الرئيسية / المقالات / موت المسيح على الصليب من وجهة نظر طبية

موت المسيح على الصليب من وجهة نظر طبية

موت المسيح على الصليب من وجهة نظر طبية

د. صباح قيّا

توطئة

” يسوع موضوع لا ينضب مهما تناولته الألسن والأقلام , ومهما كثرت الكتب عنه يظل هنالك مجال لكتابٍ جديد ” . هكذا أجاب الكاتب والشاعر ميخائيل نعيمة حينما أفصح له الفنان الشاعر والكاتب الفيلسوف جبران خليل جبران عن نيته في تأليف كتاب عن ” يسوع المسيح ” . وكما أشار البشير يوحنا إلى تلك الحقيقة  بوضوح في ختام إنجيله قائلاً ” وهناك أمور كثيرة أخرى أتى بها يسوع , لو كُتبتْ واحداً واحداً , لًحسبتُ أن الدنيا نفسها لا تسعُ الأسفار التي تُدَوّنُ فيها ( يوحنا 21/25 )”.

فلا غرابة أن تغزو المكتبات المنتشرة في كافة أرجاء المعمورة ألمؤلفاتُ الغزيرة  من كتب ودوريات ومقالات وبحوث ونشريات مختلفة أخرى  تتحدث عن المسيح المخلص وعن صلبه  وموته على الصليب وبمختلف لغات العالم . ولم يسبق لأية شخصية منذ نشوء الخليقة ولحد اليوم أن تناولتها الأقلام والألسن كما تناولت ولا تزال شخصية الفادي خالق الكلّ . إنها حقاً معجزة الدهور تضاف إلى معجزات يسوع التي لا تُعدُّ ولا تُحصى , وأهمها  معجزة الموت والقيامة , محور العقيدة المسيحية , التي استقبلت مواكبُ الشهداء بكل فرح وسرور حتفَها تباعاً  نتيجة الإيمان المطلق بصحة حصولها .

فرضيات الإغماء

من المعروف أن القران الذي كتب في القرن السابع الميلادي يرفض حقيقة صلب المسيح وكما جاء في سورة النساء ” وما قتلوه وما صلبوه بل شبه لهم ” .  ورغم ذلك , فإن  الطائفة الإسلامية  ” الأحمدية أو ألقاديانية ” التي نشأت في أواخر القرن التاسع عشر في شبه القارة الهندية تدعي عدم وفاة المسيح على الصليب بل أغمي عليه نتيجة الإعياء , ثم غادر إلى  الهند بعد أن أستفاق وعاد له وعيه بتأثير برودة ورطوبة القبر الذي وضع فيه . ولحد اليوم هنالك ضريح في إحدى مناطق كشمير الهندية يشير إلى محل دفنه . وقد نادى بها بصفة خاصة ” ميرزا أحمد غلام ” مؤسس القاديانية ، والذي بدأ يروج لهذه النظرية منذ سنة 1891م في كتابه ” المسيح الناصري في الهند ” .  وربما استنبط مؤسس الجماعة الأحمدية فرضيته من الكاتب الألماني ” كورت بيرنا ” الذي أعلن أن الكفن ” كفن تورينو ”  يثبت عدم وفاة المسيح على الصليب , وأن القيامة ما هي إلا مجرد صحوة إنسان من الإغماء .

   في سنة 1780 م زعم ” كارل فريدرك بارت ” اللاهوتي الألماني العقلاني ، أن يسوع أدعى موته حيث استخدم بعض العقاقير الطبية التي قدمها له لوقا الطبيب , ثم زعم أن يوسف الرامي , هو الذي قام بإنعاشه من هذا الموت الظاهري. ويبدو أن اللاهوتي تأثر بمسرحية روميو وجولييت للكاتب الإنجليزي وليم شكسبير .

  وحوالي سنة 1800م افترض ” كارل فينتوريني ” أن يسوع أجتمع مع جمعية سرية يرتدي أعضاؤها الثياب البيضاء ، وزعم أن هذه الجماعة لم تتوقع أن يبقى المسيح حياً بعد الصلب. وعند القبر سمع واحد منهم كان يرتدي زياً ابيض ، في إشارة إلى الملاك الذي دحرج الحجر ، أنينا من داخل القبر حيث عاد يسوع إلى وعيه فأخاف هذا الرجل اللابس الثوب الأبيض الحراس وأنقذ المسيح ,  فاستخدم يسوع طاقته المتبقية في الظهور لتلاميذه وبعد ذلك اختفى من المشهد بشكل نهائي .

  وابتداء من سنة 1802م  بدأ اللاهوتي الألماني العقلاني ” هنريك بولوس ” ينادي بأن المسيح لم يمت على الصليب بل دخل في غيبوبة  مؤقتة وعاد إلى الوعي بدون أية مساعدة من أحد في القبر. وفي سنة 1828م قدم نسخة تفصيلية تفترض أنه عندما حدث الزلزال وقت الصلب (متى27/51)، انطلق دخان كثيف سبب صعوبة في التنفس مما جعل يسوع يبدو ميتا قبل أوانه على الصليب. وقد ظل يسوع حيا بكيفية ما في القبر بدون أية مساعدة . وقال مثل ” فينتوريني ” أن يسوع استخدم طاقته المتبقية في الأيام التالية واختفى بعد ذلك .

   وفي القرن العشرين كتب بعضهم بعض الكتابات في هذا الموضوع وافترضوا فيها افتراضات كثيرة وزعموا العديد من المزاعم وأن كانت كثافة هذا الموضوع قد زادت ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين حيث كتبت مجموعة كتاب الغنوسية الجديدة أو الوثنية الحديثة أو ما يعرفون بمتأملي العصر الجديد “New Age speculation  ” الذين يذهبون في اتجاه معاكس محاولين أن يعيدوا تأسيس التاريخ .

ففي سنة 1920م افترض ” أرنست دوكر ” أن يسوع سقط في حالة من التصلب المغناطيسي  أو التنويم المغناطيسي الذاتي , وأن الذين شاهدوا الصلب أخطئوا وظنوا أن يسوع مات .

  وفي سنة 1957م أفترض كل من ” روبرت جريفز ”  و ” يشوا بودروا ” ، أن يسوع سقط في غيبوبة وهو على الصليب وفشلت قوة دفع الحربة في اختراق الرئتين ويعتمد على قول الأحمدية أن المسيح لم يمت على الصليب وأن انسياب الدم والماء من جنب المسيح يدلان على أنه كان حياً .

  وفي سنة 1978م تم ترجمت مخطوط ” تلمود عمانوئيل ” المزيف حديثاً من اللغة الآرامية إلى الألمانية ثم إلى الإنجليزية , ويعتبر بالنسبة للمسيحية واليهودية فكر هرطوقي ، والذي أكتشف سنة 1963م وزعم أن عمانوئيل (يسوع) سقط في غيبوبة وهو على الصليب وأن يوسف الرامي فقط هو الذي لاحظ أنه لم يمت على الصليب .

  وفي سنة 1982م زعم البروفيسور ” جّي . دي. أم. ديريت ”  أن يسوع سقط في حالة من اللاوعي أو في حالة من الغيبوبة الذاتية أثناء صلبه وظن المشاهدون أنه مات وطعنه الجندي الروماني في جنبه بحربة , ويبدو عدم إصابة قلبه ورئتيه , وزعم أن يسوع استفاق ذاتياً من هذه الحالة في القبر .

  وزعمت ” باربارا ثيرنج ” أنهم أعطوا يسوع سم الحية على الصليب الذي جعله في حالة لا وعي واستفاق من هذه الحالة وهرب من القبر بمساعدة أصدقائه. واستقر في روما نهائياً .

وفي سنة 1965م نشر اليهودي ” هوج سكونفيلد ” كتاباً بعنوان ” مؤامرة الفصح ” ، وافترض فيه أن يسوع تم تخديره وتسكين آلامه علي الصليب فبدا وكأنه ميت .

  وفي النصف الثاني من القرن العشرين ظهر  أهم كتاب وألأكثر  مبيعاً وانتشاراً في هذا المجال بعنوان  ” الدم المقدس الكأس المقدسة ” ، والذي كتبه الكتاب الثلاثة ” ميشيل بيجنت ” ، و” ريتشارد لي ” و” هنري لنكولن “، وتم نشره سنة 1982م . جاء فيه أن المسيح صلب ولكنه لم يمت على الصليب بل أغمى عليه وخرج من القبر حياً . ويتحدث الكتاب أيضاً عن رشوة بيلاطس البنطي كي يسمح بانزال المسيح من على الصليب قبل مفارقته الحياة . وبرغم ذلك يعترف الكتاب الثلاثة بعدم مصداقية نظريتهم هذه ويقرون بأنها ليست التفسير الأكثر واقعية لهذا الدليل المزعوم في الكتاب. ويعترفون أنها مجرد نظرية تأملية لا أكثر ولا اقل .

