الرئيسية / المقالات / 9 الروحانية : إيليا النبي ” إلى أين نحن متجهون؟

9 الروحانية : إيليا النبي ” إلى أين نحن متجهون؟

 9 الروحانية : إيليا النبي ” إلى أين  نحن متجهون؟

البطريرك لويس روفائيل ساكو

إيليا وكل أنبياء العهد القديم قاوموا الانحراف الديني والخلقي والظلم الاجتماعي عند ذوي النفوذ من السياسيين والأثرياء وكبار رجال الدين. وكانوا يعملون لرفع معنويات الناس ويعطونهم الأمل وسط الشدة. والصنم “البعل” الذي يقاومه إيليا موجود اليوم أيضا وبأشكال شتى كالسلطة والمال والذات (الأنانية والكبرياء) والتي ننساق اليها بسهولة.  إيليا يدعونا الى ان نكون شجعان في الالتزام بإيماننا وروحانيتنا وأخلاقنا ووطنيتنا، وفي معارضة الخطأ مهما كانت المغريات أو التضحيات. ان إيليا يدعونا نحن رجال الدين الى ألاّ نهادن على حساب خير الناس.  علينا ان نندد بالظلم ونطالب بالإصلاح والمساواة والعدالة والحرية والكرامة كما يفعل اليوم البابا فرنسيس. انهما مصدر الهام لنا!

إيليا بالعبرية، وألياس بالعربية “معناه”يهوه (الله) إلهي“. عنوانٌ يمثل مسيرة حياة بأكملها. وقد أمضى حياته في الدفاع عن الله. شخصية النبي ايليا ترتبط عند اليهود والمسيحيين بالزمن الأخير. فاليهود يعتقدون انه سيعود في نهاية الزمان.

عاش إيليا في المملكة الشمالية ومارس خدمته في فترة حكم الملك أحآب (875- 853  ق.م) الذي يعدُّ أسوأ ملوك اليهود: “وصَنعَ أحآبُ بنُ عُرِيَ الشَّرَّ في عَينَيِ الرَّبِّ أَكثَرَ مِن كُلِّ مَن تَقَدَّمَه” (1 ملوك 16/30). إيليا لم يتزوج، بل قضى معظم وقته في البرية – الخلوة، لابساً ثوبا ً من الشعر (مسحًا) وممنطقاً بالجلد (2 مل 1 : 8).  وقد قارن العهد الجديد يوحنا المعمدان به (متى 11/15).

برزت شخصية إيليا من خلال مواجهته الملك أحآب الذي كان قد تزوج امرأة وثنية تدعى ايزابل ساقته وشعبه إلى عبادة الصنم “البعل”. فانبرى إيليا بقوة إيمانه لردّ شعبه إلى عبادة الإله الحق، لكن أحاب عوَض ان يصغي اليه، راح يبحث عن قتله.  

وما كان امام إيليا من حلٍ سوى ان يُنذر بنكبة عظيمة لمملكته، بجفاف شامل وطويل الأمد. وهذا ما حصل بالفعل، فانقطع المطر في فلسطين مدة ثلاث سنوات. ولإنقاذ حياته من الخطر مضى إلى شرقي الأردن، واعتزل هناك منتظرا إشارة من الرب ليعود. وفي خلوته كانت الغربان تطعمه. بعده ذهب إلى قرية صرفت وبقي في بيت أرملة وعدها بان بيتها لن يفرغ من الدقيق والزيت طوال مدة الجفاف. ولما مات ابنها أعاد اليه الحياة بمعجزة (1 مل ص 17).

وفي السنة الثالثة من الجفاف قابل إيليا آحاب الملك مرة أخرى بشجاعة وتحداه عندما قال له الملك:” أَأنت إِيليَّا مُعَكِّرُ صَفْوِ إِسْرائيل؟ فقالَ لَه: لم أُعَكِّرْ صَفْوَ إِسْرائيلَ أَنا، بل أنت وبَيتُ أبيكَ بتَركِكُم وَصايا الرَّبِّ وسَيرِكم وَراءَ البَعْل” (1 ملوك 18/ 17-18)، وطلب النبي من الملك أن يجمع الشعب إلى جبل الكرمل وأن يحضر معه كهنة البعل ليرى أيهما الاله الحق: الرب أم البعل. فاتوا بذبيحة – محرقة. صلّى عليها كهنة البعل أولا، ولكن لم يكن من مجيب لصلاتهم. وصلى إيليا بعدهم فاستجاب الرب له ونزلت نار من السماء والتهمت المحرقة. فاقّر الشعب بأن الرب هو الله الحق. وعلى أثره قُتل كهنة البعل، وأعلن إيليا هطول المطر (1 ملوك 18/20-36).

أَخبَرَ أحآبُ إِيزابَلَ بِكُلِّ ما صَنعَه إِيلِيَّا. فتوعدت  الملكة  بقتل رجل الله هذا.  فهرب  إيليا إلى بئر سبع متألما  وطلب إلى الله أن يأخذ حياته، ولكن الله أرسل إليه ملاكًا ليشجعه وليعطيه طعامًا وماء. ثم سافر إلى جبل حوريب الذي يدعى أيضًا جبل سيناء حيث ظهر الله لموسى. وقد اختبر إيليا ظهور الله بشكل استثنائي من خلال عاصفة شديدة وهزة أرضية ونار حارقة، تلاها صمت. الله لم يكن فيها، انما فهمها النبي كعلامات حضوره، وفي هذا الصمت فهم إيليا ان قدرة الله تضعه من جديد على درب الخلاص حينما بعثته ليمسح ياهو ملكًا على إسرائيل ويزيل شر الملك آحاب وليمسح أليشاع نبيًا ليخلفه (1 ملوك 19فصل ). وفي نهاية أيامه ذهب إلى الأردن مع أليشاع وضرب إيليا الأردن بردائه فانشق النهر كما فعل موسى بالبحر الأحمر (الخروج 14/16). وسار النبيان على اليابسة ثم جاءت مركبة وفرسان نارية وحملت إيليا إلى السماء وترك رداءه لأليشاع (1 ملوك 19- 19).

 العبرة: حياتنا عبور متواصل من والى .. وحتى  نغدو افضل وأكثر قدرة على الحضور والمشاركة والتغيير الإيجابي، ينبغي ان يكون حبنا لله وللناس والطبيعة منظورا، أي مجسدا في الواقع، وهذا لن  يتحقق الا من خلال ثقافة منفتحة، وفكر نيِّر وروحيّة خلاقّة وعمل دؤوب. لان مقياس خلاصنا ليس بالانتماء الديني الشكلي. بل “بالإيمان العامل بالمحبة” (غلاطية 5 / 6) .

شاهد أيضاً

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018)

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018) ابدي هو الصراع بين الحكمة والجهالة، فأي حكمة ستنتصر وأي جهالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *