الرئيسية / المقالات / 6 الروحانيّة: إبراهيم الكلداني المتشبث بالرجاء

6 الروحانيّة: إبراهيم الكلداني المتشبث بالرجاء

6 الروحانيّة: إبراهيم الكلداني المتشبث بالرجاء

البطريرك لويس روفائيل ساكو

"آمَنَ – إبراهيم- راجِيًا على غَيرِ رَجاء فأَصبَحَ أَبًا لِعَدَدٍ كَبيرٍ مِنَ الأُمَمِ" (رومية 4/18)

 في حالة عدم الاستقرار التي نعيشها في العراق والمنطقة والصراعات المتكررة والتعصب والظلم والقلق والخوف من المستقبل، يقدم لنا الكتاب المقدس إبراهيم (אַבְרָהָם) ومعناه الأب الأعلى، الكلداني من أور/ الناصرية، نموذجاً لمن يتشبث بالرجاء بالرغم من كل العقبات والتحديات والمعاناة التي واجهته.

هذا الرجاء لدى إبراهيم ليس مجرد تفاؤل بسيط، بل يعبر عن دينامية النداء والإيمان العميق والاستجابة الخلاقة التي توسع أفاق الإنسان. ورجاء إبراهيم، أب المؤمنين، يهوداً ومسيحيين ومسلمين، يعزز فينا الرجاء وسط العنف والظلم والمعاناة التي نئنُّ تحتها، فنشق طريقنا إلى المستقبل.

إبراهيم "نجم" ساطع تجد فيه البشرية الإيمان والرجاء والسلام مهما كانت الليالي حالكة. "هذا الرجاء هو لنا كمرساة للنفس، هو أكيد وثابت" (عبرانيين 6/66). وهو بالتالي مصدر نصاعة القلب والحرية والفرح. إبراهيم وهو فتى عرف هجرة أولى مع أبيه تارح من أور الكلدانيين إلى حرّان. ثم اختبر رحلة طويلة بتجرد جذري استجابةً لدعوة الله له بإتباع الطريق الذي يريه: " اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ" (تك12/1).

إبراهيم مع زوجته سارة التي كانت تصغره بعشر سنوات يستجيب لنداء الله ويترك أرضه وعشيرته وكل محيطه من دون نقاش، ويرحل إلى ارض لا يعرفها، ينطلق حرًّا من كلّ القيود، طائعا كلمة الله. فيغدو بسلوكه وروحانيته مرجعية للمؤمنين. ولقد رأى الروحانيون – المتصوفون في رحلة إبراهيم الجغرافية هذه "رحلة روحية داخلية" بحثا عن الله والتعرف على حقيقته، رحلة إلى ارض الميعاد الحقيقية – المسيح.

اختبار ووعد

ان رحلة إبراهيم كانت مليئة بالمعوقات والتحديات، فالامتحانات تتوالى، والتقليد اليهودي سجل عشرا منها، لكن الأخيرة كانت الاصعب: ذبيحة ابنه اسحق(יִצְחָק) ومعناه الذي يضحك "خُذِ اَبنَكَ وَحيدَكَ الَّذي تُحِبُّه، إِسحق، وآمضِ إِلى أَرضِ المورِيِّا وأَصعِدْه هُناكَ مُحرَقَةً على أَحَدِ الجِبالِ الَّذي أريكَ" (تك 22/2).

 إبراهيم يطيع ويقدم ابنه ذبيحة من دون مناقشة. إبراهيم يسلمّ ذاته لله تسليما كاملاً حتى في طريق الموت كما فعل يسوع المسيح. وهنا يسجل الكتاب المقدس تطورا في الديانة بانتهاء الذبائح البشرية واعتماد ذبائح حيوانية.

 بخصوص الطاعة يقول صموئيل النبي" إِنَّ الطَّاعةَ خَيرٌ مِنَ الذَّبيحة" (1 صموئيل 15/22). الطاعة بركة" بِما أَنَّكَ فَعَلتَ هذا الأَمَر ولَم تُمسِكْ عنِّي آبنَكَ وَحيدَكَ، لأُبارِكَنَّكَ وأُكَثِّرَنَّ نَسلَكَ كنُجومِ السَّماء وكالرَّملِ الَّذي على شاطِئِ البَحر لأنك لم ترفض ذبيحة ابنك" (تك 22/16-17).

الله يعِده بذرية كبيرة مثل نجوم السماء، وعدٌ سوف يكتمل بالرغم من عدم الرؤية القريبة. تحقيقه يتطلب وقتا وصبراً وثقةً، وهي لا تنقص إبراهيم الذي يعرف ان الله لن يخذله وخصوصاً انه هو من يقوده. ألا يكفي وعده؟ ألا يكفي وعد المسيح لنا "وها أنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم"(متى 28/20).

إبراهيم ليس صورة ننبهر أمامها فحسب، إنما هو حقاً أبو المؤمنين جميعاً وحاملاً لهم بركة الله. بركة فاعلة منذ الأن. "وَيتَبَارَكُ بِكَ جَميعُ عَشائِرِ الأَرض" (تك 12/3).

ليحركنَّ مثال إبراهيم عائلاتنا المسيحية خصوصاً في زمن البشارة – المجيء الذي نبدأه الأحد 3 كانون الأول 2017، على الاجتماع معاً للصلاة من أجل ان نمتلئ رجاءً وقوة وجودٍ وإصرارٍ وسلامٍ.

نص من آباء الكنيسة

"ضروريٌّ أن يتعمّقَ تلميذ الرَب في ذِكْرِ معلمه يسوع في نفسه وان يتهجَّى به ليل نهار... عليه ان يسير في طريق الانجيل. وبداية المسيرة هي وعدُهُ وعهدُهُ مع الله" (فيلوكسينُس المنبجي +520، طريق الكمال ص6).

شاهد أيضاً

كيف ومتى نصلي، ولماذا ؟

  كيف ومتى نصلي ، ولماذا؟ منصور سناطي    الصلاة هي صلتنا بالله ، وهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*