الرئيسية / المقالات / ايام في الذاكرة لا تنسى

ايام في الذاكرة لا تنسى

ايام في الذاكرة لا تنسى

 الأب سمير الخوري

 لقد مرت عشرة سنيين على استشهاد المثلث الرحمات المطران فرج رحو بعد اختطافه، وفي وقتها كنت في روما للدراسة فقد كان قد أرسلني سنة 2003 بعد الحرب للدراسة والتخصص في اللاهوت العقائدي. منذ سنيين احب ان أوثق هذه المسيرة الطويلة التي عشتها معه، منذ الثمانينات والى يوم استشهاده، ولكن كانت هناك أسباب تجعلني أن لا أكتب أو أن احتفظ بما اريد قوله في مخيلتي وتفكيري، ولكن خوفا من ضياع الذكريات وكما يقال “مع الوقت تضيع وتتيه الذاكرة “، وايضا  قبل أيام كان قد زارنا شخص  صديق وعزيز إلا وهو سيادة المطران مار باسيليوس يلدو المعاون البطريركي، وقد شجعني على ذلك لضرورة توثيق هذه المرحلة وخاصة ونحن في مرحلة البداية في تطويبه، واحب في هذه الصفحات أن اتناول محطة من محطات حياته  ودرب صليبه والتي حدثت في مثل هذه الأيام.

 كانت الساعة الثالثة إلا ربع تقريبا بحسب التوقيت الايطالي من يوم الجمعة المصادف 29 شباط من سنة 2008؛ وكنت في وقتها متمددا على سريري في غرفتي في معهد مار افرام الحبري؛ اتهيأ للنهوض وثم الذهاب إلى كاتدرائية مار بطرس لحضور رتبة صلاة. عندها رن هاتفي المحمول على غير عادة في ذلك الوقت،  وإذ ألمح اسم شخص صديق من أبناء رعيتي في الموصل؛ استعجلت على الإجابة وكان لدي احساس شديد انه قد حدث شيء وخطير؛ إذ كنت قد أبلغت من كانوا يتصلون بي من العراق؛ أني بين الساعة الواحدة والرابعة لا أحب استعمال الهاتف؛ إلا لشيء طارئ ومهم . لقد كان الصوت على الجهة الأخرى خليط بين بكاء وصراخ من يريد أن يُعلن للعالم شيء رهيب قد حدث. فسارعت لكي أهدئ من روعه لكي افهم ؛ لأني انا ايضا بدأ يتغلغل الخوف والرهبة في صدري لهول ما حدث وما أنا مقبل لسماعه ، فأبتدأ بالكلام بهدوء يسبق ذألك الذي ينذر بعاصفة ، وقال ابونا سيدنا فرج راح من أيدينا ، لم ادعه يكمل فصرخت أين راح ؟ وأكمل قد خطفوه بينما كان خارجا من درب الصليب من خورنة الروح القدس ، وقتلوا سائقه فارس والاثنين الآخرين، وهنا ما كان ينتاب من يكلمني من هلع وقلق وارتباك ورغبة بالصراخ ، صار ينتابني انا ايضا ولم تعد الأرض تحملني …..واصلت الحديث وكأني اريد ان اسمع بأنه هناك من ذهب ليبحث عنه ويعيده ويحرره ، أو كل ما سمعته مزحة ثقيلة أو مقلب أو ….. ابحث عن أي عذر حتى وإن كان مستحيلا وغير منطقي أمام الحالة التي كان محدثي فيها من بكاء . لقد كنا من بين الأشخاص المقربين جدا من سيدنا ، ومن كان يحدثني يرافقني دائما في نشاطي الراعوي . ولم تكن من طبيعته أن يمزح معي وهكذا مزاح لأنه كان يعرف طبيعتي . بعد أن تأكدت من صدق ما حدث ؛ ودعت المتحدث بصمت خليط ببكاء مخنوق …وجلست وشعرت بتعب من أنهى لتوه مسيرة طويلة من الركض ، أفكار وذكريات وتساؤلات…..أسأل لماذا ومن قام بذلك ، خاصة سيدنا فرج كان شخصية محبوبة ومقبولة من غالبية المجتمع الموصلي ، وكان لديه مكانة محترمة لدى مسلمي الموصل . صحيح كان يتلقى تهديدات وتعرض لمحاولة خطف سابقا، ولكن كلها كانت ضمن الأوضاع التي مر بها البلد ودخول الكثير من الغرباء في الموصل .

وبينما الأفكار تاخذ وتذهب بي، أخذت الهاتف مسرعا لاتصل برقم سيدنا متخيل انه سيُجيب هو، ذهبت إلى قائمة المكالمات الواردة ليوم الخميس 28 شباط اي قبل يوم ، إذ كان قد اتصل بي قبل الخامسة مساءا ليسال عني ويبلغني بأنه قد أرسل كتاب إلى الكاردينال ساندري رئيس المجمع الشرقي لكي يطلب منحة  إضافية لتكميل بحث الدكتوراه، وكان قد ارسلها مع الأب جبرائيل الراهب القادم من العراق وأعتقد كان في وقتها رئيس عاما للرهبنة ، فقلت له سيدنا لماذا أرسلتها فأنت قادم قريبا لرسامة الأب ثابت شماسا إنجيليا في روما إذ كان سمنيريا يتحضر للكهنوت ، وفي وقتها كان قد طلب مني سيدنا فرج أن نتدرب مع طلاب السمنير والكهنة الدارسين في روما ونحضر للرسامة وفعلا كنا قد بدأنا التحضيرات ، فقال لي وبصوت يشوبه الحزن والقلق وكان كأنه يشعر بشيء رهيب سيحدث ، والحقيقة اقولها لم أشعر ابدا منذ أن عرفت سيدنا وهو بقلق واضح من نبرة صوته ، وقال لي ما اتذكره حرفيا ولا زال صداه في اذني 🙁 ابني سمير الوضع كثير خطر ، والتهديدات يوميا ، وانا كثير تعبان ، لن استطيع المجيء وسأطلب من سيدنا شليمون وردوني أن يرسمه بدلا عني )…فقاطعته سيدنا هل التهديدات من نفس الشخص  الملقب ابو حذيفة (وهو كان شخص يدعي انه يمثل المقاومة، ويهدد الأساقفة في الموصل ويطلب منهم جزية أو مشاركة في المقاومة عن طريق مبالغ مالية شهرية، مقابل عدم استهداف الكنائس والمسيحيين…ولكن بعد استمرار الاستهدافات وخطف المسيحين، امتنع سيدنا من الدفع …هناك تفاصيل عديدة وقصص كان يخبرني عنها سيدنا ويرسلها لي عبر الإيميل ، والتي لا زلت احتفظ بها للتاريخ) ، والحديث هنا لسيدنا فرج إذ قال: (نعم ابني ولكن هذه المرة …قال أمور خطيرة ، وحتى يؤكد لي انه جدي في تنفيذ تهديده ، ويقدر أن يصل لي، وصف لي غرفتي ومكتبي في المطرانية الجديدة في حي الشرطة ، وقال لي أيضا ما هي اللوحة الموجودة على الجدار بالقرب من منامي).  وفعلا قبل أقل من سنة كان قد قال لي سيدنا، كيف اتصل به شخص يهدده  ويحرضه لدفع المبالغ ويقول سيدنا فرج ، ميزت صوته وعرفته وحاليا قلت له فلان هاي ليش ددسوي هكذ وتتعامل مع هكذا ناس، يقول سيدنا (اقفل الهاتف مباشرة .(ثم قال لي : صلوا لنا ونحن لا نقدر إلا ان نسلم حياتنا بين أيدين ربنا. وتوادعنا…….

كل هذه الكلمات كانت ترن في اذني ، وانا اعيد الكرة لاتصل بسيدنا لعله يجيب ويقول ابني سمير لا تخف اني رجعت للمطرانية…..ولكن ضل يرن هاتفه دون جدوى. فاتصلت بالأب بسمان لكي اعرف ماذا جرى بالتفصيل وهل من معلومات عن سيدنا، أجاب الأب بسمان أيضا بصوت حزين مبحوح من شدة التأثر والحزن ، وأكد كل ما سمعته مع تفاصيل أكثر، وعن مقتل سائقه فارس وسمير .. لقد حزنت لهم جميعا لأنهم كانوا أصحاب عوائل ، وفارس تربطني ذكريات كثيرة معه ، إذ كنت أعيش في المطرانية مع سيدنا وكنا يوميا من الثالثة ظهرا وحتى السابعة والنصف نزور العوائل المسيحية في كل الموصل ، كنت كل يوم اتصل  بخمسة  إلى ست عوائل وابلغهم بأن غدا سنزوركم ، وكم من مواقف مفرحة ومحزنة مررنا فيها أثناء الزيارات ….كل تلك اللحظات ، وكل الأوقات المفرحة والمحزنة ، المريحة والممتعة التي مررنا بها معا انا وسيدنا فرج، منذ يوم افتتاح كنيسة مار بولس التي بناها هو، والتي اتذكر يوم كن ننظفها ونحضر لافتتاحها، كان يقول هذه الكنيسة تحتاج الى ناس يخدموها وأريد انت تكون من بينهم .. وفعلا منذ ذلك اليوم بدأت اخدم فيها ، وفي كل المجالات، الأخويات، النشاطات الراعوية، وحتى بعد دخولي السمنير والتي كان هو سبب ومثال لدعوتي …وهكذا ايضا كيف كنا نقوم بشراء اللحوم والخبز وتوزيعه على العوائل المحتاجة في منطقة مسكنتا، ومار اشعيا وكذلك كيف كنت انا والاخ عماد نذهب معه لزيارة العوائل التي لديها ابن معاق، لكي نشجعهم على الاهتمام به وناخذهم الى سفرات ولقاءات ترفيهية وتثقيفية، وهذه كانت بدايات المحبة والفرح. واتذكر ايضا السنة العصيبة لسيدنا سنة 1991، الذي كان برفقة الخوري  جبرائيل  باكوس وشخص من الخورنة ذاهبين الى بغداد لحضور مؤتمر للسلام قبل وقوع حرب الخليج الثانية، وهم في الطريق انقلبت بهم السيارة ونج هو والاب الخوري فقط بأعجوبة ، ولكن صحته تدهورت ولمدة سنة كان مقعد على عربة ولمدة كان يقدس بدلا عنه الاب ماهر نيسان ، وكنت احمله بالعربة كل أحد ليقدس وهو جالس …. وفي كل صيف كنت أقوم بالتعليم المسيحي وغيرها، الى اليوم الذي أصبحت فيه كاهنا ، واول سنة من كهنوتي عينني راعيا لخورنة مار بولس، لأنه اختير هو اسقفا للموصل بدل المثلث الرحمات المطران كوركيس كرمو، وإلى أن أرسلني إلى روما لكي ادرس، وعودة الأب رغيد ليخدم بدلا عني في خورنة الروح القدس  ومار بولس .

  ذكريات وذكريات مرت كسلسة مشاهدة ولقطات عبر مخيلتي …بعدها نهضت وذهب لأخبر مدير معهد مار  افرام ، سيدنا المطران جهاد بطاح مطران بيروت للسريان الكاثوليك وقتها كان كأهنا، هكذا هو والآباء الكهنة الساكنين معي تلقوا الخبر بحزن شديدين ..إذ كانوا قد التقوا مرتين بسيدنا فرج عندما كان قادما لزيارتي هناك.  وقرروا أن نقيم صلاة وقداس يوم الأحد مباشرة والصلاة على نيته. وحضر جميع الكهنة والطلاب  الدارسين والأصدقاء وغيرهم ممن كانوا يدرسون في روما …وترأس القداس المونسنيور فيليب نجم المدبر البطريركي  في روما آنذاك والأب جبرائيل الراهب الذي جاء ومعه الكتاب الموجه الى المجمع ورسالة بخط يده لي …احتفظ بها لحد الان.. .

كنت يوميا على اتصال مع فريق التفاوض،  واحببت وقررت أن أعود إلى الموصل لكي اكون قريب منهم ، ولكن منعوني من ذلك من هم في روما قائلين إن الوضع خطر……..كنت يوميا ادخل في كنيسة الجامعة اصلي واحاول أن اخفف من وطأة خطف سيدنا ووضع الأبرشية ، واستهداف رعيتي وقبلها أيضا قتلوا أشخاص كانوا مقربين مني ….ووفاة والدي ليلة عيد الميلاد وعدم استطاعتي حضور دفنته والى يومنا لم استطيع زيارة مكانه.  كل هذه الأمور جعلتني اعيش الما نفسيا كبيرا …. كثيرا ما كنت أخرج من الجامعة بعد نهاية المحاضرات واسير مشيا على الأقدام عبر أزقة روما القديمة وصولا إلى ساحة مار بطرس، كنت انظر في وجوه السائحين وهم يبتسمون ويلتقطون الصور فرحين ، وحقيقة كنت اغتاظ منهم …..وكان لسان حال يقول اتشعرون ما يحدث في بلدي ووطني، وما يتعرض له شعبي وكنيستي…..هناك مطران مخطوف ….أشخاص مقتولين….ناس تقتل يوميا وكل هذا لكي نعيش ما تسمونه الديمقراطية….لماذا يحدث كل هذا …..لماذا نعذب بعضنا، نكره بعضنا ونشوه بعضنا البعض وثم نقول العالم بائس  … ولكي اخفف من وطأة كل هذه الأفكار، كنت اتصل تقريبا مرتين في اليوم بأشخاص كانوا يتفاوضون، لتحرير سيدنا فرج ، وخاصة مع الأب بسمان ، ومرة قال لي طلبنا أن يسمعونا صوته لكي نعلم أنه على قيد الحياة …فهم تأكدوا انهم الجهة الخاطفة لأنهم كانوا يتفاوضون عبر هاتف سيدنا فرج النقال ….ولكن كانوا يشككون انه على قيد الحياة خاصة طريقة خطفه ووضعه في صندوق السيارة وغيرها من استعمال القوة ، وهذا حسب شهود عيان…وكلنا كان يعلم بمرض سيدنا ووضعه الصحي وقلبه الذي كان ربعه ميت علميا بسبب الجلطة التي ضربته أثناء درب الصليب سنة 1998 في القوش…عندما كان كأهنا بعد. وهنا قال لي الأب بسمان انهم يرفضون اسماعنا  صوته،  وهنا تذكرت ما قاله لنا سيدنا فرج: في سنة 2006 ، كنت في عمان لزيارة والدتي التي أجرت عملية قلب كبرى ، وسيدنا فرج كان راجعا من روما مع باقي الأساقفة والمثلث الرحمات البطريرك عمانوئيل دلي بعد أن حضروا حفل استلام البطريرك القبعة الكاردينالية.  فزارنا سيدنا فرج مع سيدنا المطران شليمون في البيت، وكانت اختي حاضرة أيضا، وبعد أن غادرنا سيدنا شليمون لموعد يجب أن يحضره، كلمنا عن التهديدات التي تصله، وكذلك كلمنا عن محاولة الخطف التي تمت له قبل أشهر، وهي عندما اوصله السائق فارس بالقرب من مسكنتا لحضور صلاة الرمش والقداس، وبينما ذهب فارس ليركن السيارة ، قال سيدنا وقفت سيارة في زاوية زقاق من الجهة المقابلة باتجاه مسكنتا ومن يعرف المنطقة سيعرف أين، وحاول الخاطف الملثم تحت تهديد المسدس أن يجره نحو السيارة قائلا له “امشي عدنا شغل وياك” فرفض سيدنا بقوة وقاوم وقال له “اقتلني هنا وما اطلع”، وبعد إصرارهم لخطفه ومقاومة من قبل سيدنا … يقول سيدنا صرخ من كان يقود السيارة وهو ملثم أيضا “خليه غير مرة نعرف شلون ناخذا”. وهنا قلت سيدنا لازم تنتبه ولا تروح مكانات ضيقة… وفعلا من بعدها كان يرافقه شخص أو شخصين مع سلاح . وهنا قال لنا قد أوصيت الكل ، إذا نجحوا وخطفوني أن لا يدفعوا فدية ، حتى لو فلس واحد.

سيدنا فرج بعد استشهاد الأب رغيد والشمامسة معهم …. جعلته الاحداث يتمنى الشهادة …فقد أثقل الحدث كاهله، وقد أثرت عليه جدا وهذا ما لمسناه…ولأسباب قد يأتي يوما ونذكرها في كتاب… وعندما ذكرت الأب بسمان بهذا ، قال فعلا هذا سبب وجيه أن لا يُسمعونا صوته، لأنهم يطلبون مبلغا كبيرا، وهو اكيد سيقول لنا لا تدفعوا …..وما يؤكد هذا الكلام انهم قالوا مرة للفريق المفاوض “سيدكم هذا لسانه طويل” . مرت ايام وأيام والتفاوض مستمر وجهات كثيرة تتدخل ….وحاولت أن أعمل شيء فقمت بالاتصال بشخص كان صديق لسيدنا فرج وانا اعرف انه كان يسعى لإطلاق سراحه، ولكن أحببت أن اتأكد أو لعلي اعرف شيء، فتكلمت معه فقال …اعتمد على أن أعيد سيدنا إلى المطرانية…ومرت ايام وكانت المفاوضات مستمرة والمطاليب التعجيزية تتزايد، ومن يطلع على المطاليب، وفي كل مرة يتم تحقيقها تتغير أو يضاف ما هو تعجيزي ، وبعدها علمت عبر اتصال من سيدنا شليمون بأنه هناك اخبار مفرحة سيطلق صراح سيدنا السبت او الاحد ، أي يوم 8 أو 9 آذار  وهنا تنفسنا جميعا في روما وصرنا ننتظر بشرى التحرير وفك أسر المطران. ولكن جاء السبت وذهب الأحد ولا يوجد خبر، وعلمت أن الخاطفين قطعوا الاتصال بالفريق المفاوض، وكل ما قالوه المفاوضين بأن سيدنا كان مريض جدا ، علما انهم كانوا يؤكدون للخاطفين بأنه مريض ومحتاج إلى أدوية….وبعد صمت رهيب .. وانتظار صعب … اتصل بي ظهر الخميس 13 أذار المونسنيور فيليب نجم ، وحالما سمعت نبرت صوته ، علمت بأن هناك خبر صادم ، وكانت أول كلمة له نزلت كالصاعقة: ” ابونا علمت من سيدنا البطريرك دلي قبل قليل بأن سيدنا فرج قد توفي وتم العثور على جثته والتعرف عليها ….البقية بحياتك تشجع”. طبعا لم أجد كلمات لكي اواصل الحديث، ذهبت وجلست في ساحة مار بطرس …اصلي وعيناي تغمرهما الدموع ..على ما آلت إليه الأمور، واستشهاد سيدنا فرج ….كان يوما وأيام عصيبة، سيدنا فرج كان يشكل جزءا كبيرا من مسيرتي الروحية والإنسانية……في كل مرحلة أجده حاضرا ولا يمكن أن يُمحى.  لقد قضينا ذلك اليوم إلى وقت متأخر نتابع ما يقال على قناة عشتار …لقد كان يوما طويلا ، لا يمكن نسيانه.

في اليوم الثاني الجمعة المصادف 14 آذار، ذهبت إلى الجامعة ومن دون رغبة حضور المحاضرات، وفعلا لم احضرها، ولكن من كثرة من اتصلوا بي من اصدقاء وكهنة أرادوا أن يلتقون بي، قلت اذهب إليهم انا اسهل ، فكنا نسكن بعيدا عن الجامعة …أخذت الباص ومن ثم الميترو، وحالما نزلت درج الميترو، كانت الجريدة التي توزع يوميا صباحا لمستخدمي الميترو وتحل اسم ميترو، تتوسط إحدى صفحاتها صورة سيدنا فرج الرسمية كاسقف، وفوقها عبارة الأسقف المخطوف، عثرا عليه مدفون، وابضاً مقالة عن سيدنا فرج وعن قصة خطفه وما يتعرض له مسيحي الموصل ، وما يجري ، وكيف عثروا على الأسقف مقتولا ، وقد احتفظت بها مع باقي المجلات التي تناولت خبر استشهاده …سا نشرها مرفقا مع هذه الصفحات ، مع بعض الصور .

وما جعلني اتفاجئ واربط الأحداث هو أنه في الفترة قبل استشهاده تناولت الصحف الإيطالية والقنوات الرسمية حدث وذكرى العثور على جثة الدو مورو الذي كان رئيس الوزارء الأيطالي وسكرتير الحزب الديمقراطي المسيحي والذي كان قد اختطف من قبل حركة إيطالية شيوعية مسلحة Brigate Rosse  (الألوية الحمراء)، ولمدة 55 يوما وبالرغم من نداءات البابا بولس السادس الذي كانوا اصدقاء كثيرا  منذ ان كانوا شبابا في حركة الشباب المسيحيين ،  وفي 14 اذار سنة 1978 وجه البابا نداءا قائلا “اتوسل إليكم راكعا أن تطلقوا صراحه” ، ولكن انتهت المهلة وكانت إحدى مطالبهم أيضا إطلاق صراح سجناء إرهابيين من نفس الحركة ،  وبعد انتهاء المهلة الساعة 3 ظهرا عثر على جثمانه يوم 16 اذار في صندوق سيارة في وسط روما  مقتولا . في كل سنة كانوا يتكلمون عنه لأنه كان حدثا قد أرعب إيطالية خاصة في مسيرتها نحو الديمقراطية في وسط صراعات الحرب الباردة . في تلك السنة 2008 اي بعد 30 سنة ، ذلك الحدث أخذ معنى آخر ومدلولات ، خاصة أنه في مرة وبينما كنت اتكلم مع سيدنا فرج وكانت أخر زيارة إلى روما وكيف كانت روما في وقت دراسته، فإنه ذكر كانت سنيين صعبة ومشاكل المافيا والألوية الحمراء ، وقد ذكر مسألة خطف الدو مورو وكيف قُتل بعد خطفه، وبعد أسابيع توفي البابا بولس السادس أيضا متأثرا لفقدانه، حدثين كانا قد تركا أثرا في ذاكرة سيدنا ومن دون أن يعلم أنه وبعد ثلاثين سنة سيعيش ما عاشه الدو مورو. ومن يقرأ أحداث خطف  الدو مورو وما جرى أثناء المفاوضات، كيف تدخلت كل قوى العالم والمخابرات، ومنهم من يمثل المعسكر الأمريكي والغربي ومنهم من يمثل المعسكر السوفيتي، وكل يعمل مع الحفاظ على مصلحته، ولكن الدو مورو بقي ثابتا على مبادئه المسيحية … ولم يتنازل … وهذه كانت إحدى أسباب عدم إطلاق صراحه، واغتياله، وهذا ما يتم أكتشافه حول الحوارات التي صارت بينه وبين خاطفيه. وبالعودة إلى مسألة سيدنا فرج ، فكم تدخلت قوى خارجية ومناشدة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر لإطلاق صراحه، ولكن ثبات سيدنا فرج على مواقفه وعلى عدم التساوم ودفع الفدية هي التي أدت إلى استشهاده.

وكنت قد  علمت من الأب بسمان تفاصيل كيف تدخلت أطراف فقط لكي يحصلون على جثمانه ، وكيف وأين كان موضوعا ومدفون وكيف وصلوا إليه وكيف طلبوا مبلغا كبيرا فقط لتحديد موقع دفنه ، وثم تبين أنه كان قد توفى ليلة السبت على الأحد ، وكما ذكرت لاحقا بأن سيدنا بعد مقتل من كانوا يرافقونه، كانت له الشهادة أهون من يعيش حقيقة ثقل ما جرى وما سيجري لاحقا في مدينة الموصل . وما جرى في الموصل إلا هو نتيجة الدماء البريئة التي سفكت على أرضها… تابعت كل مراسيم الجنازة والدفن عبر شاشة عشتار، ووضعي النفسي لم يشجعني وكذلك من حولي للعودة…فالوقت لم يسمح للوصول في الوقت المناسب …وهكذا الحصرة صارت حرصتين ، فلم أشارك لا في دفنت والدي ولا في دفنت سيدنا فرج .

 في كل أسبوع مرة أو مرتين أشاهد صور البومات سيدنا فرج، التي وكأنه كان يتنبأ، إذ يوم كنا ننقل مكتبته وكل شيء من داره قرب كنيسة مار بولس  إلى المطرانية بعد أنتخابه مطرانا للموصل ، كانت لديه صور كثيرة موضوعة في صندوق أعطاها لي لأضعها في البومات وقال لي احتفظ بها ، فأنت تحافظ على الصور وسيأتي يوم تذكرني فيها ….. كلما اشاهدها يشدني الحنين إلى تلك الأزمنة والى سيدنا فرج، إلى طريقة كرازته ، محاضراته ، نكاته وروحه المرحة وحتى إلى لحظات غضبه . كل هذه السنين ، افكر وتختمر الفكرة أكثر أن أضع كتاب عن حياته وعن مسيرته ، كأهنا واسقفا، وكنت قد تكلمت مع سيدنا فرنسيس قلابات بالموضوع وكان قد شجعنني لعمل ملف يفيدهم في مسألة التطويب والتقديس، فقد رافقته في تفاصيل عديدة ، وهناك كثير من الوثائق التي بخطه موجودة لدي ، وايميلات كان يرسلها لي ، ستنشر ما يمكن نشره ….

قبل أيام زارنا سيدنا مار باسيليوس يلدو ليقدم محاضرة ، وعندما كلمته عن ذكريات عديدة مع سيدنا فرج وعن الصور، وخاصة أن سيدنا مار باسيليوس هو مع سيدنا فرنسيس قلابات سيعملون مهتمين بملف التطويب، قال لي يجب أن تنشر كتاب، كعرفان جميل لسيدنا فرج ، وشهادة له وخاصة قد رافقته كل هذه السنين ، ووجود هذه المعلومات والوثائق والصور لديك ستفيدنا كثيراً.

 فقد بدأت فعلا بالخطوات، وانشاءالله سيظهر كتاب عن مسيرة سيدنا فرج منذ طفولته وحتى استشهاده، مرفقا بالصور وشهادات أشخاص عرفوه عن قرب، ولحظة خطفه واستشهاده.

 وما هذه الصفحات إلى رغبة وبداية وضع كل شيء على  الورق ، وحقيقة بدأت أشعر براحة وكأني، أعيد مسلسل حياتي واجول في عالم الذكريات التي لا تمحى ، وقد يجد القارئ ما كتبته طويلا ولكن هذه هي الذكريات ، عندما تبدا وضعها على الورق ، تنهدر كسيل من المياه  وكل الذكريات هي أمور وإحداث شكلتنا  سواء كانت جميلة أو مؤلمة ، فإنها أصبحت ترافقنا محفورة في عمق ذاكرتنا ، لذلك سميتها ذكريات … لأنها تشكل شخصيتنا ، ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

شاهد أيضاً

استيقظ يا كلداني!!

استيقظ يا كلداني!! البطريرك لويس روفائيل ساكو – استيقظ يا كلداني في العالم، وافتخر بهويتك، ولا تتنكر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *