الرئيسية / المقالات / رسالة البطريرك ميشيل صبّاح حول القراءة السليمة للكتاب المقدس‎

رسالة البطريرك ميشيل صبّاح حول القراءة السليمة للكتاب المقدس‎

رسالة البطريرك ميشيل  صبّاح حول القراءة السليمة للكتاب المقدس

 

عن موقع ابونا/ عمان

 

2018/01/04

 

نشر موقع ابونا رسالة لصاحب الغبطة ميشيل صبّاح بطريرك القدس الأسبق للاتين حول القراءة السليمة للكتاب المقدس. ونظرا لأهمية الموضع  قيام بعض الأشخاص بتفسيرات خاطئة  يقوم موقع البطريركية بتشرها ( ادارة الموقع)

 

تستند الجماعات المسيحية الصهيونية، على مقتطفات مجزوءة من الكتاب المقدس، وتحديدًا في العهد القديم، لكي تجد لها تبريرًا للمواقف الداعمة للاحتلال الإسرائيلي والظالمة بحق الشعب الفلسطينية. لذلك، ارتأى موقع أبونا أن يعيد نشر الرسالة الراعوية التي وجهها البطريرك ميشيل صبّاح، بطريرك القدس للاتين عام 1993، بعنوان: "قراءة الكتاب المقدس اليوم، في أرض الكتاب المقدس"، لما فيها من عبر وتفصيلات على كل إنسان أن يعرفها، لكي لا ينحدر إلى التفسير "السياسي والعسكري" للكتاب المقدس

:

المقدمة

إلى الكهنة والرهبان والراهبات، وإلى جميع المؤمنين الأعزاء، أيها الأخوة والأخوات،

١. "عليكم النعمة والرحمة والسلام من لدن الله الآب والمسيح يسوع ربنا" (٢ طيموتاوس ١: ٢).

لقد ولد في هذه الأيام أمل جديد في تاريخ بلادنا، ولاحت آفاق جديدة أمام السلام والمصالحة بين شعبينا اليهودي والفلسطيني، ومع العالم العربي كله. ولسوف يستمر البحث عن العدل، ولكنه سوف يتم من الآن فصاعداً بالتعاون بين الجميع، لا بالصدامات والمواجهات. وإذْ نحمد الله على هذه النعمة، فإنا ندعوكم إلى الإسهام، بصلاتكم وبحضوركم وبعملكم، في كل مبادرة من شأنها أن تعزز هذا السلام وهذه المصالحة، على أساس العدل والأمن للجميع.

وتأتي هذه المرحلة الجديدة في تاريخ بلادنا بعد حوادث أليمة عشناها جميعاً، وما زال بعضنا يُعاني منها. والشكوك والمخاوف لم تتبدّد بعد، وكذلك المعاناة الإنسانية الناجمة عن الصراع الطويل بين الشعبين. إلا أن الماضي يجب ألا يلتهم الحاضر والمستقبل فيحول دون حركتهما. فلا بدّ من الصراع الآن في سبيل تدعيم السلام والعدل. وفي كل حال، لا بدّ من أن يبقى المسيحي باستمرار في حالة جهاد روحي، إذا ما أراد أن يكون أميناً لإيمانه وكنيسته ومجتمعه.

موضوع الرسالة: الكتاب المقدس

٢. وإنا لنوجّه إليكم هذه الرسالة لنؤيّد بها أمانتكم هذه ونقوّيها. وموضوع الرسالة هو الكتاب المقدس كيف نقرأه وكيف نفهمه، وكيف نجعله موضوع تأملاتنا وصلواتنا. جاء في الرسالة إلى العبرانيين: “إنّ كلام الله حيّ ناجح” (عبر ٤: ١٢). فيجب أن يكون غذاء لروحنا ونوراً لنا وهادياً، في كل عمل نقوم به في الظروف الراهنة وفي حياتنا اليومية في الأرض المقدسة.

لقد انتاب الخوف الكثيرين منكم، في الماضي القريب إذْ كان الصراع بعد مُحتدماً، ولقد ساورتهم الشكوك إزاء الكتاب المقدس، لما له من صلة مباشرة مع الوضع الصعب الذي عِشناه، ومع مرحلة السلام الجديدة التي علينا أن نبنيها معاً.

وإنا، لنجد سندنا وقوتنا، إزاء هذه الشكوك والمخاوف، في إيماننا وفي الكتاب المقدس نفسه، طبقاً لما جاء في الرسالة الثانية إلى طيموتاوس: “إن كل ما كُتب (في الكتاب المقدس) هو من وحي الله، يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ، ليكون رجل الله كاملاً معداً لكل عمل صالح” (٣: ٦– ٧).

وإن الإسهام في بناء السلام العدل في بلاد الكتاب المقدس هو طبعاً “عمل صالح“. وكذلك بناء مجتمع في هذه البلاد تسوده الأخوة، مؤسَّس على الكرامة وعلى الاعتراف المتبادل بالمسؤوليات والحقوق لكل فرد وجماعة وشعب. وإن كلام الله لهو لنا في هذا المسعى أفضل دليل، حتى في وسط الشكوك والمعارضات. ولهذا فإننا مدعوون إلى قراءته ودراساته والعيش بموجب روحه وأحكامه.

التواضع أمام كلام الله

٣. فهم الكتاب المقدس ليس بالأمر السهل. بل يتطلب منا جهداً خاصاً كما ويتطلب نعمة خاصة من الله. ولهذا إذا ما أردنا أن نفهمه وأن نفهم كلام الله فيه، يجب أن نعرف أولاً كيف تكون قراءته. ولا يدعين أحد أنه قادر على فهمه بمحض قدراته الخاصة. وإنما يقرأ الكتاب ويفهم إذا ما قرئ مع الجماعة ومع الكنيسة قراءة تعتمد على نور الروح القدس وقوّته.

أمام كلام الله يجب أن نتواضع. ويجب أن نعترف أن هذا الكلام ليس كلامنا. يجب أن نعترف اننا غالباً ما لا ندرك ما يريد الله أن يبيّن لنا من خلال كلامه لنا. ولهذا لا يجوز لنا أن ننصب من أنفسنا قضاة على كلام الله سبحانه فنحكم عليه بحسب رؤيتنا للأمور أو بحسب تأثرنا بالماضي القرب الذي لم ينقض بعد حيث كنا طرفاً في خصومة، أو حتى بحسب تأثرنا بموقف الخصم نفسه من كلام الله. لا يحق لنا أن نخضع كلام الله لمقتضيات مواقفنا وصراعاتنا البشرية.

ولهذا فإن قراءة الكتاب المقدس مهمة صعبة وحساسة ذلك أن القضايا التي نواجهها خلال هذه القراءة هي قضايا تتصل بحياتنا اليومية. بل لها صلة بالهوية القومية والشخصية للمؤمنين. ولهذا فقد يكون تفسير الكتاب المقدس إذا ما فُسِّر تفسيراً منحازاً وغير متكامل تهديداً لوجودهم ولبقائهم في أرضهم ووطنهم.

لمن نوجّه هذه الرسالة؟

٤. هناك قضايا كثيرة تقتضي الدراسة. ونريد أن نعالجها بصفتنا راعياً ومسؤولاً فنوجه كلامنا إلى أبنائنا وإلى جميع المسيحيين الذين يعيشون في حدود أبرشيتنا البطريركية في إسرائيل وفلسطين المحتلة والأردن وقبرص. ولجميعهم تقريباً صلة مباشرة بالصراع الماضي (والذي كان موضوع رسالتنا الراعوية في عيد العنصرة عام ١٩٩٠) وبالمصالحة التي بدأت وبالقضايا التي تثيرها. فأكثرهم فلسطينيون وأردنيون ولغتهم وحضارتهم اللغة والحضارة العربية. ومن أبنائنا ايضاً جماعة صغيرة في أبرشيتنا ناطقة باللغة العبرية قسم منها من الشعب اليهودي وقسم يعيش في وسط الشعب اليهودي.

وقد حاولنا أن نصغي، خلال تأملنا في هذه القضايا إلى وجهات النظر المختلفة. لأن تبادل وجهات النظر والأفكار، بالإضافة إلى الصلاة والتأمل، وسيلة لا بدّ منها، لكي يعرف المؤمنون بعضهم بعضاً معرفة تجعلهم قادرين على أن يكونوا معاً دعاة سلام.

شهادة مشتركة وحوار مع الجميع

٥. وإنا لنشارك، في إطار مجلس الكنائس للشرق الأوسط مع جميع الكنائس في هذه المنطقة، في مسيرة واحدة نحو الوحدة التامة والشهادة المشتركة. فنأمل أن يكون تفكيرنا هذا اسهاماً متواضعاً في هذه المسيرة. لأنا نؤمن أن كنيسة القدس والأرض المقدسة تستطيع من خلال خبرتها وتفكيرها أن تُسهم اسهاماً فريداً في هذه المسيرة مع جميع كنائس المنطقة ومع الكنيسة الجامعة. ولهذا تكون كنيسة القدس سعيدة إذا ما سُمع صوتها وإذا ما سَمعتت ردود الفعل على ما ترى وتقدم.

وبالإضافة إلى الجماعة المسيحية، فإنا نأمل أن تصل رسالتنا أيضاً إلى إخواننا المسلمين واليهود إسهاماً منا في التعايش والسلام، في الاحترام الكامل لكل عقيدة. فإنا مستعدون وقابلون لكل حوار، لأن الطريق أمامنا ما زال شاقاً وطويلاً.

رسالة راعوية

٦. إنَّ هذه الرسالة هي قبل كل شيء ذات طابع راعوي. ولهذا فلن نتمكن من أن نسهب في كل مرحلة من مراحل تفكيرنا فر عرض جميع الدراسات والمواقف اللاهوتية التي أخذت بعين الاعتبار والتي كانت القاعدة والمصدر لأقوالنا في هذه الرسالة وقد صدرت هذه الرسالة بعد تفكير طويل ضمن مجموعة من الكهنة واللاهوتيين في كنيسة القدس، وكلهم شهود لمعاناة الجماعات المختلفة ولتوقعاتها وآمالها. وقد وضعوا معاً خبراتهم في المجالات المختلفة، في العمل الراعوي وفي دراسة الكتاب المقدس والحوار المسكوني والحوار بين الأديان.

الفصل الأول: الأسئلة المطروحة

الفلسطيني المسيحي إزاء كتاب التوراة

٧. يرى الفلسطيني المسيحي في الكتاب المقدس جزءاً لا يتجزأ من إيمانه وتراثه الديني. ولهذا فهو يقرأه قراءة فردية أو مع الجماعة ويتأمل فيه، وذلك في دروس التعليم المسيحي وفي الاحتفالات الليتورجية وفي مجموعات الصلاة. وإن الأسئلة التي تواجهه خلال هذه القراءة والصلاة، لما كان الصراع قائماً، متعددة وكثيرة. وما زالت هذه الأسئلة مطروحة اليوم أيضاً، بعد بداية المسيرة المشتركة والسعي الواحد في سبيل البناء.

أ‌– كيف يمكننا أن نفهم العهد القديم؟ ما الصلة بين العهدين القديم والجديد؟

ب‌– في الكتاب المقدس قصص عنيفة كثيرة الشبه مع أحداث تاريخنا الراهن، وهي منسوبة إلى الله عزّ وجلّ. فكيف يمكن فهمها، والإنجيل المقدس يقول أن: “أبناء الله هم صانعوا السلام” (متى ٥: ٩)؟

ت‌– وما هي العلاقة بين التاريخ الوارد ذكره في كتاب التوراة وتاريخنا المعاصر؟ وهل إسرائيل الوارد ذكره في التوراة هو دولة اسرائيل اليوم؟ وما معنى الوعد والعهود والشعب المختار ولا سيما “أرض الميعاد” أي الأرض التي وعد الله بها وهبها لإبراهيم ونسله؟ وهل يبرّر هذا الوعد المطالبات السياسية الراهنة؟ وهل نكون نحن ضحية تاريخ خلاصنا الذي يبدو أنه يفضِّل الشعب اليهودي على حسابنا؟ أهذه هي مشيئة الله التي يجب أن نخضع لها خضوعاً مُطلقاً من غير مناقشة أو استئناف والتي تطالبنا بأن نجرِّد أنفسنا في سبيل شعبٍ آخر؟“

وإن بعض اليهود –مع أن كثيرين غيرهم من اليهود أنفسهم يرون رؤية مخالفة لهم– يبررون بأقوالهم وبأعمالهم طرح هذه الأسئلة وخوف الفلسطيني وقلقه: إذ يقولون أن الله وهبهم أرض الميعاد. ووعد الله هذا هو مستندهم في ملكية الأرض كلها.

وهناك أيضاً مَن يقول القول نفسه من بعض المسيحيين الأصوليين. وقد يذهب هؤلاء إلى حدّ اعتبار التاريخ الحاضر بمثابة تحقيق لنبوءات محددة في الكتاب المقدس، وإلى حدّ اتهام المسيحيين المحليين بمعارضة الكتاب المقدس، وبأنهم ليسوا مؤمنين حقيقيين.

وإنا لندرك أم لمثل هذه المواقف هي سبب فزع وثورة دينية عند هؤلاء الذين أُخرِجوا من بيوتهم ومن أراضيهم أو فقدوا عزيزاً عليهم في الحروب المتتالية أو مروا بالسجون والتعذيب، لأنهم أرادوا استعادة حقوقهم.

أقسام الرسالة

٨.  ويمكن تلخيص الأسئلة التي نريد الإجابة عليها في الأسئلة الثلاثة التالية وهي:

١– ما هي العلاقة بين العهد القديم والجديد؟

٢– ما تفسير قصص العنف الواردة في العهد القديم والمنسوبة إلى الله؟

٣– وفي العلاقات الحالية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كيف يمكننا أن نفهم أرض الميعاد والشعب المختار والعهد؟ أوَمِنَ الممكن أن يفرض الإله العادل والرحيم الظلمَ أو الجورَ على شعبٍ لصالح الشعب الذي اختاره؟

إن هذا السؤال الأخير مطروح بصورة خاصة على إيمان كل مؤمن، في هذه الأرض المقدسة وهي الأرض التي أُنزِل فيها الكتاب المقدس، هو سؤال مطروح على اليهودي والمسيحي والمسلم. وعلى كل مَن يريد أن يبرر الواقع السياسي المعاصر بكلمة الله المنزلة في كتاب التوراة. وهو سؤال يطرح على الكنيسة المحلية وعلى كل كنيسة في العالم، وعلى كل إنسان يبحث بصدق عن السلام والعدل في الأرض المقدسة.

ولتدعيم مسيرة السلام،  لا بُدَّ من الإجابة على هذه الأسئلة التي تولدت في فترة توشك أن تكون الآن ماضية، إن شاء الله. لأن مسيرة السلام هي في الوقت نفسه مسيرة مشتركة نحو اكتشاف الحقيقة التي تحرر الإنسان (يوحنا ٨: ٣٢).

وقبل الإجابة على هذه الأسئلة، سنحاول أن نبين ما هو الكتاب المقدس للمسيحيين وكيف يمكن فهمه. وسوف نبين أنه أولاً كلام الله وثانيا هو تاريخ مسيرة الخلاص، وثالثاً هو تاريخ مسيرة الخلاص لكل منا، ورابعاً أنَّ السيد المسيح هو مفتاح الحل والإضاءة لفهمه.

الفصل الثاني: ما هو الكتاب المقدس

مضمون الكتاب المقدس

٩– يُعرف الكتاب المقدس بأسماء متعددة. فهو الكتاب المقدس وهو كتاب التوراة وهو كتاب العهد القديم والعهد الجديد. والكتاب المقدس للمسيحيين هو العهد القديم والجديد معاً.

كتاب التوراة العبرانية يتضمن ٣٩ سِفراً أو كتاباً، موزعة في ثلاث مجموعات هي الشريعة والأنبياء والكتبة. وكتاب العهد القديم للمسيحيين، في الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، يتضمن هذه الكتب التسعة والثلاثين نفسها، والكتب القانونية الثانية المكتوبة باللغة اليونانية أو الآرامية وعددها ثمان. أما الكنيسة البروتسطنتية فقد احتفظت فقط بالكتب التسعة والثلاثين الواردة في التوراة العبرانية.

ويتضمن العهد الجديد سبعة وعشرين سِفراً أو كتاباً، وهي الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل والرسائل الأربعة عشر المنسوبة إلى القديس بولص، والرسائل السبع المعروفة باسم الرسائل الجامعة وسفر رؤية القديس يوحنا.

ومجموعتا الكتب في العهدين الجديد والقديم هما للمسيحيّ كتاباً واحداً يتضمن كل الوحي الذي أنزله الله لخلاص البشرية. ولا يجوز لأي سبب من الأسباب سواء كانت سياسية أو غيرها التخلي عن أي جزء من الكتاب المقدس، سواء كان ذلك من العهد القديم أم من العهد الجديد. فإن الكتاب المقدس كله هو كلام الله.

أولاً: الكتاب المقدس هو كلام الله

كيف نفهم الكتاب؟

١٠. تكلم الله وكشف لنا عن ذاته، من خلال تاريخ البشرية ومن خلال تاريخ شعب أراد أن يختاره لتحقيق خلاص البشرية. ولهذا فإن الكتاب المقدس هو أولاً مجموعة أحداث ثم مجموعة أقوال تُظهِر عمل الله من خلال الوقائع البشرية. وقد عاش هذه الوقائع أناس تناقلوها شفاهاً أولاً ثم دوّنوها كتابة (كلمة الله ٢).

ولهذا ليس الكتاب المقدس مجموعة كتابات متجمّدة وميّتة بل هو تاريخ خلاص يرافق تاريخ البشرية بأسرها فهو إذن تاريخ حيّ ودينامي يدفع بالبشرية إلى الأمام، ويسير عبر الأجيال وعبر جميع الأحداث، ومن خلالها يُظهر الله نفسه ويبلغ رسالته للبشرية.

ومن غير الإيمان لا يسعنا أن ندرك وأن نقبل هذه الأمور إدراكاً وقبولاً كاملاً. ولهذا يجب أن نشكر الله على نعمة الإيمان التي وهبنا اياها.

كتبوا الكتاب بالهام من الروح القدس

١١.  قد دوَّن تاريخ الخلاص في أزمنة مختلة كُتابٌ ألهَمَهُم الروح القدس ليكتبوا ما كتبوا فكان “يعمل بهم وفيهم ليكتبوا، كتابة مؤلفين حقيقيين كل ما هو موافق لمشيئته وليكتبوا ذلك فقط. ومن ثم فيما أن أقوال الكُتّاب المُلهمين هي أقوال الروح القدس، يجب القول أن أسفار الكتاب المقدس تعلّم تعليماً أكيداً وتعلِّم بأمانة ومن غير خطأ الحقيقة التي أراد الله أن يدوّنها في الكتاب المقدس من أجل خلاصنا” (كلمة الله ١١). ولهذا فإن مؤلف الكتاب المقدس هو في الوقت نفسه الله والكُتّاب الملهمون.

لقد تكلم الله عن طريق البشر وعلى طريقة البشر

١٢. لم يتلق الكُتّاب الملهمون كلام الله عن طريق الإملاء المادي الحرفي. إنما الهمهم الروح القدس فعبّروا عن أنفسهم بلغتهم وبحسب إمكاناتهم العقلية وبحسب عوائدهم وحضاراتهم والأنواع الكتابية المختلفة والأسلوب الكتابي الخاص بكل منهم.

ولهذا جاء في الوثيقة المجمعية: “بما أن الله تكلم في الكتاب المقدس عن طريق البشر وعلى طريقة البشر. ففي سبيل أن نتبين بوضوح ما أراد الله أن يبلغنا إياه، يجب على من يفسِّر الكتاب أن يبحث بروية عما أراد الكُتّاب الملهمون أن يعبروا عنه حقاً وعما شاء الله أن يبلغنا إياه عن طريق كلمتهم” (كلمة الله ١٢).

جاء الوحي تدريجاً

١٣.  قال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني محدداً الوحي: “لقد شاء الله، في حكمته وصلاحه، أن يكشف لنا عن ذاته وأن يُطلعنا على سرّ مشيئته (أفسس ١: ٩) وبفضل هذا السرّ، يقترب الناس من الله الآب، مع المسيح الكلمة الذي صار بشراً وبقوة الروح القدس، ويصبحون شركاء في طبيعته الإلهية” (أفسس ٢: ١٨ و ٢ بطرس ١: ٤) (كلمة الله ٢).

أراد الله إذاً بالوحي أن يُظهر لنا ذاته، حتى نتمكن من معرفته تعالى ومن المشاركة في حياته الإلهية. وقد اكتمل الوحي وبلغ تمامه في يسوع المسيح نفسه، كلمة الله الذي صار بشراً مثلنا.

وقد جاء الوحي تدريجياً. وهذا يعني أن الله سبحانه لم يوح مرة واحدة ونهائية بكل ما يتعلق بالحق الإلهي وبمسيرة الخلاص. وإنما تنازل وراعى مقدرة الناس وإمكاناتهم لفهم كلمته المنزلة (كلمة الله ١٢). ولذلك فإنا نجد في كل مرحلة من تاريخ شعب الله ما يتناسب ومستوى معرفته وفهمه لكلمة الله.

يُفهم الوحي على ضوء التقليد

١٤. ولهذا فإنا نجد ارتباطاً وثيقاً لدى شعب الله بين الكتاب المقدس وبين تفسيره الحيّ في الشعائر الليتورجية وفي الحضارة والتاريخ (كلمة الله ٨– ١٠). وكذلك لا يمكننا أن نفصل بين كلمة الله وبين حياة الشعب الذي قبلها.

وعلينا نحن أيضاً أن نتبع اليوم الطريقة نفسها لفهم كلام الله في الكتاب المقدس، وذلك بالاتحاد مع الكنيسة وعلى ضوء التقليد والشعائر الدينية الحيّة، وبالاستفادة من تقديم العلوم الكتابية.

“إنَّ التقليد المقدس والكتاب المقدس هما وديعة واحدة مقدسة تسلمتها الكنيسة ومضمونها كلام الله. فإذا بقي الشعب المقدس كله مُخلصاً لهذه الوديعة ومتحداً برعاته ثبت على تعليم الرسل والشركة الأخوية وكسر الخبز والصلاة… ” (كلمة الله ١٠).

ثانياً: الكتاب المقدس هو تاريخ مسيرة الخلاص

الخلاص هو ملء الحياة

١٥. الكتاب المقدس هو كتاب مسيرة خلاصنا جميعاً. هو كتاب مسيرة الله مع البشرية. وعلى ضوء هذا المبدأ يجب أن نقرأ الأحداث التاريخية التي يرويها الكتاب المقدس لنُعطيها معناها الصحيح… فجميع الأحداث مثال ودليل لنا في مسيرة خلاصنا، بحسب ما جاء في رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتوس: “وقد حدث ذلك ليكون لنا مثلاً، وكُتِبَ تنبيهاً لنا” (١ قور ١٠: ٦ و ١١).

قال البابا بولس السادس في الوثيقة: “الدعوة إلى الإنجيل“: “أنَّ الدعوة إلى الخلاص هي القلب والمحور في البشرى السارة. إن المسيح يُنادي بالخلاص هبة الله العظيمة. لأن الخلاص يعني تحرير الإنسان من كل ما يظلمه ويستعبده ولا سيما الخطيئة والشر. والخلاص يبعث فينا فرح المعرفة، معرفة الله، لأنا نعرفه وهو يعرفنا، ولأنا نراه ولأنا نعلم أنا عائدون إليه” (الدعوة إلى الإنجيل ٩).

وفي الواقع فإننا جميعاً أفراداً وجماعات، نطمح إلى تحرير كياننا الشامل من كل ما يعوق حريتنا الحقيقية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية بل والروحية أيضاً. نطمح إلى التحرير الشامل من كل ما يحول بيننا وبين الله وبيننا وبين أبناء الله، لنصل إلى العيش مع الله ولننعم بملء بركته الإلهية. هذا هو معنى تاريخ الخلاص الذي يجب أن نقرأه ونفهمه في الكتاب المقدس، فنرى فيه كلام الله والبشرى السارة منه تعالى لكل واحد منا ولجميع شعوبنا.

مراحل مسيرة الخلاص

١٦. تقع مسيرة الخلاص الموحى بها في الكتاب المقدس بين مشهدين رئيسين هما، بداية المأساة البشرية وخاتمتها: وهما مشهد الفردوس المفقود ومشهد أورشليم الجديدة النازلة من عند الله. لقد جئنا من الله وإنا عائدون إليه. هذان المشهدان هما بمثابة منارتين تضيئان كل ما بينهما من تاريخ ومصير بشري منسوج بآلام البشر وبأفراحهم. وأن مسيرة العودة إلى أورشليم الجديدة أعني إلى الله قد بدأت. فقد جاء المسيح المُنتظر وهو الذي بدأ مسيرة العودة هذه والتوجه إلى الله. وهذا ما يُعرف “بالأزمنة المسيحانية“. وبمجيء المسيح فقد أصبح روح الله حاضراً بيننا، ومنه نستمد قوتنا بالرغم من الشر الذي فينا أو الذي يُحيط بنا.

وتبين هذه الرؤية للأمور أن لتاريخ البشرية معنى وأن للعالم معنى، وأن الكلمة الأخيرة هي لله وله سوف تكون الغلبة الأخيرة على الشر.

وفي هذه المسيرة مراحل كثيرة أساسية تُظهر من خلالها الطريقة التي اختارها الله لتثقيف البشرية والتي تعامَل الله بموجبها مع الناس، مراعياً مقدرتهم على استقبال كلمته وفهمها. وهذه المراحل هي معاهدات متتالية بين الله والناس، تتداخل وتُضيف كل واحدة شيئاً ما إلى سابقتها من غير أن تلغيها. فكل معاهدة بين الله وشعبه تنهي مرحلة برزت فيها الخطيئة البشرية أو خطيئة الشعب المختار وتتجاوزها، لتبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة ارتداد ورجوع إلى الله، والتزام بالمصالحة بين الناس.

المعاهدة مع نوح

١٧. عاش الإنسان الأول منذ خلقه الله في حالة ألفة معه تعالى (تكوين ٢: ١٥ و ٣: ٨). ومن ثم كان آدم وحواء في حالة خلاص وسعادة. ثم أخطآ فحُرِما الخلاص وأُلفة الله. إلا أن الله وعدهما بالخلاص، وكان ذلك أول وعد يُعطيه الله للبشرية.

وكانت المعاهدة الأولى مع نوح ممثلاً للبشرية، وقد جاءت المعاهدة بعد عصيان جديد من قِبَل الإنسان. وهي تُظهِر صلاح الله وتبيّن بداية تتميم الوعد بالخلاص.

وقد جعل الله قوس القزح علامة على عهده لنوح: “هذه علامة العهد الذي أنا جاعله بيني وبينكم، وبين كل ذي نفس حيّة معكم مدى الأجيال” (تكوين ٩: ١٢). فهو عهد لجميع الكائنات الحية على الأرض، ولاسيما للإنسان، لأنه “خلق على صورة الله ومثاله” (تكوين ١: ٢٧). وقد أشهد الله الخلق كله على ما صنع، والخلق كله من صنع يديه، كما جاء على لسان القديس بولس في سِفر أعمال الرسل: “على أنه لم يَفُتْهُ أن يؤدي الشهادة لنفسه بما يفعل من الخير، فقد رزقكم من السماء الأمطار والفصول المخصبة، وأشبع قلوبكم قوتاً وهناء” (أعمال ١٤: ١٧).

المعاهدة مع ابراهيم

١٨. دعا الله إبراهيم لكي يجمع الانسانية المشتتة. دعاه إلى الخروج من “أرضه وعشيرته وبيت أبيه” (تكوين ١٢: ١). وفي ابراهيم شرع الله يُعدُّ لنفسه شعباً هو الشعب العبراني. وقد أقامه شاهداً له بين الأمم. وأصبح هذا الشعب حاملاً لوعود الله وأحكامه ومُناديا بالخلاص للبشرية كلها. وقد وعد الله أن يجعل من إبراهيم “أبا عددٍ كبير من الأمم” (تكوين ١٧: ٥) وبركة “لجميع عشائر الأرض” (تكوين ١٢: ٣). وتبرز الأنساب في التوراة بصورة خاصة قرابة اسماعيل مع ابراهيم، وتذكر أن البركة الممنوحة لإبراهيم تشمل أيضاً سائر الشعوب. ولهذا فإننا نرى اليوم اليهود والمسيحيين والمسلمين، يكرمون اباهم المشترك، “أباً لإيمانهم” بالله الواحد الذي يبارك جميع الشعوب.

معاهدة طور سيناء

١٩. بعد المعاهدة مع ابراهيم، جدّد الله المعاهدة نفسها مع اسحق (تكوين ٢٦: ١– ٥) ثم مع يعقوب (تكوين ٢٨: ١– ٢٢). وقبل الخروج من مصر “ذكر الله عهده مع ابراهيم واسحق ويعقوب” (خروج ٢: ٢٤). وقد جاءت معاهدة طور سيناء مؤيّدة لاختيار الله. وبالخضوع لشريعة الله تكونت حول موسى جماعة دعاها الله اليه لتخدمه. ونلاحظ هنا أيضاً أن بينها أشخاصاً غرباء، ليسوا من نسل يعقوب، مثل كالب (يشوع ١٤: ٦– ١٤) ثم راحاب (يشوع ٦: ٢٢: ٢٤).

فما يميّز وما يُكوِّن شعب الله هو الخضوع لشريعة المعاهدة المبرمة على جبل سيناء. واسرائيل هو الشعب الذي يحمل اسم الرب (تثنية ١٨: ١٠). هذه هي هويته. وليس هذا الاختيار ناجماً عن استحقاقاته، بل هو ناجم عن محبّة الله المطلقة والتي لا يُلزِمها مُلزِم (تثنية ٤: ٣٧ و ٧: ٧ و ٩: ٤). وهو اختيار يفرض المسؤولية والواجبات، لا الامتيازات والمحاباة.

المعاهدة مع الملك داود

٢٠. إن استقرار إسرائيل في أرض الميعاد هو بمثابة تحقيق تاريخي ورمزي للمواعد المعطاة لإبراهيم وموسى. وقد تركزت المعاهدة الآن في بيت داود (٢ صموئيل ٧: ١٦). وقمّة حياة إسرائيل كشعب هي الفترة التي مَلك فيها داود ثم ابنه سليمان. وكانت الملكية والهيكل هما العلامتان لحضور الله بين شعبه. ولهذا فإن دمارهما سوف يؤدي إلى مأساة الجلاء.

توقع مجيء المسيح

٢١. لقد أدى عصيان الشعب إلى غضب الله وقضائه. ولذلك كان الجلاء. والجلاء هو الإبعاد عن الأرض. فلم يبقَ لإسرائيل ملك ولا هيكل. وأما كلام الله فباقٍ ومعاهدته أيضاً باقية. وبهذه المعاهدة عاش الشعب عبر التقلبات السياسية وبين الشعوب الأخرى. وقد وجد إسرائيل نفسه كما كان في أيام التيه في البرية أعني لا خلاص له إلا من الله وحده.

وقد رأى الأنبياء ما بعد المحنة الراهنة. وحين تنبأوا بإعادة مملكة داود، فقد تنبأوا بملك “مسيح” يُمسح بدهن الملكية. إلا أن رؤاهم كانت تتخطى الانجازات الزمنية، وتُشير إلى الزمن الذي يظهر فيه المسيح، وإلى اليوم الذي يكون فيه الله هو باني الملكوت. وقد تنبأ الأنبياء بمعاهدة جديدة بها يضع الله شريعته في القلوب: “أجعل شريعتي في باطنهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً” (إرميا ٣١: ٣٣ وراجع حزقيال ٣٦: ٢٦).

بعد محنة الجلاء عادت بقية ضئيلة إلى أرض الميعاد. وقد أصبحت الأمة الآن طائفة دينية تتمركز حول الشريعة. وهي عودة جديدة إلى أرض الآباء والأجداد ولكن من غير استقلال سياسي. وقد رافقها تجدد روحي. وتعرّض الشعب لأزمات عديدة ظهر من خلالها قسم من إسرائيل ظلّ أميناً وقسم لم يحافظ على الأمانة. وبقي القسم الأمين ينتظر تعزية اسرائيل ويعيش في انتظار المسيح الذي يبني ملكوت الله.

وإنَّ محنة الجلاء الأليمة حولت الفقر إلى مثالية دينية. فظهرت فئة عرفت باسم “فقراء الله“. وهم أُناس وضعوا ثقتهم في الله وحده. ولم يكونوا يرجون خلاصاً من أحد سواه. وقد تجدد وتنقى رجاؤهم بعهد المسيح الآتي، فلم يكونوا ينتظرون مجد ملك سياسي وحسب، بل ملكوت الله ملكوت عدل وسلام وصلاح يُنعِم به الله على أفقر الناس.

في هذه البيئة الروحية، في بيئة “فقراء الرب“، يتأصل يوسف ومريم، اليصابات وزكريا، وحنة النبية وسمعان الشيخ. فإن هؤلاء جميعاً كانوا ينتظرون أيضاً ملكوت الله ببساطة قلبهم وبثقتهم بالله.

تتمة الوعود والعهد الجديد

٢٢. بمجيء يسوع “حان الوقت واقترب ملكوت الله” (مرقس ١: ١٥). بدأ زمن الملكوت الذي تغلب فيه يسوع على قوى الشر. وشرع يتمم مواعد العهد القديم. هو مختار الله ومسيحه الذي وعد بالأرض للودعاء. وقد وضع قبل موته سرّ الافخارستيا علامة للذبيحة التي بلغت بالمعاهدة بين الله والشعب إلى كمالها. قال يسوع: “هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُراق من أجلكم” (لوقا ٢٢: ٢٠ وراجع متى ٢٨: ٢٦). وبقيامته من بين الأموات، وبصعوده إلى السماء، وبموهبة الروح القدس، دعا المؤمنين إلى ولادة جديدة، في جماعة العهد الجديد التي هي الكنيسة وشعب الله الجديد. ليس الله مُلكاً لأحد. إلا أنه اقتنى لنفسه “شعباً لم يكن شعباً” من قبل وجعل منه “ذرية مختارة وجماعة الملك الكهنوتية وامّة مقدسة” (١ بطرس ٢: ٩– ١٠ وتعليم الكنيسة ٧٨٢).

وفي الواقع فقد أعد الله كنيسته التي جمعها بكلمته إعداداً عجيباً، في تاريخ الشعب اليهودي وفي العهد القديم. ولما تمّ الزمان أسسها وأظهرها بحلول الروح القدس، ولسوف تبلغ كمالها في المجد في نهاية الدهور.

وإلى أن تبلغ الكنيسة كمالها، سوف يبقى زؤان في حقل الآب، ولن يُحرَق هذا الزؤان إلا في آخر الزمن، عندما يعود المسيح ليدين العالم وليُعيد كل شيء إلى الله الآب. وزمن الانتظار هذا هو زمن الكنيسة وهو الزمن الذي يصبر فيه الله على خطيئة الناس (٢ بطرس ٣: ٩)، وهو الزمن الذي أُعطي لنا لنتوب إلى الله ولنعظ غيرنا بالخلاص الذي يريده الله لجميع الأمم، ولنشهد لمحبته بحياتنا، وبموتنا إذا لزم الأمر وكانت تلك مشيئته تعالى.

ثالثاً: الكتاب المقدس هو تاريخ مسيرة خلاصنا الفردية والجماعية

الخطيئة والتوبة إلى الله في حياتنا

٢٣. التاريخ المدوّن في الكتاب المقدس هو تاريخ خلاصنا نفسه. فإننا نجد في حياتنا كأفراد وكجماعات العناصر نفسها والمسيرة نفسها التي نجدها في تاريخ الشعب المختار في الكتاب المقدس. هو الوحي والتقدم التدريجي نحو الله في إطار حياتنا الشخصية حيث كل واحد منا يُعيد المراحل نفسها بين الخطيئة المكررة وبين الارتداد أو التوبة إلى الله. هي الخبرة نفسها مع الأصنام المختلفة التي نُشرِكها في إيماننا في حياتنا، أفراداً وشعوباً. وهي التجربة نفسها التي تقلص حقيقة الله على مقدار رؤانا أو رغباتنا، ثم ضرورة تطهير هذه الرؤى والرغبات بالإصغاء إلى الأنبياء وبقراءة كلام الله والتأمل العميق فيه.

إنّ تعامُل الله مع الشعب اليهودي هو المثال لتعامله مع كل واحد منا، أفراداً وشعوباً، فمن جهته تعالى هي الدعوة إلى القداسة والمغفرة المكررة، ومن جهتنا هي الخطيئة والتوبة المكررة أيضاً.

المراحل التي وصفتها التوراة هي مراحل حياتنا

٢٤. إن خلق آدم وحواء هو خلقنا. وخطيئتهما مثل خطيئتنا. والطريق التي اختطّها الله لهما هي طريقنا.

إنَّ في دعوة ابراهيم وفي اختيار الشعب العبراني كرامة خاصة، ولكن فيهما في الوقت نفسه مسؤولية خاصة. واختيار الشعب هو بمثابة بداية لاختيارنا جميعاً. فإن الله يدعونا نحن أيضاً. وقد وسّع السيد المسيح هذا الاختيار حتى شمل به جميع الشعوب، فجعل لكل إنسان ولكل شعب دعوته وكرامته ومسؤوليته الخاصة.

وسائر مراحل التاريخ التوراتي تضيء مراحل تاريخنا. فالمواعد لاسحق ويعقوب ولأبنائهم والعقبات التي اعترضت الشعب لدى خروجه من مصر، والانشقاق بين مملكتي إسرائيل ويهوذا، والإبعاد والجلاء، كل هذه المراحل هي خبرات مختلفة تلقي الضوء على مراحل حقيقية وروحية في تاريخ كل شعب وفي تاريخ كل فرد ضمن شعبه. وتساعدنا هذه الخبرات المختلفة على أن نفهم معنى تاريخنا كما أنها تمكننا من الاستجابة لدعوتنا استجابة أفضل.

إننا مدعوون إلى أن نقرأ في الكتاب المقدس تاريخنا الفردي والجماعي. وإنا مدعوون إلى أن نقرأ فيه تاريخ الآخرين أيضاً، ولا سيما عمل الله في تاريخنا وفي تاريخهم.

نقرأ الكتاب المقدس ونحن ننتسب إلى شعوبنا وحضاراتنا وإلى فترة معيّنة من تاريخنا. ونقرأه أيضاً ونحن متنبهون لعمل الله المستمر في تاريخ الناس أجمعين. يجب أن تساعدنا قراءة الكتاب المقدس، مع التنبه لعلامات الأزمنة، لكي نفهم حاضرنا ونعيش فيه إيماننا في إطار المعاهدة مع الله، وفي الأمانة له تعالى. ولذلك نختار طريق الخير ونعمل في سبيل الحصول على البركة للجميع.

رابعاً: يسوع المسيح هو المفتاح والإضاءة الجديدة لفهم الكتاب المقدس فهماً مسيحياً

يسوع يطبِّق الكتاب المقدس على شخصه ورسالته

٢٥. لما التقى يسوع تلميذي عمواس بعد قيامته من بين الأموات، أخذ يشرح لهما الكتاب المقدس، مبتدئاً “من موسى وجميع الأنبياء يفسِّر لهما في جميع الكتب ما يختص به” (لوقا ٢٤: ٢٧).

وفي مجمع الناصرة طبق يسوع تطبيقاً مباشراً وصريحاً على نفسه وعلى رسالته ما قاله النبي أشعيا، حين قال لمستمعيه: “اليوم تمتّ هذه الآيات بمسمع منكم” (لوقا ٤: ٢١).

ولما جاء تلاميذ يوحنا المعمدان يسألونه مَن أنت، عرّف بنفسه من خلال نبؤة أشعيا التي تحققت فيه. قال: “العميان يُبصرون والعرج يمشون مشياً سوياً والبرص يبرأون والصمّ يسمعون والموتى يقومون والفقراء يبشّرون” (متى ١١: ٤– ٦ وقارن مع أشعيا ٢٦: ١٩ و ٢٩: ١٨ و ٣٥: ٥ و ١٦: ١).

وفي خطابه بعد شفاء المخلع عند بركة بيت حسدا في القدس قال لسامعيه من اليهود: “تتصفحون الكتب تظنون أن لكم فيها الحياة الأبدية، فهي التي تشهد لي” (يوحنا ٥: ٣٩). وأضاف: “لو كنتم تؤمنون بموسى لآمنتم بي لأنه في شأني كُتِب” (يوحنا ٥: ٤٦).

في شخص يسوع تكتمل الكتب المقدسة

٢٦. قال يسوع في العظة على الجبل: “لا تظنوا أني جئت لأُبطل الشريعة والأنبياء. ما جئتُ لأُبطل بل لأُكمل” (متى ٥: ١٧). وهذا الإكمال وعدم الإبطال يبين من جهة تثبيت العهد القديم لأن كلمة الله واحدة كما أن الله واحد وتدل من جهة أخرى على كمال العهد الجديد، الذي يكشف فيه الله عن نفسه أباً وابناً وروح قدس” (متى ٢٨: ١٩). ولقد قدم يسوع المسيح نفسه ليس فقط بمثابة تتمة وخاتمة للعهد القديم، بل هو في الوقت نفسه تتمةّ مجدِّدة ومُبدِعة وتفوق العهد الذي سبقه.

ويسوع المسيح لا يساعدنا فقط على فهم الكتاب المقدس فهماً أفضل، بل هو نفسه كلمة الله الكاملة والشاملة لأنه “شعاع مجده وصورة جوهره والابن الذي يحفظ كل شيء بقوة كلمته” (عبر ١: ١). وهو الكلمة “الذي صارا بشراً وحلَّ بيننا” (يوحنا ١: ١٤). وهو “النور الحق الذي يُنير كل إنسان” (يوحنا ١: ٩). وهو “الأول والآخر وهو الحيّ” (رؤيا ١: ١٧ و ١٨). فكل شيء في الكتاب المقدس وفي التاريخ لا يمكن فهمه إلا من خلال شخص السيد المسيح.

بالنسبة إلى الشريعة

٢٧. يظهر يسوع من جهة عارفاً الشريعة تمام المعرفة ومُحافظاً عليها محافظة تقوية، وهو من جهة أخرى يتصرف بحرية بالنسبة إليها (متى ١٧: ٢٤– ٢٧؛ جباية الضرائب للهيكل). فقد جاء ليفسرها التفسير الحقيقي (فيما يتعلق بالسبت، وبالأطعمة المحرمة وسُنَن الطهارة والصيام الخ… مرقس ٢: ١٨– ٢٠ و ٢: ٢٨ و ٧: ١– ١٣). ويريد أن يبيّن روحانيتها وعمقها. ولهذا فقد قال أنه المشترع الجديد وأنه صاحب سلطة مساوية لسلطة الله: “سمعتم أنه قيل للأولين: … أما أنا فأقول لكم…” (متى ٥: ٢١– ٢٢). وهو نفسه “غاية الشريعة” كما يقول القديس بولس (روما ١٠: ٤).

بالنسبة إلى الأنبياء

٢٨. من جهة يظهر لنا أن يسوع هم المكمّل الحقيقي للأنبياء في رسالته وفي حياته. فهو يُنادي مثلهم بالإيمان بالله، إله ابراهيم واسحق ويعقوب (متى ٢: ٣٢)، ومثلهم يدافع عن حقوق الله والفقراء (متى ١١: ٢– ٢٤).

ومن جهة أخرى فهو يصرِّح بغير تردد أنه أكبر منهم جميعاً. وهو ليس أكبر منهم من حيث النبوة وحسب ولكنه الأول من حيث المصدر والوجود ومن حيث مصدر الإلهام النبوي. هو أعظم من يونان النبي وسليمان الملك (متى ١٢: ٤١– ٤٣ ولوقا ١١: ٣١– ٣٢). وهو أكبر من موسى (متى ١٩: ٨– ٩). وهو أول الأنبياء إذ كان قبل يوحنا المعمدان (يوحنا ١: ١٥) وقبل موسى (يوحنا ٦: ٤٦) وقبل ابراهيم (يوحنا ٨: ٥٦–٥٨). ويجب أن نلاحظ أن أوّليّته ليست فقط من حيث الزمن بل أيضاً من حيث الوجود. أوليّته لا متناهية لأنها أزلية: “ابتهج أبوكم إبراهيم راجياً أن يرى يومي ورآه ففرح… الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (يوحنا ٨: ٥٦– ٥٨).

بالنسبة إلى الكتب الحكمية

٢٩. إن يسوع يكمل أيضاً الكتب الحكمية، وتعتبر هذه الكتب، في صورة المزامير والأمثال والقصص الشعبي، عن وعي الشعب للشريعة التي تقود شعب الله وتبيّن له الطريق، ولكتب الأنبياء الذين يصححون الشعب والملوك والكهنة أيضاً إذا حادوا عن الطريق.

 

شاهد أيضاً

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018)

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018) ابدي هو الصراع بين الحكمة والجهالة، فأي حكمة ستنتصر وأي جهالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *