الرئيسية / المقالات / “إنَّ المدعويّن كثيرون أمّا المُختارون فقليلون” متى 14:22

“إنَّ المدعويّن كثيرون أمّا المُختارون فقليلون” متى 14:22

"إنَّ المدعويّن كثيرون أمّا المُختارون فقليلون" متى 14:22  

محاضرة سيادة المطران ميشيل أوبيتي التي القاها في كاتدرائية نوتردام في با ريس..
"Beaucoup sont appelés mais peu sont élus "par Mgr Michel Aupetit

عربَها عن الفرنسية الشماس يعقوب اسحاق متي

كلُ انسان مدعو ليأخذ مكانَه في تصميم الله. إن المسيح يسوع ابن الله أتى الى العالم كي يُظهر تدبير  الآب للناس. ونعرف أن كلامه إجتذب سامعيه، مثلما قيل عنه :"ما نطقَ إنسانٌ قط بمثلِ ما ينطقُ هذا الرجل" يو46:7. ويستمر اليوم بتغيّر القلوب. ونعرف كذلك أن بعض العبارات التي نطقها يصعب علينا سماعها وتحيّرنا"  إنَّ المدعويّن كثيرون أمّا المُختارون فقليلون" مت 14:22 .
هذه الآية المحيّرة التي نطقها يسوع في هيكل اورشليم كما يقول لنا الإنجيل امام الكهنة والفريسيين وبحضور الجمع الذي يحيط به ويسمعه باشتياق، تطرح أسئلة عديدة. فما الفرق إذاً بين الدعوة والاختيار الذي يشمل بالضبط هتين العبارتين اللتين تدعوان لأجل ماذا ؟ وعلى اي مقياس يتم الأنتقاء الأختياري؟ فإذا كان الأختيار يتطابق مع الخلاص فيما يتبين من المعنى الأول، لذا يصبح هذا الأمر ميئوساً منه. نستطيع ان نقول مثل تلاميذ يسوع:" فمن يستطيع إذن ان يخلص"؟ مت25:19. (أو نترك ذاتنا  تترنح منذ زمن بهذه الاغنية الشعبية ألمحرِّضة قليلاً لميشيل بولناريف التي تقول: سنذهب كلنا الى الجنة حتى أنا الذي اؤمن بالله أو لا، سنذهب). أم هل يجب ان نخاف مجدداً من الحكم الالهي بعدم الشفقة؟. قبل ان نتقدم اكثر الى الأمام في بحثنا هذا، يجب علينا ان نضع في محله نص هذه الآية،وهي تتبع لمثلٍ قاله يسوع في إنجيل متي. وقد ورد هذا ألمثل ايضاً في إنجيل لوقا(لو16:14-24).
 إن المسيح يُشبّه ملكوت السماوات بوليمة عرس أقامها ملكٌ على شرف إبنه. ارسل غلمانَه يستدعون المدعوّين ولكن كل واحدٍ منهم وجد عُذراً بالرفض وعدم المجيء. لذلك يرسل الملك غُلمانَه (الملك هو الله الآب بكل وضوح) الى مفارق الطرق يدعون كل من وجدوا أشراراً وصالحين ليُعوّض عن الذين رفضوا الدعوة. وفي النص الخاص بإنجيل متي  يضيف ، فيدخل الملك لينظر المتكئين فابصر هناك انساناً ليس عليه حُلة العرس، فيطرحونه خارجاً. لذلك نطقت هذه الآية التي تشغلنا. "إنَّ المدعوّين كثيرون أمّا المُختارون فقليلون" مت 14:22.
القسم الأول من هذا المثل مشترك بين إنجيل متي وإنجيل لوقا وموجه الى الذين ينتظرون المسيح دينياً، ولكن لا يريدون معرفته في شخص يسوع الناصري. والقسم الثاني الذي هو للبشير متي ، يُدركه عموماً أغلب المفسرين، له هدف اخر وهي الدينونة  الأخيرة. ولكن قبل كل شيء لكي نتجنب كل هفوة في التفسير علينا ان نحدد بأن في فلسطين ايام المسيح، كانت حُلة  العرس يُجهزها صاحب الوليمة عند المدخَل. وفي هذه الحالة الشخص الذي لا يرتدي حُلة العرس ليس لكونه في عَوَز، ولكن لكونه قد رفض منذ  اختياره. سنعود الى هذا الموضوع فيما بعد. نحاول الآن أن نبحث عمّا يحتوي من معنى خاص لكل من الدعوة والأختيار تباعاً، كي نفهم كل ما تدل شمولية الدعوة والقلة  للاخر.
أولا ً الدعوة: يجب ان يكون هناك مصدر حتى نسمع نداءً . يبين لنا الكتاب المقدس منذ البدء، الله يتكلم. وكلامه ليس محصوراً مثلما لدى الانسان حيث يحدث اصدار ذبذبات صوتية التي تنشر رنة، لا، بل كلامه هو تعبير كامل لكائنه الذي هو فيه والذي ينبثق منه ليجد تناسباً مع طبقاتنا البشرية ، فهو معاً فكره ورسالته وفعله. وكلامه حقيقة مطلقة ، الله يقول: فليكن نورٌ فكان نورٌ. وهكذا خلق كل شيء حتى الانسان . ان يسوع نفسه هو كلام الله، يقول للأعمى  : أبصِرْ؛ ففي  الحال أبصَرَ.  لو 42:18 . وهذا الكلام يدعوه يوحنا الإنجيلي (logos) حسب الترجمة الكلاسيكية انه "الكلمة". وهذا "الكلمة" يقول لنا الكتاب المقدس هو منذ الأزل كائن في الله. اذا اخذنا مقدمة انجيل يوحنا، نقتبس منه: "في البدءِ كانَ الكلمةُ والكلمةُ كانَ عندَ اللهِ وكانَ الكلمةُ الله". هكذا بالكلمة يعبّر الله عن وجوده وارادته وتصرفه. ويستمر في نفس إنجيل يوحنا "كلٌ به كوّن (الكلمة) وبغيرِه لم يكنْ". آخيراً هذا الكلام يقول لنا الإنجيل هو التعبير الكامل والتام لله.  نرى ايضاً في إنجيل يوحنا أبعد بقليل  "الله لم يرَه أحدٌ قطُّ. الابنُ الوحيد الذي في حضنِ الآبِ هو أخبرَ".يو18:1.

إن الله صعب ادراكه باختباربشري لكونه لا يتعلق بالعالم المادي وبالفضاء وبالزمن بحيث تظهر فيه معرفتنا وطاقاتنا التجريبية .ولهذا كلمة الله  أخذ جسداً. فيصبح لنا التعبير عن الله مفهوماً بالخبرة. مثلما يقول لنا  يوحنا الإنجيلي في مقدمة رسالته الأولى، ’’ألذي كانَ من البدءِ ألذي سمعناهُ ألذي رأيناهُ بعيونِنا ألذي تأملناهُ ولَمستْهُ ايدينا مِنْ جهةِ كلمةِ الحياة". وبطريقة اخرى جوهرية يؤكد ايضاً بولس الرسول في رسالته الى الكولسيين ’’ الذي هو صورة ُاللهِ الغيرِ المنظور’’ كو15:1 .فهو ليس كصورتنا ولا  صورة اخرى ، فهو صورة الله الجوهرية الكاملة .. والصفة الثانية ،انها عندما يتكلم الله مع البشر ، فهو يدعو، لذلك قبل ان يظهر ’’الكلمة’’مباشرة للناس لدى حضوره في العالم. الله قد تكلم  بواسطة المرسلين من الملائكة والأنبياء الذين تكلموا بأسمه او حاولوا أن يسمعوا مباشرة صوته بطريقة خاصة.وفي هذه الحالة يكون كلامه نداءً. هكذا احاول سرد جُمل من الكتاب المقدس بهذا الخصوص . يقول الله لإبراهيم’’ إبراهيم، إبراهيم! ’’ تك11:22. ثم نادى موسى في وسط العُليقة ’’موسى، موسى! ’’خر4:3. وكذلك يدعو صموئيل، ’’صموئيل، صموئيل!’’ صم10:3. وكان كلام الرب لإيليا قائلاً،’’ انطلق من هنا واتجه نحو المشرق!’’ 1مل3:17 .ويكتب اشعيا النبي ،، ثم سمعت صوت السيد قائلاً: من أرسل ومن يذهب لأجلنا ،، 1ش 8:6 . والنبي ارميا من جهته يرد ’’وصارت اليّ كلمة الرب’’  أر 1:2. وحزقيال له نفس الخبرة حيث يقول: سمعت صوت واحد، تكلم وقال لي ’’يا ابن ادم قُم على قدميك فأتكلم معك’’.حز 1:2. يسوع نفسه قد ضاعف الدعوات من الرسل الاوائل بطر س واندراوس ويعقوب ويوحنا ثم بقية الر سل الاثني عشر. دعاهم وجعلهم تلاميذه. ثم يدعو ايضاً أُناساً لا يُجاوبون أو لا يريدون ان يجيبونه. الشاب الغني مثلا ً. كذلك يدعو كثيرين إلى أشفية متعددة في طريقه الى اورشليم .شيء اخر اقوله إن النداء هو شخصي، كل واحد مدعو باسمه مثلما ذكرتُ سابقاً لانه يخص الدخول في علاقة شخصية، علاقة بين شخصين . الله واحدٌ ويُخاطبُ واحداً. نعرف ايضاً ان الله يستطيع أن يعطي اسماً من جديد لكي يميّز بدقة الرسالة التي توحي هذه الدعوة هذا النداء.
 النموذج الأساسي المعروف هو تبديل أبرام ألذي يصبح أبراهام، يعني اباً لشعب عظيم. وكذلك شمعون ابن يونا الذي دعاه يسوع  ,,بطر س,, يعني الصخرة التي عليها سيبني كنيسته. هناك ملحوظة مفيدة  بخصوص موضوعنا بان الله يدعو شخصاً باسمه ولكن لا يدعو احداً بسبب مهنته حتى اذا كانت مقدسة.وهكذا في العهد القديم، لم يُدع َالملوك والكهنة اللاويون، كان الله قد خصصهم على القيام بأداء خدمة مثل هارون وداود. أضف أن خلفاءهم يملأون خدمة ولكن ليست مهمّة جديدة.. النداء هوشخصي، شيء جديد وليس إملاء خدمة.. فالنداء بكل وضوح يتطلب اجابة، فما هو الجواب؟ إن الله ينتظر جواباً وموافقة مستفيقة في الإيمان والثقة والطاعة. يُعبّر بعض المرات بطريقة فورية وسخية غالباً بـ هاأناذا. كما هو مع ابراهيم  وصموئيل  وإشعيا . ومن جهة اُخرى يحدث بطرق أكثر مستعصية كما يظهراستجواب بشري امام إتساع غيرمحدود وصعوبة المهمة التي وكلّها الله مثلاً بعد ان اجاب موسى ,,ها أنا ذا,, بعدما نادى الله اسمه,يدخل ضمن محادثة ارتياب مع الله لأجل الفائدة من مهمته. ونجده ايضاً مع النبي ارميا  الذي حاول ان يختفي. لأن النداء الشخصي موجه الى الضمير الذي هو أعمق من كل شىء لدى الفر د الذي يفهم بأن هذا يقلب وجوده.. وفي العهد الجديد، انها حالة العذراء مر يم التي تطرح سؤالاً لملا ك جبرائيل.غير ان هذا السؤال ليس شكاً ولا يُعبّر عن شيء فيه ريبة،إنّما عن قبول مباشر ومطلق لإرادة الله "ها أنا آمةُ الربِ فليكنْ لي بحسبِ قولِك" لو38:1.إن المسيح ايضاً دعا لإتباعه عندما تحمل الآلآم والموت على الصليب حيث أنكرذاته فالغاية تكمن بان من خسر نفسه يُخلّصها .خسارة النفس تعني هنا بعدم الاحتفاظ بها لنفسه. إنه عمق مفتاح الحب، عندما يتطابق هذا الحب مع الله .يقول يسوع " ليس لأحدٍ حبٌ اعظمُ من هذا ان  يبذلَ نفسَهُ عن أحبائِه".يو13:15 ..  ولماذا الله يدعو؟

 إن الله يدعو دائماً لأجل رسالة للخلاص.. ان دعوة الله الشخصية، يرفقها دائماً  ارسال. يقول الله لأبراهيم: "إذهب من ارضِكَ ومن عشيرتِكَ ومن بيت ابيكَ الى الارض التي اُريكَ". تك12،1. ويقول لموسى:"فالان هلمّ فارسلك الى فرعون" .خر10:3. ويظهر الرب لإيليا: "إذهب راجعاً  في طريقكَ الى  برية دمشق".1مل15:19. ويكون كذلك مع الانبياء اشعيا وحزقيال وارميا وعموص،  دعاهم الله لأجل عمل الخلاص،خلاص الله. هكذا في كل مرة يدخل يسوع منزلاً يكون لأجل خلاص كل من هلك. فعندما يدخل بيت متي وزكا العشار ين لأجل ان يجدا فرح الخلاص. وحينما يذهب الى بيت سمعان بطرس لأجل شفاء حماته. وحينما يصل عند يائير رئيس المجمع  بغية احياء  ابنته   الصغيرة. وعندما يتجه نحو قائد المئة كي يشفي غلامه الذي اشرف على الموت.. هكذا تظهر لنا ارادة الله على البشرية مثلما يذكرنا بولس الرسول في رسالته الى تيطس: "إن الله يريد ان يخلص كل البشر". إن المسيح في انجيل متي يقول لنا: "إنه جاء ليُعطي نفسَه فداءً عن كثيرين". وحينما اسّس سر القربان المقدس اثناء العشاء الأخير.أخذ الكأس وقال: "اشربوا من هذا كلكُم لأنَّ هذا هو دمي للعهدِ الجديد الذي يُهراقُ عن كثيرين لمغفرةِ الخطايا".مت28:26. وهكذا يكمّل ما أعلنه النبي اشعيا "وعبدي البار  بمعر فتهِ يبرر كثيرين" اش11:53.

إن الخلاص هو عام ، الجميع مدعوون.وكل واحد مدعو شخصياً الى الخلاص. ويجب عليه أن يجيب شخصياً، مثلما يؤكد القديس أوغسطينس فيقول:" إن الله الذي خلقك من دونك لا يريد ان يخلصك من دونك". الجواب اذاً ليس الرضى بالعقل او قبوله فقط، وانما يتطلب تغيّر الحياة مطابقاً لهذا النداء لهذه الدعوة، ومهما كانت هذه الدعوة.. لنسمع ماذا يقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني في رسالته حول العائلة المسيحية في عالمنا المعاصر(Familiaris Consortio) بخصوص هذه الدعوة."إن الله خلق الانسا ن على صورته ومثاله ودعاه الى  الوجود بفضل حبه وناداه في نفس الوقت على الحب،وهذا الحب أفاضه من عنده ، فمَن الذي اكتشفه وقبله لا يستطيع الاحتفاظ  به  لنفسه ، يشعر بضرورة مُلحة لكي يُعرّفَه وينشرَه ".كما يقول بولس الرسول :" الويلُ  لي ان لم ابشرْ بالإنجيل".  الدعوة، النداء  دخل في شركة  حب  ثلا ثي يتضمن رسالة. .. هوذا قد رأينا ما هي الدعوة .والآن نفكر بمعنى الاختيار في الكتاب المقدس والطر يقة المقدمة لهذا الاختيار.


ثانياً الإختيار:- هو اظهار انتقاء خاص من الله. يقصد دائماً بتفضيل طاهر ونقي بمبادرة حازمة حرة وبدون مقابل.عكس الإنتقاء البشري حيث تعود الاسباب على الكفاءات والغاية التي يُراد الوصول اليها. الإنتقاء الا لهي غير مُدرك ومستقل تماماً عن الاستحقاقات الشخصية للحاصل عليها. فمن هم المختارون؟ إن الله يظهرهم  مبكراً، الافضلية في الكتاب المقدس. هابيل خير من قايين، واسحاق أفضل من إسماعيل، ويعقوب أولى من عيسو، ويهوذا اجدر من روبين. نستطيع أن نقول انه يقلب نظام  الانجاب الاول او كما يقال حقوق البكر. هذا الإختيار يمكن ان يظهر لنا ظالماً بحسب طبقاتنا المستندة على الاستحقاق او على اتفاق اجتماعي او ثقافي. ولكن الله يؤكد هكذا حريته المطلقة. إن الله لا يتعلق بالبشر إنمّا البشرهم الذين يتعلقون بالله مع الإحتفاظ بحريتهم برفض هذا الارتباط الذي يحييّهم، كما يمكن ان يظهر لنا غير عادل. ولكن الله لم  ينبذهم  ولم  يهملهم  لأنه لا يتخلى عن كل الذين لم يخترهم، بل يستمر يحميهم ،هنالك امثلة كثيرة. لنأخذ مثلا ً ،إسماعيل بحيث ينقذ الله حياته ويجعل منه أُمة  كبيرة  كما  وعده  بذلك.

وبما أنه نتكلم عن الإختيا ر، أريد أن أتكلم عن امور خاصة في الكتاب المقدس، ليس الإختيار فقط لشخص خاص وحسب ولكن هناك في الكتاب المقدس مسألة شعب مختار. اسرائيل هو شعب مختار بحسب العهد الذي قطعه الله مع ابراهيم. إنها مبادرة حب الله المجاني.. يقول سفر التثنية : "ليس من كونِكم أكثرَ مِنْ سائرِ الشعوب، التصقَ الربُ بكم واختارَكم، لأنكم أقلّ من سائرِ الشعوب. بل من محبة الرب إياكم، وحفظِه القسمَ الذي أقسمَ لآبائِكم."تث7:7. ويكون هذا الإختيار بدون ندم حتى  بعد تر كه الشعب. وأشار مار بولس الذي توقف على هذه المسألة لأن قسم من اليهود تبعوا يسوع وقسم اخر لم يتبعه لذا تحدث بهذا الخصوص في ر سالته الى رومية يقول: "واما هم ،فإن لم يستمروا على عدم الإيمان فإنهم سيُطعمّون ايضاً، لأن الله قادرٌ أن يعود فيطعمهم. فإن  كنتَ (أيها الوثني) قد قُطِعتَ من الزيتونة البرية التي انت فيها بالطبع، وطعمت على خلاف الطبع، في زيتونة صر يحة. فكم بالاحرى هؤلاء الذين هم فروع طبيعته (اليهود) ويطعمون في زيتونتهم الخاصة". رو23:11-24. فما هي الغاية من الإختيار؟ إن انتقاء الله ليس مخصصاً لمختار واحد، حيث من خلاله بركة الرب تنتشر على الجميع، يقول لإبراهيم:" ستتبارك بك جميع شعوب الأرض".

وهكذا منذ ابراهيم ابتدأ الشعب المختار منبع البركات.:"من نسلك تتبارك شعوب الارض". وهذا الشعب المختار يدخل ضمن عهد مع الله.وبأمانته يجب عليه ان يطلع ويشع معرفة ورأفة سيده، مثلما يقول سفر الخروج"سأجعلكم مملكة من كهنة وشعب مكرس". إن النبي إشعيا يحدد ان هذه البركة تمتد الى جميع الشعوب ابتداءً من شعب اسرائيل: "قومي استنيري لأنه قد جاء نورُكِ، ومجد الرب أشرق عليكِ.لأنه ها هي الظلمةُ تُغطي الارض والظلام الدّامس الأُمم. اما عليكِ فيُشرق الرب، ومجدُه عليكِ يُرى. فتسيرُ الاُممُ في نوركِ، والملوكُ في ضياءِ إشراقِكِ . اش1:60-3 .. ولكن لا يكفي ان يكون الشخص مختار اً، فمن الممكن ان يرفض الإختيار. هذا الإختيار المجاني من الله يتطلب فعل انتقاء سواءً كان المختار شخصاً أو شعباً كما مكتوب في سفر التثنية: "وانظر قد جعلتُ اليوم قدامكَ الحياة والخير، والموت والشر، بما اني اوصيتكَ اليوم أن تُحبَّ الرب الهك وتسلك في طُرُقِه.

وتحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه لكي تحيا وتنمو، ويبارككَ الرب الهُك. فإن انصرف قلبُكَ ولم تسمعْ، فاني انبئكم اليوم انكم لا محالة تهلكون". تث 15:30-18.ويستمر" قد جعلتُ قدامكَ الحياة والموت، البركة واللعنة  فاختر الحياة. تث 19:30. لذلك اذا كان المختار خصوصاً الشعب المختار قد رفض ايضاً وصية محبة الله، ان الله لم يرفض مختاره. فالنبي هوشع سرد جلياً، وعبر عن رفض اسرائيل، وصفح الله عنهم.يبدأ الله يشكو أمانة اسرائيل يقول:"حاكموا أمكم حاكموا، لأنها ليست امرأتي وأنا لست رجلها".هو1:2 .ولكن مع ذلك يأخذها:" واخطبكِ لنفسي الى الأبد وأخطبكِ لنفسي بالعدل والحق والاحسان والمراحم ،اخطبكِ لنفسي بالامانة فتعرفين الرب ". هو 19:2-20.

واشعيا النبي بعدما اثبت امانة الله، يعلن بتجديد العهد. ويختار اسرائيل من جديد.ويبين بأن البركة ستُكّمِل الخلاص بواسطة عبده الذي يختاره الله. لذا سنصل  بالضبط الى هذا العبد، فهذه العبارة تعلن من هو هذا المختار."هوذا عبدي مختاريّ" ومن هو؟ حسناً انه قد أثبت بوضوح انه شعب إسرائيل الذي هو عبد إسرائيل ."أنتَ يا يعقوب عبدي وإسرائيل الذي اخترته ".اش 1:44. لذلك كل المراحل المختلفة التي تخص عبد الرب ستتحول تدريجياً من اجمالي عبديّ إسرائيل الى خصوصية عبد وحيد يخرح من إسرائيل الذي يكمّل المهمة الموكلة للشعب المختار.أولاً،  إن الله يقول:" أنتَ عبدي إسرائيل الذي به أتمجد". إش3:49 . ثم بعدئذٍ يقول:"هو الذي جبلني من البطن عبداً له لإرجاع يعقوب اليه، فينظم اليه إسرائيل". إش5:49 .فإذا كانت غايته ان يجلب يعقوب وان يجمع إسرائيل ،إذن ليس إسرائيل بعد ولا يعقوب ولا جميع الشعب. فالله سيُسلم الى هذا العبد السري رسالة عامة وشاملة ،  كما يقول:" قليلٌ أن تكون لي عبداً لإيقامة اسباط يعقوب وردّ محفوظي إسرائيل. فقد جعلتكَ نوراً للأُمم لتكون خلاصي الى اقصى الارض". إش6:49 . وهكذا نعلم واضحاً بأن يسوع المسيح  هومختار الله.


في اليوم الذي تجلى يسوع على الجبل أمام بطرس ويعقوب ويوحنا . سُمع صوت الآب يقول:"هذا هو ابني، مختاري؛ فاسمعوا لهُ "لو35:9 .كذلك اشاريوحنا المعمذان ليسوع "فذلك ما قد عاينتُ واشهد أن هذا هو ابن الله" يو34:1 . والأنبياء قد انبأوا :" وها أيامٌ تأتي يقول الرب. وأُقيم لداود غصن برّ فيملك ملكٌ وينجح، ويجري حقاً وعدلاً في الأرض ".أر6:23 .وكذلك أنبأوا بان نبت يخرج من اصل يسي ويكمل دعوة اسرائيل في إختياره. فهو المولود من مريم بنت إسرائيل من نسل داود ويوسف الذي سُلمت اليه أًبوّة الله الآب الذي اوحى  بأن يسوع هو ابنه أثناء عماده "وإذا صوتٌ من السماء يقول : هذا ابني الحبيب الذي به سررتُ ".مت17:3.

وتشهد ولا دته في حضن شعب إسرائيل أمانة الله. وقد تحققت به كل البركات الموعودة . يقول بولس الرسول في رسالته الى  افسس ."تبارك الله، أبو ربنا يسوع المسيح ،الذي غمر نا ، من علياءِ سمائهِ بكل بركةٍ روحية في المسيح ، إذ فيهِ قد اختارنا عن محبةٍ من قبل انشاءِ العالم لنكونَ قديسين ، وبغير عيب أمامَه".أفس3:1-4 … إن المختار إذاً هو المسيح ،الكلمة الذي يُكمِّل إرادة الله بأخذه جسداً من جسدنا لتحقيق حب الله، كمال الحب الالهي لدى  البشرية بحيث أتخذ الحياة  والموت معاً .وهو يعيّن مختارين.وهكذا خصص الكنيسة وشعب المختارين في يسوع المسيح.. يسوع كلمة الله الذي أتمّ في شخصه الإختيارالالهي، ينبوع البركة  والخلاص لكل البشر.

وأظهرهذا الإختياربنفسه في إنتقاء مختارين ويحمل في الازمنة وعبر التاريخ كل النعم التي يهبها الله ،ومرة أخرى تظهر السيادة المطلقة لله  ومجانية  الإنتقاء،يقول" لستم انتم قد اخترتموني بل انا اخترتكم واقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمرٍ ويثبت ثمركم". يو16:15 .وفي إنجيل مرقس يقول:" ثم صعد الى الجبل ودعا اليه الذين ارادهم. فأقبلوا اليه واقام منهم اثني عشر ليكونوا معه.ويرسلهم للكرازة" مر13:3-14… وعندما يعود يسوع عند أبيه ، نجد هذا الإختيار الالهي ،يقيم في الكنيسة ،ولكن هذه المرة  تحت بركة الروح القدس . ولنا مثل في أعمال الرسل حينما عوّضوا عن يهوذا الخائن الذي شنق نفسه.ولكي يستمر النظام على الآثني عشرتلميذاً مثلما أراده المسيح.أخذوا يُعيّنون واحاداً وليس بإلقاء القرعة او بالصدفة فقط ،إنما صلّوا اولاً وبإلهام الروح القدس ،إنه الله الذي يقرر. فاختيرمتيّا "وأحصي مع الرسل الاحد عشر." أع 15:1-26.

فهذا الإختيار الا لهي يتبع التر تيب الحرّ لله حسبما تذكرنا رسالة بولس الى أهل كورنثية:" فانظروا ايها الاخوة ، الى المدعوين فيكم،وانما اختار الله ما هو جاهل في العالم ليُخزي الحكماء ،واختار الله ما هو ضعيف في العالم ليُخزي ما هو قوي"1كور 27. هؤلاء الذين أصبحوا بالعماذ ابناء الله بالتبني في الابن الوحيد ،وقد أصبحوا بدون اي إستحقاق من جهتهم ،لأنهم عرفوا فقط أن يستقبلوا النعمة. ومن الآن فصاعداً مثلما يقول بطرس الرسول في  رسالته الأولى :" أما انتم فجيلٌ مختار ، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة ، وشعبٌ مقتنى  لتُشيدوا بحمدِ الذي دعاكم من الظلمة الى نوره العجيب ". 1بطر9:2.

هوذا قد حاولنا أن نفهم في الكتاب المقدس كيف يكون التمييز بين الدعوة والإختيار لنأخذ الجملة الاخرى:" المدعوين كثيرون والمُختارين قليلون". نستطيع أن نفهم الفروقات التي حاولنا إيجادها  بين الدعوة والإختيار . فالدعوة إذاً هو نداء، طلب الله لكل البشر أن يجدوا الخلاص. يقصد الدخول معه في الحياة الأبدية. أما الإختيار فهو إنتقاء الله الحرّ لشخص أو شعب ،لأجل حمل هذا الخلاص الى اقصى ألمعمورة.

نكتشف بأن الله يريد كل البشر أن يخلصوا كما يقول لنا بولس الرسول . والجميع مدعوون الى وليمة عرس الأبن كما يبيّن لنا مثل يسوع. ولكن كلهم لا يقبلون ويرفضون الدعوة . وكثيرون يعبرون بجانب الله ويعطون الأولوية لأمورٍ اخرى جانبية. والبعض يوافقون على الدعوة ولكن لا  يوافقون على الطرق المطروحة للدخول في شركة هذا الحب الذي تقيمه الدعوة، كما في الصورة التي تُشغلنا ثوب العرس الذي رفضه الشخص، فطرحه الملك خارجاً (وقد يرمز ثوب العرس أيضاً على ثوب العماذ  ألأبيض الذي به يدخل الفرد ضمن البنوّة الألهية والحياة الأبدية) ويمكن أن يدل الرفض في استخدام حريته .. رأينا السيرعلى خطى يسوع يعني الإقتداء بحياته وتطبيق تعاليمه" إن كنتم تحبونني، تحفظون وصاياى" يو15:14. الأنتماء الى المسيح  (ان يكون الشخص مسيحياً) يتطلب الأهتداء وتغيّر طريقة العيش بعمل حازم وحرّ. فلا يكفي  العماذ فقط .بالفعل المعمّذ الذي لا يعيش بنعمة الله من خلا ل الأسرار التي أعطاها المسيح لكنيسته ،مواهب الروح القدس . يُشبه برجل ربح بطاقة مليونية وبسبب تهاونه،أهمل موعد استلام ألجائزة، فمن الممكن ان يعبر الأنسان بجانب الثروة التي يستلمها غداً.كذلك يجتاز الشخص بجانب الله ويحيد عن الحياة الأبدية بحيث يكفي استقبالها وتقبلها.

وأخيراً اذا قبلنا النداء للدعوة الالهية نكون قد عملنا شيئاً لأجل الأختيار.أعني إنتقاء الله الحرّ لحمل الخلاص الى العالم، كما نستطيع أن نعارض هذا الشرح .الجميع مدعوون الى المعموذية التي تجعلنا أبناء الله في الأبن الوحيد والدخول الى الحياة الأبدية مع شركة الحب الالهي للآب والأبن والروح القدس كل الذين يقبلون تماماً هذه النعمة،هم مختارون  لحمل رسالة الخلا ص الى  العالم. بطريقة ضبطهم للنفس، يقصد بذلك العيش بالقداسة والإستقامة كما يتطابق مع الحب الالهي.."أحبوا بعضكم بعضاً كما احببتكم" .وكذلك الإعلان بوضوح لحمل البشرى السارة الى العالم.

أحب أن اشير الى الإختيار الخاص للتلاميذ الاثني عشر الذين قبلوا بعمق نداء الله ، ومثلهم كذلك بعضٌ اخر يختارهم الله لحمل رسالة السيد المسيح بطريقة خاصة، من الكهنة والرهبان والراهبات والمكرّسين. يعيش الفرد صميمياً ضمن هذا الإختيار وبأخلاص مع المسيح،ودائماً بدون انتظار ومجاناً ، حاملاً معه البشرى السارة .لنأخذ مثلاً نداء الكهنوت لخدمة الأسرار . فالدعوة الكهنوتية هي إختيار حرّ من الله كي يهب نعمه للجميع، وفي كل وقت للعالم أجمع. لأن المسيح من خلال الكاهن هو الذي يعمّذ. المسيح هو الذي يقدّس الخبز والخمر فيصبحان جسده ودمه. والمسيح هو الذي يهب الروح القدس في سرّ التثبيت وان المسيح هو الذي يغفر الخطايا في سرّ المصالحة والتوبة.والمسيح هو الذي يسيم بواسطة وضع يد الاسقف. والمسيح هو الذي يريح المرضى بالمسحة المقدسة للمرضى..فالذي استجاب لهذا الإختيار الخصوصي والفريد، يرتضي ان يهب حياته تقدمة لله جسده وروحه كي يفيض الرب مواهبه الغزيرة عليه وبواسطته.

في النهاية نحاول دائماً ان نستوعب فكرتنا ، سأخذ شخصية من الكتاب المقدس، لنفهم هذه المحادثة  "للدعوة والإختيار".. يتراءى لنا مفيداً ان ندرس هذا الوجه البيبلي الخاص فنستوعب بالضبط الطرق التي يتخذها الإنسان، رجلاً كان أو امرأة .( أعتذر إذا اخذت الرجل نموذجاً، لأن الاوجه الكبيرة للنسوة في الكتاب المقدس لهن بساطتهن وعلاقتهن الحميمية مع الله).
لنأخذ وجه موسى كنموذج، ونتبع خطوة  فخطوة . – لقاء موسى مع الله – نداء الله له – اختياره – وطريقة تصرفه .( إذا اردتم متابعته تستطيعون ان تجدوا كل الوقائع في سفرالخروج، الفصل الثالث والرابع).

فبل كل شيء الله يجذب ألنظرإليه. في أول وهلة، كان موسى منجذباً الى العُليقة التي تتوقد بالنار ولم تكن تحترق. فيقول:" أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم". ففي كل دعوة  اولاً يحدث شوق أو بالاحرى انجذاب مثلما يقول النبي ارميا:" قد اقنعتني يا رب فاقتنعتُ والمحتَ عليّ فغلبتَ"ار7:20 . وبعد هذا يدخل الله معه في علاقة شخصية (رأيناها كما سبق). الله يدعو "موسى،موسى!" يثبت لنا بأنه ليست العُليقة المشتعلة التي جذبته ولكن من خلالها ، قابلية سماعه واصغائه لصوت الله. فيُجاوب حالاً "هاأناذا" فالعُليقة الآن لا أهمية لها بعدُ بقدرما أخذ اهتمامه كلياً لنداء الله .فأظهر تأهبه ورغبته ليخطو خطوة الى الأمام للقائه .وهنا الله يوصيه بمهمة، فيعطي له رسالة."الآن هلّم فارسلك الى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر".خر10:3..

نرى أن هذا الكلام ليس نداءً بعد لأجل خلاص، وإنما إختيارلأجل خلاص شعب إسرائيل. أمام هذه الرسالة يسأل الانسان نفسه – ما هي هويته؟. بدأ موسى يتراجع ثم قال:" من أنا حتى أذهب الى فرعون، وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر؟".فعندما يُطلع الرب على هذه الرسالة الغير متوقعة التي تفوق قدراتنا ،فأول رد فعل ينتابنا وهو:ماهي هويتنا،مَن أنا حقيقةً ؟.الله يبين إذاً بانه يحمل الرسالة المطلوبة مع مختاره . وليس تنازلاً ابداً ولا يعفيه عن هذه المهمة ولكنه يساعده في حملها. يقول الله لموسى :"إني أكون معكَ"..

والمسيح ايضاً من جهته يقول هذا الكلام كي يطمئن تلاميذه الذين ارسلهم الى العالم:"هاأناذا معكم كل الأيام الى إنقضاء الدهر".مت20:28 وبعدئذٍ يستمرموسى، لأن الإنسان يرغب أن يعرف أكثر "إنني قلتُ من أنا ". وأما الآن من أنتَ؟ . بما انه يقصد الإتحاد بالله ، لذلك موسى يرغب أن يعرف أكثر عن الله.أن يتعرف عليه بعمق،هذا ما يقوله:" سأذهب الى بني إسرائيل ،وسأقول لهم إن  إله ابائكم قد أرسلني إليكم، وإذا قالوا لي ما هو اسمه؟ فبماذا اجاوبهم؟. فمعرفة الإسم قي الكتاب المفدس هو أكثر من وحي لهوية ، إنه الدخول في أُلفة  ومعرفة صميمية ،ولكي يعطي حياته يلزم خبرة أعظم من الحب.حينما يطلب يسوع من بطرس قبل أن يسلّم اليه كنيسته "بطرس هل تُحبني أكثر من هؤلاء ".. فيجيب الله ويسلّم نفسه ثم يعطي أسمه. هذا الإسم الذي يمجده ويقدسه اليهود لا يلفظونه احتراماً لقدسيته. بعد ان يعطي اسمه فيحتفظ به موسى  والشعب إعتزازاً بالله.

ويدخل الإنسان في معرفة صعبة بسبب محدودية طبيعته ثم ينكشف بكفاية كي يستطيع موسى أن يستجيب. ولنا هذا ايضاً مرة اخرى تماماً مع شخص التلميذ بطرس.حينما يقول  يسوع لتلاميذه :"وفي نظركم انتم من أنا ؟ فأجاب سمعان بطرس وقال: أنتَ المسيح ابن الله الحي" . أجاب يسوع وقال له :"طوبى لكَ يا سمعان بار يونا ،فإنه ليس اللحم والدم أعلنا لكَ هذا بل ابي الذي   في السماوات ". مت15:16-17 .إنها هذه المعرفة الصعبة التي تسمح له أن يستمر في الطريق وان يعطي حياته ولكن الإنسان يشعربزيادة على قدرته، فيحاول موسى الرفض وعدم القبول لجسامة المهمة، أفكار بشرية  اخذت تُشغله . الرسالة ثقيلة جداً ، إنها تقريباً تفوق قدرته . فداهمته تجربة التنازل والاعتزال. لذلك لبث الله يظهر له المواهب التي يمتلكها ويوجهه كيف يستخدمها ، فيقول له :" ما هذه في يدكَ؟ يجاوب موسى ويقول"إنها عصا" هنا الله يعطي علامة ناطقة .يطلب من موسى أن يطرح العصا على الارض.فاصبحت للحال حيّة ثم ترجع وتصبح عصا حينما يمسكها بيده.. يقصد بهذا أن الله يُشير بذلك الى مواهبنا وقدراتنا اذا قدُمت لله من الممكن ان تفوق قوتنا الطبيعية . يجب أن نؤمن بعمل الله وقدرته الفائقة..

ولكن موسى ظلّ خائفاً لأن الإنسان يعتبر ضعفه وعدم قدرته حقائق واقعية ،ثم يقول:"بل أنا ثقيل الفم واللسان".(من الممكن ان يكون له عائق في النطق).هكذا نجد دائماً اعذاركثيرة كي لا نذعن لأمر الله . غير أنه يلزم علينا أن نقبل عجزنا وعدم أهليّتنا لانه إحتمال كبير بأن الله يُظهر قدرته في ضعفنا.كما يذكرنا بولس الرسول في رسالته الى قورنثية يقول:" لذلك طلبت الى الرب ثلاث مرات أن تفارقني فقال لي ,, تكفيكَ نعمتي ، لأن قوتي يبدو كمالها في الوَهَن ".ويستمر بالقول:"فبكل سرور إذن أفتخر بالحري بأوهاني ، لتستقر عليّ قوة المسيح ".2كور8:12-9 .. ثم يستمر كلام الرب لموسى:"مَن صنع للإنسان فماً..اما هو انا الرب؟ فالآن إذهب وانا أكون مع فمكَ واُعلّمُك ما تتكلم به:"خر11:4-12 ..كما يقول يسوع ايضاً لتلاميذه:" لا تهتموا بما تقولون لأن الروح القدس يُعلمكم في تلكَ الساعة ما ينبغي أن تقولوا ".لو12:12.

فماذا يبقى إذاً ؟ – يبقى إستمرار الرفض بكل بساطة .إن الإنسان يرفض كل حوار كي يتهرب من الإختيار. فماذا يبقى لموسى ؟. ماذا يبقى للإنسان ؟- إنها حريته ، فيرفض الإنسان . يرفض موسى الرسالة التي سلّمها الله له. يقول موسى:" إستَمح أيها السيد,, أرسل بيد مَن ترسل ". يدل جوابه بوضوح على الرفض.. إنها تجربة الشخص المختار أن يقول لله على الدوام أن يبحث عن اخر عوضاً عنه.فمن منّا يا ترى  لم تُراوده أخيراً هذه الفكرة. إن الإنسان عرف أهمّية رسالته لكنه يرفض ويفضل اخر يتحملها. غير أن الله لم يقل كلمتَه الأخيرة بعدُ، ولم يعرض مساعدته لأن ظاهرياً مساعدته غير كاملة ، لذلك سيُعطيه مساعدة بشرية . لا يترك الإنسان أن يتحمل العبءَ لوحده .. يتبين من النص بعد هذا الجواب برفض موسى عندما قال" إستَمح أيها السيد,,أرسل بيد مَن ترسل ".فحمي غضب الرب على موسى " خر 14:4 . ولكن لم يُعاقبْه ولم يتخلّ عنه بل يعطيه مساعدة ليسنده ويشجعه على قدرته الهزيلة ويطمئنه على ضعفه .يقول الرب:" أليس هارون اللا وي أخاك ؟ أنا أعلم أنه هو يتكلم .. فتُكّلِمُه وتضع الكلمات في فمه ، وأنا اكون مع فمِك ومع فمهِ واُعلِمُكما ماذا تصنعان : وهو يكلّم الشعب عنكَ وهو يكون لكَ فماً وأنتَ تكون له إلهاً ".خر15:4-17 . إن الله لم يعا قب موسى كما نفعله نحن اذا ما عارضنا أحدٌ، سنقوم بمعاقبته، غير أن الله وطدّ مجد موسى ورفعه الى هالة القداسة حينما قال:" ستكون له إلهاً". وهكذا يوقف الإنسان قتاله مع الله ويكمّل موسى رسالته.

فمسيرة الشخص المختار هذه التي شاهدناها عند اللقاء بالذي غيّر حياته وبدّل مسارها كلياً. فإذا كان الإختيار الفردي نموذجاً للذين يُدعون لترك كل شيء وليتبعوا المسيح ، إنها أيضاً حالة كل شخص له إرادة صالحة.وبمعنى الكلمة جميعنا. كل إنسان  بحُسن الرضى ، يلا قي الله ويرغب أن يقبل نداءَه ويوافق عليه ويسير  في الطريق كي يصبح من مختاري الله  لوليمة عرس الحمل بتكريم  سرّ ألعماذ ألمقدس الذي جعله إبناً ووارثاً للعهد.

نستنتج حقاً  في النهاية أن نقول : إن الله يدعو كل البشر، كل واحد شخصياً  لكي يكون إبناً له  ويصبح مختاره لأجل الاخرين. فالنداء هو لله والإختيار للاخرين، وكلاهما متّحدين بعمق في نفس العمل من أجل ألحب. مثلما عبّرعنه الكردينال لوستيجر بصوته الذي رنّ غالباً ما في هذه الكاتدرائية يقول : "عندما يختار الله، إنه فعل حب لأجل الحب".
——————–

شاهد أيضاً

الاحد الخامس من الرسل اليوم: هل نخضع للانبياء الكذبة او علينا ان نكون نحن انبياء العليّ؟

الاحد الخامس من الرسل اليوم: هل نخضع للانبياء الكذبة او علينا ان نكون نحن انبياء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *