الرئيسية / المقالات / رأي: هل تشكل المسيرة المسكونية قلقا دفاعيا احترازيا لدى بعض الكنائس

رأي: هل تشكل المسيرة المسكونية قلقا دفاعيا احترازيا لدى بعض الكنائس

رأي: هل تشكل المسيرة المسكونية قلقا دفاعيا احترازيا لدى بعض الكنائس

الاب نويل فرمان السناطي

الكنائس المشرقية، بجناحيها لكاثوليكي والارثوذكسي وهي بشعب واحد وثقافة مشتركة وتاريخ متقارب الجذور، ناهيك عن التحديات المصيرية التي يواجهها شعبها، وقيمه ومستقبل تراثه وثقافته وتقاليده المسيحية، في عصر تغلب عليه العولمة والليبرالية الفكرية والانفلات القيمي، وما يترتب عليه في كل هذا من استغلال اصولي راديكالي يصل إلى تسخير الدين للطائفية والعنصرية والفساد والارهاب.

ولعل الشعب المسيحي في هذه الكنائس المشرقية، يختلف عن الشعب المسيحي في الغرب، أكان كاثوليكيا،  أو غير كاثوليكي. ذلك أن أبناء هذه الاصقاع لهم منحدرات وقواسم مشتركة من حيث اللغة والحيز الجغرافي الذي بات يطلق عليه "حيز الامة الواحدة" على اختلاف خصوصياتهم، اثنيا او حتى لغويا.

أما الحديث عن الحال فهو ذو شجون مع شعب المؤمنين في الكنائس المشرقية بشقيها الكاثوليكي وغير الكاثوليكي.

فمن جانب، يلاحظ ان بعض الدكاكين السياسية غير المبدئية وغير المسؤولة قد قسمته اثنياً وقوميا وتسمويا. ومن جانب آخر، وهذا هو موضوع المقال: يخضع الشعب لزعامات كنسية تغلف تعليمها بنفس لا يشجع المسكونية، وتسكت في الوقت عينه أمام تقسيمات الدكاكين السياسية المذكورة.

فلما كان ثمة نهج مسكوني سلكه المسيحيون منذ اكثر من نصف قرن، ولما كان ثمة وعي متزايد، لدى المنظرين السياسيين الواعين لمخاطر التقسيم الاثني على حسب المصالح السياسية الضيقة، ها إننا نجد ان بعض زعامات الكنائس الشقيقة، لعلها من المدرسة القديمة، قد تحسب ان كراسيها تتزعزع بسبب ما تراه تحديا بمحورين:

الأول: قد ترى أنه تحدّي يزعزع استقلالية كنيستها، ما تراه في النهج المتطلع الى الجمع بدلا من الكسر والتقسيم،  وأن أبناءها تتوجه بروح منفتحة وبشعور وحدوي الى الكنائس الشقيقة، مستفيدة من اللجان المسكونية التي أتاحت هذا السبيل.

الثاني: قد ترى انه ايضا تحديا غير مباشر، ما رسمته الزعامات العليا في هذه الكنائس، مع الرئاسة الكاثوليكية، والتي تسعى الى ان تتجاوز تفاصيل في الخصوصيات الايديولوجية، في سبيل الوحدة المسكونية؛ قد تحسب انها ستخسر امتيازاتها، فتراها تبرز الانقسامات بتفاصيل تجاوزها التاريخ وعالجتها اللقاءات المسكونية في جوانب عدة.

مثل هذا الكنائس تكاد توصف بالكنائس المجهرية، اذا قارنّا بضع مئات ألف في كل كنيسة مع حوالي المليار ونصف المليار. زعامات مثل هذه بات جل اهتمامها هو السعي للمحافظة على خصوصية كنائسها، وهي في عالم اليوم محافظة مرحلية ليس إلا، أمام كل التحديات التي تجابه العالم المسيحي، فماذا تراها تفعل، إنها ضمن افق ضيق تعمل على جبهتين:
الجبهة الأولى، الحفاظ على الحالة الانفصالية، في داخل العائلة الارثوذكسية نفسها كقولها في هذه المقابلة أو تلك: إخوتنا الاقباط هكذا يرون طبيعة المسيح، اخوتنا في الكنيسة الاشورية هكذا يرون تسمية أمومة العذراء. كل هذا بدل أن يتآلفوا في كتلة واحدة، عقائدية مسكونية، ذات تراتبيات (هيراركية) منسجمة موحدة.

الجبهة الثانية، بدل انقاذ ما يمكن انقاذه بشأن الضياع الذي يتعرض له ابناء الكنائس المشرقية عموما، امام التحديات المعاصرة، ها إن زعامات الكنائس المهجرية، تسعى في المقابلات المعلنة، إلى تجديد سكك الانقسامات الايديولوجية، بإعلان تنظيرات لعل كل مغزاها يختصر بما يلي:

انتبهوا لا تتبعوا الكنائس الاخرى، فنحن الخط الارثوذكسي المستقيم ما بين الخطوط الارثوذكسية القائمة، ومن باب اولى أمام الخط الكاثوليكي.

وإذا تساءلنا بفرضية بديهية: هل يا ترى بموجب هذا الخطاب، سترعوي الخطوط الارثوذكسية الاخرى، والخط الكاثوليكي الاخر، ليتبع الخط الايديولوجي لهذه الكنيسة او تلك؟ لا نعتقد ذلك البتة، فالتنظير المعاصر هو من أعلى وبحثا عن كل ما يجمع. فاذا كانت هذه الجهات لا ترعوي للالتحاق بركب الكنيسة اياها، اغلب الظن إذن انها تريد التسمك برعاياها بأي قدر ولأي أمد ممكن، وليكن ما بعدها الطوفان.

وأخيرا سؤال واحد يطرح ذاته: لو كانت هذه الزعامة الروحية الواعية حتما لجذور أبناء كنيستها المشتركة عقائديا واثنيا مع أبناء الكنيسة المختلفة بهذه التفاصيل الايديولوجية أو تلك، لو كانت بمثابة الاب والأم، تتعامل مع أبناء العائلة الواحدة، التي تضمن المؤمن وغير المؤمن، الأمين والعقوق، النزق والمتسامح، أما كانت تعمل كل شيء لتجمعهم على مائدة المحبة الواحدة، ترتقي فوق الاختلافات، وتستهدف العمل على ما يجمع، فكيف بالأمر لو كان على مستوى العائلة المسيحية المشتركة ما بين الكنيستين الشقيقتين يا أولي الألباب؟ وبالتالي من المرجح ان ثمة حاجة إلى الحذر من هذا التوجه، من قبل هذه الكنائس المشرقية الرسولية المتناثرة في الغرب، قبل غيرها، لماذا؟

الواقع أن كنائس العالم المسيحي لا بد لها أن تتجمع حول تطلعات مصيرية مشتركة ملحة اكثر فأكثر. من تلك التطلعات المصيرية، أن ابعاد احتمال الانصهار في الكتل الاكبر، المحدق من كل صوب، مرهون بنسبة كبيرة بأن الكنائس الرسولية المشرقية توحد مسيرتها، وتتعامل بنحو أكثر معاصرةm  بشأن التفاصيل العقائدية لتصبح من ثم امام تكاتف يبعد الانصهار وينعش الازدهار، وبضوء رغبة الرب يسوع (انجيل متى 12: 7): رحمة أريد لا ذبيحة.

 

شاهد أيضاً

كيف ومتى نصلي، ولماذا ؟

  كيف ومتى نصلي ، ولماذا؟ منصور سناطي    الصلاة هي صلتنا بالله ، وهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*