أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / اللاهوت الليتورجي

اللاهوت الليتورجي

اللاهوت الليتورجي

الاب بولس ثابت حبيب

   كما نعرف ان اللاهوت هو الكلام مع وعن الله. اللاهوت ذو الطبيعة الليتورجية هو: ” الكلام عن الله انطلاقا من الكشف الالهي الذي يلاحظ في طبيعته الاسرارية, الذي به يجتمع حدث الخلاص مع الطقس الذي يقدمه. في هذه الحالة يكون اللاهوت الليتورجي  بالضرورة وقبل كل شيء لاهوت التدبير الخلاصي, اي لاهوت حضور وفعل الله في العالم, الذي يريد  ان يتحقق في العالم كخلاص ابدي ضمن ابعاد انثروبولوجية[1]

  ان تدبير الخلاص هو تاريخ يُكشف وفي نفس الوقت يتحقق بالمسيح في الكنيسة التي تعيش ما بين ما قد اعلن اولا وبين ما يتحقق من ذلك الاعلان الانجيلي[2]. التأمل اللاهوتي حول ابعاد البشرى الانجيلية يصاغ حسب معطيات اللاهوت الكتابي, بنفس المستوى التأمل حول ابعاد التحقيق لهذه البشرى من خلال الاسرار يخطط له ويصاغ في اللاهوت الليتورجي, اي هو تأمل يستخلص المحتوى اللاهوتي لليتورجيا  من الممارسة الاحتفالية الطقسية, وبواسطة نفس السياق الليتورجي يوضح محتواه[3]. ان الاحتفال الليتورجي اذن ليس مجرد حركات ومراسيم ورتب جمالية, بل هو تعبير لموضوع الايمان المسيحي الذي يجسد من خلال الاحتفال ورموزه والموقف الخاص الذي يتبناه المؤمن فيه. ليس هذا فقط, بل ان الاحتفال ليس تمثيلا شكليا للحقيقة, بل تجسيدا واقعيا لها, فكل ما يعمل ضمن الاحتفال انما هو تحقيق لموضوع الايمان, اي فعل الله الخلاصي الذي نؤمن به والذي عمل ضمن محطات الخلاص الكبرى يتحقق ويصبح انيا في الاحتفال الليتورجي.  هذا ايضا يعني ان الكلام عن الله سيكون حسب تعابير ليتورجية, اي ضمن: ا اسرارية الكشف: ان الكشف الألهي يأتي دوما عبر ” سر ما “, وهكذا بما انه يُستلم ضمن السر فانه يُدرس ضمن السر ايضا. ان كلمة الله هي ابدية, غير مرئية لانها موجودة قبل ان يكون شيء ما, تصبح مرئية عندما تكشف من قبله في الوحي في رموز احد الحوادث. ان ظهور ما هو الهي وغير مرئي في برنامج الوحي الالهي يصل ذروته في سر التجسد, عندما يصبح الاله انسانا حيث انسانية يسوع هي سر لله[4]. منذ التجسد يصبح سياق الكشف الالهي مستمرا في الليتورجيا. الليتورجيا ليست مستودعا رئيسيا للايمان فقط, ولكن على نورها يمكن فهم الايمان. ب- في السر – المسيح يوجد كمال الكشف الالهي: المسيح في انسانيته هو سر الله, اي من خلال شخصه التاريخي والمنظور وتحقيقه للخلاص كشف عن الله وثالوثه وفعله. من خلال هذا السر يمكن التواصل مع الحقائق العظمى التي ليست مجردة, بل حقائق ايمانية تُختبر. من هذا الاختبار الناتج بسبب فهم سر المسيح يستطيع المؤمن ان يصل الى فهم اعمق للحقائق الالهية الاخرى التي يكون المسيح سرا لها. تقول احدى تراتيل فترة البشارة: ” ارزا ربا دكسا ىوا من دراُ ومن شربةا. بحرةا دعلماُ لن اةهلي. يحيديا هير ىو دايةوىي بعوبا ديلودى. اةا ونسب دموةا دعبدا بطيبوةى. وىو اشةعي وهلا لن. عل ىيمنوةا هميرةا دةليةيوةا. السر العظيم الذي كان مخفيا منذ اجيال وازمنة. في نهاية الدهور كشف لنا. الابن الوحيد الذي كان في حضن والده. اتى بسبب نعمته واخذ صورة عبد, وهو حدثنا وكشف لنا الايمان الكامل بالثالوث[5] . ج- التدبير الخلاصي مدبرنوةا: نقصد بهذا التعبير ما كشفه الله عن ذاته وعن واقعه في تاريخ الخلاص, اي ما كشفه لاجل خلاص الانسان. الليتورجيا هي الاستمرار لهذا التدبير الذي هو تاريخ الخلاص بالفعل من خلال الرموز والرتب الطقسية. يتضرع الكاهن الذي يقدس ويطلب حلول الروح القدس على التقادم: ” ونحن ايضا يا رب عبيدك الضعفاء المجتمعون باسمك والقائمون امامك الان, وقد استلمنا بالتعاقب ما رسمه ابنك, فاننا نحتفل بفرح واكرام بذكرى هذا السر العظيم, الرهيب, المقدس, المحيي والالهي, سر الام ربنا ومخلصنا يسوع المسيح وموته ودفنه وقيامته[6]. ان التدبير الخلاصي الذي هو السبب الاساسي للكشف التاريخي والتحقيق في الليتورجيا يهدف الى الانسان, ان هذا التدبير ليس له غاية في نفسه, بل موجه الى الانسان. تقول احدى الصلوات التي يحمد بها الكاهن الله, في الازمنة الطقسية المعنونة حسب محطات التدبير الخلاصي: ” لمدبرنوةك مري ةميىةا ولا مةمللنيةا. دبرحماُ وحننا اسةعرة واةهمرة واشةملية لحودةى ولفورقنى دكينن حلشا. برشيةا دمنن. مسقينن ةشبوحةا وايقرا وةوديةا وسهدةا بكلعدن. مرا دكل. من اجل تدبيرك يا رب العجيب والذي لا يوصف. الذي بسبب الرحمة والحنان حدث وانجز واكتمل من اجل تجديد طبيعتنا الضعيفة, بواسطة بكرنا. نؤدي الحمد والاكرام والسجود والشكر في كل حين يا رب الكل[7]. د- حضور سر المسيح: ان قمة التدبير الخلاصي واكتماله انما هي في سر المسيح الذي يرى من خلال التحقيق التاريخي والتحقيق الليتورجي. الليتورجيا هي الاحتفال التذكاري لسر المسيح, وبهذا الشكل تكون حضورا للشيء الذي يحتفل به. التذكر لا يقصد به المرور بالذاكرة على حدث في الماضي, بل هي عيش الحدث ذاته  الأن, هذا يعني ان الحدث يصبح حاضرا الأن والمؤمن يستطيع التواصل معه. بما ان الليتورجيا تجعل حاضرا سر الله كله والذي يتركز في المسيح, فهذا يعني ان نصيغ لاهوتا على ضوء الليتورجيا يعني اننا نقترب من شمولية سر المسيح ونراه لا في الافكار المجردة, ولكن في واقعية حدث حاضر وفعّال. الاحتفال الافخارستي هو مثال واضح لهذا, سر القربان, سر المسيح يفهمنا كل سر الله الثالوث الذي يعمل لاجل خلاص الانسان. احد التراتيل تعظم سر القربان مذكرة بأن هذه العظمة هي انعكاس لمجد الثالوث, القربان هو عطية وحدث فعال من اجل خلاص الانسان يوهب من قبل الله الثالوث: ” ما شبيح فهرك وقديشو دمك ورب ايقرك ايةيا دعمر بمروماُ. وسىدين عيراُ دحزا نبيا دقعو ويببو قديش قديش قديشة. ةليةيوةا قعو ملاكاُ بقودشيىون كد امرين. ةشبوحةا لابا ولبرا ولروح قودشا شوياية. ىب لن مرن دنودا لك. ونسهود لك كد امرينن. ربا ىي مرن موىبةا دسعرة ؤيد هنسا كلى دميوةاُ شوبحا لطيبوةك. كم هو عظيم جسدك وقدوس دمك ومجدك عظيم ايها الله الساكن في العلى, وتشهد الملائكة التي راها النبي وهي تصرخ قدوس قدوس قدوس انت. لقد نطق الملائكة الثالوث من خلال تقاديسهم. المجد للاب والابن والروح القدس بالتساوي. هب لنا يا رب ان نشكرك ونسجد قائلين: عظيمة هي يا رب موهبتك التي صنعتها لاجل نحن المائتين الحمد لنعمتك[8].

  • اللاهوت يصبح ليتورجيا

الليتورجيا هي مصدر اللاهوت لان هذا الاخير يستمد محتواه من خبرة الايمان سواء كانت شخصية او جماعية التي تتأطر ضمن الكنيسة. ان كل تحديد وصيغة لاهوتية لا يمكنها ان تنفصل او تتناقض مع حقائق الايمان. بكلمة اخرى هذا يعني ان كل لاهوت اصيل يصبح ” اعتراف ايماني[9]. هذا يعني ان كل ما نصليه في طقوسنا هو تعبير واعلان لحقيقة الايمان. كل حركة ورمز وصلاة طقسية تصبح تعبيرا للاهوت يكتسب حيويته من خلال الليتورجيا التي هي حيز الخبرة المحسوسة والمباشرة لسر الايمان. ان كل فعل تعبدي انما هو جواب لفعل الله الخلاصي والذي عليه تتأسس حقائق الايمان. فعل الله في الخلق والفداء وعنايته هي من مفردات ايماننا, تصبح الليتورجيا ازاءها فعل اعتراف بالجميل, تقول احدى الصلوات: ” انةو مري شريراية منحمنا دفهرين. وانةو فروقا طبا دنفشةن. ومنطرنا امينا دحيين. ولك مري حيبينن دنودا ونسهود ونشبح بخلعدن. مرا دكل. حقا انت هو يا رب باعث اجسادنا ومخلص نفوسنا الصالح, وحافظ حياتنا الدائم. لك يلزم ان نعترف ونسجد ونحمد كل حين يا رب الكل[10]. ان افعال السجود والشكر والاعتراف انما هي افعال ليتورجية تعكس موقف المؤمن بالخلاص.

[1] S. MARSILI, Teologia Liturgica, in DdL 2014.

[2] المجمع الفاتيكاني الثاني, دستور في الليتورجيا, العدد 7.

[3]   M. SODI, Metodo teologico e Lex orandi, in Il Metodo Teologico,  Vaticano 2008, p. 211.

[4] السر, وكما نسميه في لغتنا ارزا  انما هو شيء محسوس, مادة طبيعية, كلمة, حركة والخ, تشير الى الحقيقة الاسمى التي تتجسد في ذلك الرمز. ان تصبح مادة ما رمزا احقيقة فهذا لا يعني ان كل الحقيقة هي في تلك المادة, فالحقيقة لا تستنزف في المادة

[5] كتاب الصلوات للطقس الكلداني ” الحوذرا”, ج 1, ص 65.

[6] القداس الكلداني, صلاة قبل دعوة الروح القدس.

[7] الحوذرا, ص 12. ان الصوات الطقسية مملوءة من التعابير التي تضع  حب الله للانسان وخلاصه كهدف  رئيسي للتدبير الخلاصي. مثلا: نشيد التسبيح لصلاة الصباح ليوم الثلاثاء لا سفقين روما وعومقا  السماء والارض لا تستطيع ( الحوذرا 43),  ايضا النشيد: شوبحا لطبا  المجد للصالح, التي تبدا بهذا: ” المجد للصالح الذي من اجل حبه كشف مجده للبشر” ( الحوذرا 28).  ايضا الترتيلة الىا برحماُ دقنية: ” اللهم يا من بمراحمك تنازلت الى الترابيين كمحب للبشر” ( الحوذرا 69).

[8] الحوذرا, ج 3 ص 105, صلاة الليل لعيد جسد ربنا.

[9] M. SODI, p. 218.

[10] الحوذرا, ص 4. هذه الصلاة هي تعقيب على ترتيلة ” لكو مرا  لك يا رب الكل” التي ترتل في الكثير من الرتب الكلدانية.

شاهد أيضاً

الاحد الثاني من الصيف هل جربنا وغرسنا نبتة واهتممنا بها كثيراً؟  كم تحتاج إلى جهد وصبر؟ وكم نحزن لو لم تُثمر؟

    الاحد الثاني من الصيف هل جربنا وغرسنا نبتة واهتممنا بها كثيراً؟  كم تحتاج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *