الرئيسية / المقالات / الأحد الثاني من الصوم

الأحد الثاني من الصوم

الأحد الثاني من الصوم

الاب 

روبرت سعيد جرجيس 

 

الماء هو اصل الحياة على الارض ونحو السماء

تدعونا قراءات الاحد الثاني من الصوم، إلى وقفة حقيقة، جادة وتأملية امام لحظة ابتدأ مسيرتنا الايمانية، متكئين على ما ندعوه  بـ "ذاكرة الايمان مبتدأين باللحظة الاولى، لحظة اختبار اهمية المرور بمياه المعمودية، حيُثما ولدنا من جديد لمسيرة حياة النعمة. انها الذاكرة التي تغرس فينا الثقة بالقيامة بعد الموت، خصوصا في واقعنا المعاصر الذي يحتاج وبقوة للوثوق بكذا حقيقة ايمانية.

القراءة الاولى: (سفر يشوع بن نون)، نجد شعب الله امام اختيار المرور بوسط مياه الاردن، عبورا من الصحراء (مكان التجربة – مكان الخطر – مكان التحديات)، نحو ارض الوعد (ارض الراحة – ارض النعمة – ارض الامان)، فنجد ان الثقة باله القيامة، يجعل حاملي تابوت العهد، يدخلون المياه، فقط لثقتهم بـ "كلمة" قيلت لهم على لسان الناطق باسم الله (يشوع بن نون)، مُعززين "ذاكرة الايمان" بالأحجار التي تُترك في وسط المياد المُنسحبة. اننا امام صورة لمياه معمودية جديدة تتطلبها منا وبشدة، ايام الصوم القوية المباركة التي نمرّ بها، كيما يَحق لنا الولوج بنعمة الحياة الجديدة بالقيامة. وهذا ما تؤكده اطول رسالة في العهد الجديد، بل وحتى أطول الرسائل القديمة التي وصلت الينا والتي تحتوي ما يقارب (7110) كلمة، إنها الرسالة إلى رومية

القراءة الثانية : رسالة الى اهل رومية هذه الرسالة التي كتبها القديس بولس إلى جماعة لم يؤسسها، معظمها من الأمميين، وهي رسالة مميزة من حيث انها تحتوي تبسيطات تعليمية في المواضيع المركزية لبشارة بولس. والتركيز على اهمية العماد في فصلها السادس يواكب مسيرتنا الايمانية بزمن الصوم، فهي مسيرة مستديمة نحو الاندماج الحقيقي بالمسيح، من حيث ان حياة الانسان تتبرر بالإيمان (والايمان هو ثقة حاملو تابوت العهد بالكلمة التي تلقوها). ولكن هنا نواجه بالتساؤل الجدلي المهم الذي يطرحه الرسول: أنستمر بالخطيئة كي تكثر النعمة؟، حيثُ اننا بوسط دوامات تقودنا دوما نحو الخطيئة، فهل يكون للأخيرة اهمية كيما نَحصل على نعم السماء، وكأنما الخطيئة هي المُدعاة الحقيقة للحصول على الخلاص. ولكن الجواب الاعتراضي الذي يُقدمه الكاتب هو اننا لم نحصل على النعمة بفضل الخطيئة بل: لأننا مُتنا عن الخطيئة بالعماد، من حيث أن العماد هو قبل كل شيء خبرة النجاة من الموت، كما في عبور البحر الأحمر بالنسبة للعبرانيين (خر 14)، وتسكين العاصفة للتلاميذ (مر 4: 35-41)، وكلا المشهدان ونحن معهم بالعماد، نكون بصدد الموت مع المسيح للقيامة بالحياة الجديدة، فيبتكر بذلك القديس بولس كلمة يونانية جديدة مُركبة من حرف الـ "مع" (su.n)، فيقول: نصلب مع المسيح، ونُدفن معه، ونتألم معه وكما أُقيم المسيح هكذا بحفاظنا على العماد سنقوم معه، لذا فالحصول على النعمة يعود لهذا الاتحاد مع المسيح، الذي يتكلل بمسيرة بدايتها المرور بالماء، وتختتم بالسماء. وهذه الـ "مع"، هي صورة اخرى للثقة بـ "كلمة الله" التي قالها يشوع والتي تجسدت متخذةً صورة العبد (فيل 2: 6)، وهنا يُحذرنا انجيل متى (7: 15-21)، من ان العماد من غير مسيرة حقيقة "مع" المسيح ومع "الذاكرة الايمانية"، لا يمكنها ان تُخلص، فالعماد هو ليس بالعملية التي تكفي ان تبتدأ من دون ان تتغذى، فينبهنا من ان ليس كل من يتعمد يدخل ملكوت السماوات "ليس كل من يقول يا رب، يدخل ملكوت السماوات"، بل كل ما يحافظ على الـ "الكلمة"، منتمياً اليها جدياً ومُتحداً بها فعلياً، وممررً اياها بأمانة للأجيال التي من بعده، هو الذي يدخل ملكوت السماوات، فهل نحن مستعدون للوثوق والمسير "مع" والتأمل بما عمله رب المجد في ماضينا، بالعودة دوما نحو "ذاكرة الايمان"؟  

 

شاهد أيضاً

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018)

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018) ابدي هو الصراع بين الحكمة والجهالة، فأي حكمة ستنتصر وأي جهالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *