… عبر توالي العصور!
أسماءٌ عديدةٌ لمعت في قافلة شهدائنا المباركة، لكنّنا نذكرُ منها على وجه الخصوص الأبَ الشهيد حنّا شوحا، بكرَ شهداء الإكليروس خلال مذابح سفر برلك عام 1915 الذي خدم في كاتدرائية الربّان هرمزد في ماردين ، ونذكرُ أيضاً المثلّث الرحمة المطران أدّي شير الشقلاوي مُطران سَعرت الذي ترك آثاراً ادبيّةً نفيسةً وخدم بنشاطٍ وغيريّةٍ قلَّ نظيرُهما بلدتهُ ومدينةَ كركوك حيث أسس المدارس والأخويّات وترجم الصلوات الطقسيّة الى اللغة التركيّة.
لن نغفل أيضاً عن ذكر مار يعقوب اوراها مطران الجزيرة العمريّة ومار توما اودو مطران اورمية ومار توما رشّو مطران اثيل… ناهيك عن "المُعترفين"، أي الذين احتملوا العذاباتِ والآلآمَ في سبيل إيمانهم بالرب يسوع، عَنَيتُ بهم المطران مار اسرائيل اودو رئيس أساقفة ماردين ومار سليمان صبّاغ رئيس أساقفة آمد ومطران سلامس مار بطرس عزيز ومار اوجين منا مطران "وان"، ما عدا الألوف من الإكليريكيين والعلمانيين الذين آثروا إهمال كُلّ شيءٍ في سبيل الحفاظ على وديعة الإيمان الثمينة.
أمّا الشاهد الحقيقيُّ على استمرار جلجلة المسيحيّين في هذا الشرق المتألمّ، فهو الشهيدُ المطران بولس فرج رحّو راعي أبرشية الموصل الكلدانية والأعدادُ الغفيرةُ من الشهداء، إكليريكيين وعلمانيين، يُضاف إليهم جمهورُ الذين يحملون بصبرٍ وتسليمٍ لمشيئة الله مرارةَ الدهر الحاضر مُستَقين العزاء والسلوانَ من الناهض من الرَّمس في اليوم الثالث مُحطّماً بقوّة المحبّة عقالاتِ الجحيم وأمخالهُ الدهريّة!
لكم نشعرُ بالأسى والمرارة أمام واقعنا الأليم في هذا الشرق المصلوب، ولئن كنّا في سعيٍ الى المدينة الباقية ولا نبني رجاءنا على حجارة ٍ اضحت اثراً بعد عينٍ. لذلك، فلسانُ حالنا ما ورد في مقالة الشماس نوري ايشوع في 14-4-2015، حيثُ يبكي على اطلال مدينة المعارف وأمّ العلوم مدينة نصّيبين وكاتدرائيتها ودير الشهيدة فبرونيا النصّيبيّة ومدرستها الشهيرة وقبر الملفان نرساي النوهدري الذي ما عاد يُعرف مكانُه… كما يأسف لتحوّل دير مار اوجين في جبل إيزلا الأشمّ الى هيكلٍ خَرِبٍ مثلهُ كمثل دير مار ابراهيم الكشكري وكنيسة مار كوركيس الأثريّة في بازيدي وقُرى أبرشية الجزيرة العمريّة ودير مار سبريشوع وكاتدرائية سعرت ومطرانيّتها وقُرى أبرشيتها الستّين بما فيها دير مار يعقوب الحبيس ومكتبته الزاخرة بالنفائس الأدبيّة ودير مار يوحنا نحلايا… وما ذهب في مهبّ رياح التدمير وتغيير المعالم ودحرِ تاريخٍ وضّاء متألّق بالأمجاد، مدينةُ "وان" القديمةُ العهد وأبرشيّتا اورمية وسلامس وكاتدرائية مار بثيون في ديار بكرَ مدينةِ العزّ مع كنيسة مار يوسف في ميافرقين المعروفةِ بمدينة الشهداء منذ القديم، بالاضافة الى مدينتي الرُّها وماردين… إنَّ هذا المنظر الذي تدمي له القلوبُ وتنهمر لأجله العَبرات،… كُلُّ ذلك يُجيّش فينا أيضاً شعور الافتخار بالصليب، رمز اعتزازنا ونصرنا ويبعث فينا عواطف الإيمان الحقيقي!
لقد شهدت بازيليك القديس بطرس في الفاتيكان موقفاً هامّاً لقداسة البابا فرنسيس في يوم الأحد 12 نيسان 2015، هو بمثابة علامة رجاءٍ جديدةٍ لنا؛ إذ اعترف قداستُه علناً بالإبادة الأرمنيّة ولكن أيضاً السريانيّة والأشوريّة والكلدانيّة… مؤكّداً على كون كنيستنا كنيسةَ الشهادة الرافعة لواءَ الإنجيل ببسالةٍ وقد ورد في عظة صاحب القداسة ما ترجمتهُ: "لقد عاشت البشريّة في القرن العشرين وقد ضربت شعبكم الأرمني – الأمَّة المسيحيّة الأولى – مع السريان الكاثوليك والأرثوذكس والأشوريّين والكلدان واليونان. أساقفةٌ – يضيفُ قداستُه – وكهنةٌ ورهبانٌ ونساءٌ ورجالٌ وعجزةٌ قد قُتلوا …"
"السريان والكلدان والأشوريّون قد ذُبحوا ما بينَ العامَين 1915، 1918. في ظروفٍ شبيهةٍ جداً ولربما في الأماكن عينها التي واجه فيها أخوتُهم الأرمن، المَصير عينه! يقولُ الدكتور جوزف يعقوب.
هذه الحقيقةُ التي نعرفُها من شأنها أن تدفع فينا القوّة من جديدٍ، لكي تَدُبَّ العزيمةُ في نفوسنا التي يتصارعُ فيها الإيمانُ الواثقُ والرجاءُ الوطيدُ مع الخوفِ والتردّد والتشاؤم…
حسبُنا أن نكون على مثال معلّمنا وأن نحذو حذوه، فهذا فخرٌ لنا.. وحسبُنا أيضاً أن نستثمر دماء آبائنا وأجدادنا وإخوتنا التي أروت تُراب أوطاننا عبر الأجيال والى يومنا الحاضر، عساها تُنبت قيامةً ورجاءً بغدٍ مُشرقٍ زاهرٍ وتمسُّكاً أعمى بكلام الرب الذي أودعنا إياه في الكتاب المقدس قائلاً لنا: " ثقوا، قد غلبتُ العالم".(يوحنا 13/1-33)
أيُّها الأحباء،
قدّمت الكنيسة الكلدانية ما يقارب مئتي ألف شهيدٍ من إكليريكيّين وعلمانيّين سقطوا على مذبح الدفاع عن إيمانهم بالناهض من القبر في اليوم الثالث، ليسطّروا بدمائهم العطرة تاريخ هذا الشرق المشرّف، الذي يفوحُ منه عرفُ الشهادة الطيّب الشذا معطِّراً الكون كلّه برائحة المسيح التي انعشت عالمنا الغارق في سُبات الظلام وغياهب الموت. واسمحوا لي هنا ان اورد لكم ما ورد في مقدّمة كتاب الخوري جوزيف نعيّم الصادر عام 1920 بالإنكليزيّة، وإليكم خلاصتُه بلُغة الضاد: "لم يعرف تاريخ المشرق طوال حقباته احداثاً دمويّةً كتلك التي سُجّلت خلال المذابح المروّعة وحملات الإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها الحكومة التركيّة تجاه مسيحيّي الأناضول وأرمينيا عام 1915. (…) إنَّ خطط الإبادة المسيحيّة شملت الأقليّات المسيحيّة كالأشوريين والكلدان والسريان والأرمن حيث كانوا هم أيضاً ضحايا المخطّط الإجرامي الذي كان هدفُه إفناءَ المسيحيين جذوراُ وأغصاناً."ويزيدُ صاحب المقدّمة على هذا قائلاً: "قبل بدء الحرب العالميّة الأولى، كان عددُ الكلدان والسريان والأشوريين والأرمن كبيراً، وكانت مناطق سكناهم في قرى عديدة انتشرت هنا وهناك في ربوع تركيا ومنطقة "وان" المتاخمة لبلاد فارس والقوقاز. سكن هؤلاء المسيحيّون في تلك المناطق منذ قرونٍ طويلةٍ وأجيالٍ عديدةٍ وكانوا يتمتّعون بنوعٍ من الحريّة والحكم الذاتي إذا ما قورنوا بإخوانٍ لهم سكنوا السهول الفسيحة."
الكنيسة الكلدانية هي "كنيسةُ الشهداء" وبهذا الاسم عُرِفَت. لقد استشهد مبشّرها القديس توما الرسول دفاعاً عن إيمانه بالرب يسوع، وعلى خُطى الشهادة سار البطريرك يوحنا سولاقا وقبله شمعون برصبّاعي.
ختاماً، اشكر صاحب السيادة المطران بولس مطر وحضرة الخوري عبدو بو كسم والأستاذ مايك باصوص، على استضافتهم ومحبّتهم كما اشكركم على حضوركم وإصغائكم، سائلاً معكم الشاهد الأوَّل والشهيد الأكبر، الذي غلب الموت بسلطان الحب وسلّمنا كلام الحياة زاداً لطريق السماء، ان نبقى بنعمته شهوداً لكلمته فنعيشها ونتّخذها لنا مصباحاً يُنير خُطانا ويهدي سبيلنا الى الحياة، ولئن هبّت علينا عواصف الدهر العاتية، له المجدُ مع ابيه وروحِه القدوسِ الى الأبد.

                                         

المراجع
1-    القصارى في نكبات النصارى، تأليف اسحق أرملة (بالعربية)، طبع في بيروت 1919. تُرجم الى السويدية وطبعه في السويد جان بيث صاووعي عام 2005.
2-    مجازر الأرمن والآراميين، للمطران الكلداني اسرائيل أودو (بالسريانية) طبع في السويد 2004.
3-    الدم المسفوك، تأليف عبد المسيح قرباشي (بالسريانية) طبع في السويد عام 1997، ترجمه الى العربية المطران جورج صليبا وطبعت الترجمة في بيروت 2005.
4-    سيفو بطور عابدين، تأليف جان بيث صاووعي، طبع في السويد عام 2006.
5-    نبذة في بعض الرجال الذين اشتهروا في الطائفة الكلدانية: الأب بطرس نصري. ونشرت في مجلة المشرق سنة 1901.
6-    بازبدى (أبرشية الجزيرة)، ايشوع، نوري (الشماس): مجلة نجم المشرق، ع39، 2004.
7-    خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية، تيسران، اوجين (الكردينال): ت: المطران سليمان الصائغ، الموصل 1939.
8-    الكنيسة الكلدانية بين الأمس واليوم، تفنكجي، يوسف (الخوري): ت: المطران اندراوس صنا، مجلة نجم المشرق، ع 8، 1996.
9-    مقابلة مع مطران ديار بكر، حدّاد، بطرس (الأب): مجلة المشرق، ع 14، 1998.
10-    كنيسة المشرق (الكلدانية – الأثورية)، حبّي، يوسف (الأب د.)، لبنان 2001.
11-    Qui s’en souviendra ? 1915: le génocide assyro – chaldeo – syriaque, Joseph Yaacoub, éd. du Cerf, Paris, 2014

 

 

شاهد أيضاً

كيف ومتى نصلي، ولماذا ؟

  كيف ومتى نصلي ، ولماذا؟ منصور سناطي    الصلاة هي صلتنا بالله ، وهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*