الرئيسية / المقالات / الفضائل الأدبية: القناعة

الفضائل الأدبية: القناعة

الفضائل الأدبية: القناعة
 
المطران مار باسيليوس يلدو
 
"القناعة كنز لا يفنى" هذه العبارة سمعناها كثيراً ولا نزال نسمعها لحد الان؟ ولكن ما معنى ذلك؟ ممكن ان نقول بان القناعة هي الرضا… فيكون الانسان راضيًا عن نفسه وما عنده، وكذلك عن مستواه المادي أو الثقافي. فالقناعة اذن هي الرضا بما قسم الله لنا، ولو كان قليلا، وعدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، وهي علامة على صدق الإيمان.
ولكن هناك فرق بين القناعة الحقيقية التي تعني أن يرضى الإنسان بنفسه وإمكانياته، وقدراته، ويسعى للأفضل دائما، وبين ما يتوهم البعض بأن القناعة هي حالة من الاستسلام للأمر الواقع من ذل ويأس وقلة حيلة.
مع الاسف واقع اليوم طغت عليه النظرة المادية للأمور، ولهذا يقف الإنسان الفقير أمام القوي الغني الذي لا يكتفي باستخدامه، بل يعمل على استفزازه بكل ما أوتي من قوة، يعمل على امتصاص كل ما عنده؛ ليزداد غنى؛ فيتحقق بذلك أحد الأمَرَّيْن: إما أن يستسلم، فلا يعمل ولا ينتج، ويكتفي بما عنده واهمًا نفسه في أحيان كثيرة بأن يأسه قناعة، وإما أن يقرر أن يتصارع مع الاخر مبررًا لنفسه كل الوسائل، واهمًا أن طمعه طموح!
من قراءة التاريخ، نرى أن بداية التصوف المصحوب بالزهد والتفرغ لله والقناعة بعيش بسيط ما كان إلا نتيجة الترف الذي طغى على حياة الملوك والأمراء والكثير من الناس من عدم الاشباع والطمع الموجود في داخلهم ولهذا كانوا يحتاجون من يعيد لهم الحياة الروحية. وخصوصا في هذا الوقت؟ في ظل عولمة الطمع تتلاشى القناعة شيئًا فشيئًا، فامام كل وسائل الحضارة والثقافة والإعلام؛ يجد الفرد نفسه محاطا طوال الوقت بالإعلانات؛ إعلانات عن كل شيء، وكل إعلان يبرز سلعته على أنها ضرورة لا غنى عنها، وأنها ستحقق ما لم تحققه سواها من منافع، وكل تاجر يدعي أنه يعمل لإرضاء المستهلك إلا أن واقع الأمر يقول: إن التاجر لا يرضيه أبدًا أن يرضى المستهلك أو أن يقنع بما لديه، فارتفع بذلك مبدأ الطلبات وزاد الاهتمام بالكماليات، بل إن حالة عامة من الالتباس انتشرت بين الناس حول ما يصنف على أنه ضروريات، ومع ازدياد عدد الواقعين في فخ هذه الاعلانات تزيد واردات الدول؛ فيزداد العجز بميزانها التجاري، وتزداد الدول الفقيرة فقرًا، ويزداد شعبها احتياجًا وذلا!
وللاسف الشديد يتم إغراء الانسان باقتناء المزيد والمزيد من الكماليات بتذليلها له وتيسير الحصول عليها، فهذا إعلان يقول له: "اثنان بسعر واحد، فرصة العمر التي لن تتكرر"، فلا يتمهل ليرى أيحتاج هذا في المقام الأول؟ وهذا آخر يقول له: "اشتر دجاجة واكسب مزرعة" فيشتريها وإن كان نباتياً لا يحتاج إلى دجاج، ولكنه يحلم بالمزرعة.
هناك مثل يقول: من يشتري ما ليس بحاجة له يسرق نفسه؟ ولهذا على الانسان تحديد الأساسيات والضروريات فقد يفاجأ المرء عند تحديده لضرورياته أن كثيرًا مما يملك يزيد عن احتياجه وأن كثيرًا مما يريد ليس في حاجة إليه! مع الاسف ننظر دائما للاخرين ونريد ان نعمل مثلهم دون ان نستخدم قناعتنا الداخلية، مرات الانسان يكون مقتنع بشيء بسيط (بحفلة زواج، او بيت، او اثاث) ولكن الذين حوله يغيرون فكره ! الطمع احيانا يقتل الانسان، لانه يريد دائما ان يمتلك اكثر واكثر دون اشباع، ولهذا يقولون الانسان بطبيعته طماع.
اليوم نحن بحاجة الى الانسان القنوع الذي يعيش سعيداً ويتهنى في حياته، حتى لو لم يكن عنده الا القليل لكنه يراه كثيراً، ويشكر الله عليه ولهذا الرب سوف يبارك ويزيده ويسعده!
القناعة تبقى سراً من أسرار الحياة السعيدة. فقناعتك بما لديك وعدم التذمر والنظر لما لدى الغير هو سر سعادتك، فكلما نظرت للغير إسودت الدنيا بين عينيك وطلبت ما ليس لك به حق. فما لديك هو نصيبك من هذه الدنيا، وما لدى غيرك هو نصيبه منها، فإرضَ بنصيبك تسعد. وإلا سترى ماذا سيحل بك من هم وغم وحزن ونكد لا طائل بعده ولا قبله.
 
قصة واقعية من حياتنا: في إحدى الجامعات التقى بعض خريجيها في منزل أستاذهم العجوز بعد سنوات طويلة من مغادرة مقاعد الدراسة وبعد أن حققوا نجاحات كبيرة في حياتهم العملية ونالوا أرفع المناصب وحققوا الاستقرار المادي والاجتماعي وبعد عبارات التحية والمجاملة طفق كل منهم يتأفف من ضغوط العمل والحياة التي تسبب لهم الكثير من التوتر…. وغاب الأستاذ عنهم قليلا ثم عاد يحمل أبريقا كبيرا من القهوة، ومعه أكواب من كل شكل ولون، أكواب في صينية فاخرة، أكواب زجاج عادي، أكواب بلاستيك، وأكواب كريستال، فبعض الأكواب كانت في منتهى الجمال، تصميماً ولوناً وباهظة الثمن، بينما كانت هناك أكواب من النوع الذي تجدها في أفقر البيوت؟
قال الأستاذ لطلابه: تفضلوا، وليصب كل واحد منكم لنفسه القهوة وعندما اصبح كل واحد من الخريجين ممسكا كوبه بيده … تكلم الأستاذ مجددا هل لاحظتم ان الأكواب الجميلة فقط هي التي وقع عليها اختياركم وأنكم تجنبتم الأكواب العادية؟ من الطبيعي ان يتطلع الواحد منكم الى ما هو أفضل وهذا بالضبط ما يسبب لكم القلق والتوتر ما كنتم بحاجة اليه فعلا هو القهوة وليس الكوب ولكنكم تهافتم على الأكواب الجميلة الثمينة والجميلة. وبعد ذلك لاحظت أن كل واحد منكم كان مراقباً للأكواب التي في أيدي الآخرين، فلو كانت الحياة هي القهوة، فإن الوظيفة والمال والمكانة الاجتماعية هي الأكواب، وهي بالتالي مجرد أدوات ومواعين تحوي الحياة، ونوعية الحياة (القهوة) تبقى نفسها لا تتغير، وعندما نركز فقط على الكوب فإننا نضيع فرصة الاستمتاع بالقهوة، وبالتالي أنصحكم بعدم الاهتمام بالأكواب والفناجين، وبدل ذلك أنصحكم بالاستمتاع بالقهوة.
في الحقيقة هذه آفة يعاني منها الكثيرون، فهناك نوع من الناس لا يحمد الله على ما هو عليه: مهما بلغ من نجاح، لأنه يراقب دائما ما عند الآخرين، يتزوج بامرأة جميلة وذات خلق، ولكنه يظل معتقدا ان غيره تزوج بنساء أفضل من زوجته، ينظر الى البيت الذي يقطنه ويحدث نفسه ان غيره يسكن في بيت افخم وارقى، وبدلا من الاستمتاع بحياته، يظل يفكر بما لدى غيره ويقول: ليت لدي ما لديهم؟اتعرفون لماذا؟ لانهم ليس لديهم قناعة!
علينا ان نتعلم عيش القناعة في حياتنا ونعلمها لأولادنا. بالقناعة نكون أفضل ما نكون ونحمد الله دائماً على ما أعطانا ومنحنا من حياة وصحة وعقل، فنكون قد فزنا بالدنيا والأخرة.

 

شاهد أيضاً

حسين شبكشي اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

عنكاوا كوم حسين شبكشي اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*