  وفي سنة 2006م نشر أحد كتاب ” الدم المقدس الكأس المقدسة ” وهو ” مايكل بيجنت ” كتابا جديدا يتكلم في نفس موضوع الكتاب الأول، وتتلخص نظرية هذا الكتاب في الادعاء والزعم بأن المسيح نجا من الصلب بمؤامرة من رفاقه الذين خدروه علي الصليب بمخدر جعله يفقد الوعي ويبدو وكأنه ميت .

مما لا شك فيه أن ” نظرية الإغماء ” لا تعدو غير كونها مجرد إفتراضات تفتقد  الدليل والبرهان والحقائق العلمية .  ولا يوجد فيها أي تخمين مبني على ما جاء في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ,  أو حتى في الأساطير التي انتشرت في العصور الوسطى .  ومن الواضح أنه لم يصدر في الزمن القديم مثل هذا الإدعاء  بالرغم من الهجوم العنيف المتكرر الذي صادفته المسيحية ,  وكل السجلات تؤكد موت المسيح على الصليب . كما ان علم الطب يؤكد أن المسيح لم يكن من المحتمل أن ينجو من الموت بسبب شدة الجلد وتأثير الصلب .

أدوات  صلب المسيح

يرى الكثيرون أن الفرس هم أول من أخترع الصليب كآلة إعدام وتعذيب قاسية جداً تطبق على مقترفي الآثام الخطيرة . وطبقها في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد . ويذكر المؤرخ اليوناني “هيرودوت ” أن الملك الفارسي ” داريوس ” قام بصلب ثلاثة آلاف من سكان مدينة بابل . واستخدمت في مصر في القرن الخامس قبل الميلاد ، واستخدمها بعد ذلك ” الإسكندر الأكبر ”  وأهل قرطاجنه بشمال أفريقيا وأخذها عنهم الرومان واستخدموها بكثرة . ولأن هذه العقوبة كانت قاسيه جداً ورهيبة فلم تطبق قط على الأحرار سواء الإغريق أو الرومان وإنما طُبقت على العبيد والثوار غير الرومانيين .

كما أن هنالك ثلاثة أنواع من الصلبان ، نوع على شكل حرف T , وآخر على شكل حرف X والمسمى بصليب القديس اندراوس , والثالث يتكون من عارضتين متقاطعتين † , وهذا النوع هو الذي صلب عليه السيد المسيح . وتم استخدام  مسامير معدنية مدببة الرأس بطول 5- 7 إنجات غرست في معصم اليدين بمسافة إنج واحد أسفل راحة اليدين . وحقيقة الصلب هذه تختلف عن الموجود في اللوحات والأعمال الفنية المتنوعة حيث المسامير مثبتة في راحة الكفين , والتي لا تزال تمثل الرمز القياسي للصلب. ولكن , لا يمكن من الناحية الطبية أن يكون الصلب قد تم بغرس المسامير في راحة الكفين حيث سيتمزق الجلد حتماً بسبب ثقل الجسم الذي سيسقط من على الصليب نتيجة ذلك . ومن الجدير بالذكر أن الرسغ أو المعصم يعتبر جزء من اليد في لغة ذلك الزمان .

هنالك من يثبر الشكوك بين أونة وأخرى حول حقيقة استخدام المسامير , ويدعي ربط القدمين واليدين بالحبال عند وضع المسيح على الصليب . وبالرغم من استخدام الرومان للحبال بدل المسامير في بعض الأحيان , إلا أن التنقيبات التي حصلت في القدس عام 1968 عثرت على حوالي 36 من بقايا  رفات اليهود الذين ماتوا خلال ثورتهم ضد الرومان عام 70م , ووجد مسمار بطول 7 إنجات مغروساً في القدم مع قطعة من خشب الزيتون التابعة للصيلب الذي صلب عليه أحد الضحايا ويدعى ” يوحنان ” . ويؤكد هذا الإكتشاف أصالة وصحة تفاصيل صلب المسيح التي وردت في كتب البشارة .

ألتعذيب قبل الصلب

  بعد إدانة المخلص  والحكم عليه بالإعدام صلباً كان لابد أن يجلد حسب عادة الرومان حتى يسيل الدم من معظم أجزاء جسده ، وكانت عملية الجلد هذه تسرع بالموت  . وكان السوط المستخدم عادة هو سوط قصير له عدة أفرع من سيور الجلد ذات المنحنيات التي لها أطوال عديدة وبها كرات من حديد أو قطع حادة من عظام الخرفان التي كانت مثبته بين الفواصل . وفي مقر الجنود الرومان تم جلد يسوع المسيح بقسوة . وكان عدد الجلدات حسب الناموس اليهودي أربعين جلده . ولكنه جُلد ما بين 40 جلدة في 3 سيور جلد في 3 قطع عظم أو حديد (40×3×3= 360)، و 100 جلدة × 3 × 3 = 900، أي أكثر من 350 إلى 900 قطعة حديد أو عظم انغرست في جسده ، فتهرأ جسده بشدة وقسوة وصار الدم ينزف من كل هذه الأماكن فضلا عن لسعات السياط الجلدية القاسية جداً في آلامها .  كما بدءوا يسخرون منه . وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم .   فبعدما جلدوه ألبسوه ثوباً أرجوانياً كان من الطبيعي أن يلتصق بجسده المتهرئ بشده وعند نزعه من على جسده ينزع معه الطبقة الخارجية من الجلد المصاب بشدة مع الدم المتجلط ويعيد فتح جروح الجلدات من جديد ويسبب له آلاما قاسية جدا لا تطاق ، فقد تفوق الجنود الرومان على كل أساتذة التعذيب في تعذيبه . ثم وضعوا على رأسه إكليلا من الشوك مبطناً بالأشواك الحادة  التي تنغرس  في الرأس وفي الجبين وتسبب آلاماً رهيبة وقاسية جداً . ثم بصقوا عليه وضربوه على الرأس بعصا خشبية , وهذه الضربة أو الضربات على الرأس تفقد الإنسان توازنه. وبعدها نزعوا عنه الثوب الأرجواني الذي كان قد ألتصق بظهره وبقية الأجزاء المتهرئة من جسده وبتجلطات الدم التي تكونت ، وهذا سبب له آلاماً شديدة وتسبب في إعادة فتح الجروح من جديد . وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه .

لقد ذاق المسيح قبل وضعه على الصليب الآلام الجسدية المبرحة والعذاب النفسي الشديد .

ولا بد من الإشارة إلى الراهبة البندكتينية المتصوفة واللاهوتية  ” القديسة جيرترود العظيمة ” الألمانية الأصل , والتي عاشت عدة تجارب فائقة الطبيعة خلال ال 46 سنة من حياتها في القرن الثالث عشر . فقد أظهر لها المسيح في واحدة من رؤياها الروحية عدد الجروح التي عانى منها خلال تعذيبه ومجموعها 5466 .

ألعوامل التي أدت إلى وفاة المسيح على الصليب من وجهة نظر طبية

يمكن عرض العوامل التي أدت إلى وفاة المخلص يسوع المسيح حسب المراحل التالية :

1- مرحلة قبل التسليم والإدانة

    يذكر الكتاب المقدس ( لوقا 22/44) بأن المسيح قد أمضى الليلة بعد العشاء الأخير بالصلاة , حيث كان يتوقع مقدار الألم وحجم العذاب الئي سيتحمله في اليوم التالي . ومن الطبيعي أن تؤدي تلك المشاعر المقلقة إلى ضغوط نفسية جسيمة يتبلور تأثيرها بمظاهر مرضية متنوعة .  وتشير الآية إلى أن المسيح تعرّق دماً ( وأخذه الجهد فأمعن في الصلاة , وصار عرقه كقطرات دم متخثر تتساقط على الارض ) .  ومثل هذه الحالة معروفة في الحقل الطبي  وتسمى ( هيماتوهدروسز ) ولكنها تظهر نادراً . وتحدث في الظرف الذي يعاني الإنسان فيه من درجة عالية من الضغط النفسي كالقلق الشديد الذي يسبب إفراز مواد كيمياوية تمزق الأوعية الشعرية الدموية المتواجدة في الغدد العرقية وبذا تتجمع كميات من الدم فيها , فلذلك يظهر التعرق مصحوباً بالدم . ويصبح  الجلد هشاً جداً ويتأثر بالجَلد بحساسية فائقة

2- مرحلة بعد التسليم والإدانة وقبل الصلب

    يؤدي الجَلد القاسي بالأسواط التي ذكرت أعلاه إلى تخدش  وتشقق الأنسجة الخارجية للجسم ومنها سطح الجلد والعضلات المجاورة , وتسوء الحالة بتكرار الجَلد . وقد جُلد المسيح امتداداً من الكتفين إلى الساقين .

أحياناً تحدث الوفاة من شدة الجًلد وعنفه قبل تنفيذ عملية الصلب . وما عدا ذلك تعاني الضحية من آلام مبرحة , وتدخل في حالة الصدمة الناتجة عن فقدان الدم ونقصانه  . وكتحصيل حاصل لهذه الصدمة تظهر الأعراض المرضية التالية :

 * تسارع ضربات القلب , حيث يحاول القلب أن يضخ ما يمكن تعويضه من الدم المفقود , رغم عدم توفره بالكمية الكافية لذلك .

* إنخفاض ضغط الدم الذي يؤدي إلى فقدان الوعي أو الإغماء

* توقف وظيفة الكليتين عن إفراز الإدرار بغية الحفاظ على السوائل المتبقية في الجسم من جهة , والتعويض عن المفقودة من جهة أخرى

* ألشعور بالعطش الشديد والتلهف لشرب الماء .

لقد لوحظت كل هذه التغييرات المرضية  على المسيح حين حمله الصليب واستمرارالجًلد  , حيث سقط على الارض مغشياً عليه مما دعى الجندي الروماني أن ينادي ” سيمون القيرواني ” لحمل الصليب بدلاً عنه ( متى 27/32 , مرقس 15/21 ) . كما أن المسيح قال وهو معلق على الصليب ” أنا عطشان ” ( يوحنا 19/28 ) , فليست هنالك أية شكوك عن الحالة الحياتية الحرجة والشديدة التي وصل إليها المسيح جراء الجَلد القاسي وحتى فبل دق المسامير وغرسها في رسغيه وقدميه .

3- مرحلة الصلب

    يؤدي دق المسامير المستخدمة في الصلب حسب المواصفات المذكورة آنفاً وغرسها في المعصم إلى سحق العصب الوسطي الذي هو أكبر أعصاب اليد ,  وعند إصابة هذا العصب تعاني الضحية من آلام مبرحة لا تُحتمل . يمكن القول عموماُ , بأن الآلام التي يسببها ضرر الأعصاب , من النادر أن يوازيها أي ألم في الجسم بسبب آخر , فكيف إذا شمل الضرر العصب الوسطي لليد , إذ يتعذر التعبير لغوياً عن شدة الآلام التي يشعر بها المصاب جراء ذلك . وقد حصلت آلام إضافية  بعد  غرس المسمار في القدمين وسحق أعصابهما أيضاً .

4- مرحلة التعليق على الصليب

  قد يحصل خلع في مفصل الكتف الايسر والابمن بسبب التعليق على الصليب وكون الاطراف العليا ممدودة . إلا أن التعليق العمودي على الصليب يعني الموت المحقق  اختناقاً  ببطء وبألم . ويتبادر السؤال : كيف يتم الإختناق  ؟ ألجواب : أن الشد على العضلات والحجاب الحاجز يجعل الصدر في وضع الشهيق , وعند محاولة إطلاق الزفير يضطر الجسم إلى دفع القدمين نحو الأعلى كي يخفف من الشد الحاصل على العضلات , وخلال هذه المحاولة يمزق المسمار أنسجة القدم محدثاً آلاماً جديدة , وبعد تحقيق الزفير يسترخي الجسم ثم يستنشق ثانية , وعند تكرارعملية الزفير تعاد محاولة دفع الجسم نحو الاعلى  ثانية , مع الإضطرار إلى ضغط الظهر المدمى على خشبة الصليب الخشنة فتتوسع  الخدوش والشقوق  . تستمر تلك المحاولات حتى يصل الجسم مرحلة الإعياء الكامل وعندها يتعذر عليه الدفع ويتوقف التنفس .
ومن الناحية الفسلجية فإن بطء التنفس الناتج من التعليق على الصليب يؤدي إلى ما يعرف

بالتنفس الحامضي , حيث يذوب ثاني آوكسيد الكاربون منتجاً حآمض الكاربونيك آلذي يزيد حموضة الدم , وهذه بدورها  تؤدي إلى عدم انتظام ضربات القلب , ثم يتوقف القلب نهائياً عن الخفقان ويحصل الموت . أحسّ المسيح بما حصل لقلبه فصاح بأعلى صوته ” يا أبتِ , في يديك أجعل روحي  “! قال هذا ولفظ الروح ( لوقا 23/46 ) ،

من ناحية آخرى ، فإن استمرار تسارع ضربات القلب الناتج من صدمة نقص الدم يؤدي إلى خذلان القلب وعجزه , ويعقبه كتحصيل حاصل إنصباب جنبي في شغاق الرئتين وفي شغا القلب . لذلك حينما طعن الجندي الروماني برمحه جنب المسيح للتاكد من موته , إخترق المح الرئة ثم القلب . وعند سحب الرمح خرج السائل من الشغافين وخرج الدم من القلب .

وتجدر الإشارة آن الكتاب المقدس لم يحدد آياَ من الجانبين طعن به المسيح بالرمح ، ولكن على الأغلب طعن في الجانب الأيمن كما تصوره الأفلام السينمائية . ومن المعروف أيضاَ من الناحية الطبية ، أن عجز القلب يؤدي إلى إنصباب جنبي أيمن أولاَ . والمتوقع خروج السائل الرائق قبل الدم . لكن البشير يوحنا الذي شهد صلب المسيح أورد في إنجيله الدم أولاَ ( فخرج لوقته دمٌ وماء ، يوحنا 19/  34 )

يعزو اللاهوتيون سبب اختلاف هذا التسلسل عن الأكثر قبولاَ طبياَ إلى الإغريق القدماء الذي ينصب اهتمامهم على تسلسل الأمورحسب أهميتها وليس بالضرورة حسب تسلسلها الفعلي . لذلك ذكر القديس يوحنا الدم قبل الماء لأهميته

ألإستنتاج

إعتماداَعلى الحقائق التاريخية والعلوم الطبية ونتائج التنقيبات ، وبالإضافة إلى القوانين  العسكرية الرومانية ، من الممكن القول بثقة بأنه لا يمكن ليسوع المسيح بأي حال من الأحوال ألا أن يفارق الحياة وهومعلق على الصليب ، علماَ أن حالته الحياتية كانت حرجة وخطرة بسبب صدمة قلة الدم وقبل تنفيذ عقوبة الصلب . ومن المستحيل أن يتظاهر بالموت لاستحالة التظاهر بتوقف التنفس لفترة طويلة . كما أن طعنة الجندي الروماني أكدت حدوث الوفاة ، ولن يعرض الرومان حياتهم لعقوبة  الموت بالسماح للمسيح بالمغادرة حياَ

إن كل ما يكتب أو يعلن أو يشاع خلاف ذلك مجرد نظريات من نسج الخيال لا تستند إلى شواهد حقيقية وتتناقض مع العقل والمنطق

ألمراجع

الطبعة الثامنة  1978  مؤسسة نوفل بيروت  لبنان .ميخائيل نعيمة . جبران خليل جبران , حياته, موته, أدبه, فنه .

الكتاب المقدس . دار المشرق ش.م.م. بيروت لبنان 2015 ألطبعة الأولى

د. فريز صمؤيل . موت المسيح حقيقة أم افتراء . مكتبة الأخوة , ماسوشيتس , ألولايات المتحدة الأمريكية 2005

القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير . موت المسيح وقيامته حقيقة أم خدعة أم أسطورة؟ . مطبعة المصريين , 2009 م ألطبعة الاولى

ChurchPOP Editor . The Exact Number of Wounds Suffered by Christ, As Revealed to a  Medieval Saint . March 15, 2018 .
Lee Strobel. The Case for Easter. Zondervan. Michigan USA. 2003

شاهد أيضاً

مع اعلان روميرو قديسا منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام

مع اعلان روميرو قديسا منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام بقلم الأب نويل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *