الرئيسية / المقالات / النعمة والأسرار

النعمة والأسرار

المطران شليمون وردوني

إذا ما تأملنا وتمعنا في تاريخ الخلاص، في محبة الله للبشر فإننا نستطيع أن نميز ثلاث مراحل تشرح لنا أعمال الله الثلاثة في تحقيق وتجسيد هذه المحبة للإنسان، فهذه الخلقة وفيها يظهر الآب كفاعل أساسي. وهذا التجسد والفداء وفيه نرى الأبن الوحيد بالعمل المركزي لذلك. وإذا بالروح القدس يقوم بالدور الأخير ألا وهو التقديس إنه تحقيق الفداء بواسطة التبرير أو التقديس حيث تطبق ثمرة الفداء على كل إنسان بمفرده وهذه هي النعمة. نعمة المسيح التي تتحقق في توزيع أسراره الإلهية على البشر. وهو ذا الروح القدس العلاقة المركزية بين الأب والأبن، إننا نجده يقدس شعبه.

فالكلام عن النعمة والأسرار نستطيع أن نقول: هو الكلام عن الروح القدس الذي يُضيء ويقدس ويبني ويوحد ويطهر ويساعد الإنسان على أن يتقدم في الحياة الخلاصية.

فتحقيق الفداء يعود في الأصل إلى الثالوث الأقدس ومنح النعمة هو من عمل المحبة الإلهية لذلك ينسب إلى الروح القدس، المحبة الإلهية بالذات، فهذا التحقيق في الإنسان ليس عمل الله وحده، لأنه يقتضي من الإنسان مشاركته الحرة فيه، والسر الذي لا يفهم حقا هو في هذا التعاون الصميم بين حرية الإنسان ونعمة الله. فَلِتحقيق هذا الفداء يمنح الله للإنسان عوناً وقوة داخلية على صورة نعمة، ثم القوة الخارجية التي تحققها لنا الكنيسة بتعليمها وإرشادها وتوزيعها الأسرار.

هكذا يقول البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته عن الروح القدس عدد 52 "الروح يشهد لروحنا إننا أبناء الله، فإن كنّا أبناء فنحن ورثة أيضاً، ورثة الله، وبنو ميراث يسوع المسيح. النعمة المبررة هي في الإنسان مصدر ومنهل الحياة البشرية الجديدة، الحياة الإلهية، الحياة الفائقة الطبيعة".

"… وعلى هذا النحو تشترك الحياة البشرية في الحياة الإلهية التي تغمرها فتكسب هي أيضاً بعداً إلهياً فائق الطبيعة. وتولد "حياة جديدة" فيها " يكون للبشر قرب إلى الله في الروح القدس" (افسس 2/18). باشتراكهم في سر التجسد. هناك علاقة وثيقة تقوم بين الروح الذي يحيي والنعمة المبررة من جهة وتلك الحيوية الفائقة الطبيعة المتنوعة للغاية التي تنشأ عنها في الأنسان: علاقة بين الروح غير المخلوق والروح البشري المخلوقة.

عدد 53 "… (اف1/3-14)" … فللنعمة إذا طابع مسيحاني وروح قدسي معاً، يظهر بنوع خاص في الذين يتبعون المسيح علنا. " الذي به… ختمتم نجاحكم بقوة الروح القدس، روح الوعد، عربون ميراثنا لفداء الذين يحيون" (اف1/13).

معنى النعمة

هذه اللفظة نراها واردة في العهد القديم، باليونانية ((charis كارس ولكن العهد الجديد حدد معناها وأعطاها كل ابعادها وقد استعملها ليصف النظام الجديد الذي أسسه يسوع المسيح ازاء التبرير القديم الذي كان خاضعاً للشريعة، أما الثاني فهو عهد النعمة (رو6/14-15 يوحنا 1/17).

إن النعمة هي عطية من الله تحوي كل العطايا أي هبة الأبن (روم8/32)، ولكنها تعني أكثر من مجد الهبة. إتها هبة تشجع بسخاء المعطي وتغمر بهذا السخاء الخليقة التي تحظى بها. فيمنح الله عطاياه بفضل نعمته ومن ينالها يجد أمامه تعالى حظوة ورضى.

وتفسر كلمة " نعمة" باللاتينية ((gratia كراسيا، وباللفظ العبري واليوناني، يصلح كل منهما للدلالة، في آن واحد، على ينبوع الهبة لدى من يعطي، وعلى نتيجة الهبة على من ينال، فان عطية الله العظمى ليست مختلفة تماما عن المعاملات المتبادلة التي يتّحد بواسطتها الناس بعضهم ببعض، إلى جانب انه يوجد بين الله وبيننا روابط تكشف فينا صورته.

فاللفظة العبرية (حن) ( حنانا ) تصف اولا المحبة والعطف المجاني في شخص عالي المقام ثم الدليل الواقعي لهذا العطف الذي يظهره من يعطي ويبدي نعمة، والذي يجنيه ويجد نعمة. ثم إن هذه اللفظة تصف البهاء الذي يجذب النظر ويحافظ على الحظوة. بينما اللفظة اليونانية فأنها تدل أولاً على الجاذبية الصادرة من الجمال، ثم على اشعاع الصلاح الباطني وأخيراً على الهبات التي تشهد على هذا السخاء.

شاهد أيضاً

التواضع

التواضع الاب سنحاريب يوخنا (( في الانسان  المتواضع تستريح روح الحكمة )) القديس افرام كما  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *