الرئيسية / المقالات / الاحد الرابع من الرسل : هل اصبح اكتشاف هويتي كإنسان صعباً لهذه الدرجة؟

الاحد الرابع من الرسل : هل اصبح اكتشاف هويتي كإنسان صعباً لهذه الدرجة؟

 

الاحد الرابع من الرسل

هل اصبح اكتشاف هويتي كإنسان صعباً لهذه الدرجة؟

القراءات

الاولى من اشعيا ( 1 : 2 . 6 ، 16 – 17 ) تندد بنكران جميل الله والاستسلام للفساد.

والثانية من الرسالة الاولى الى اهل قورنثية ( 9 : 16 – 19 ، 23) تدعو الى التبشير بالانجيل من منطلق وجداني : ويل لي ان لم ابشر .

والثالثة من انجيل لوقا ( 6 : 12 – 17 ، 20) تنقل خبر اختيار التلاميذ الاولين ليعيشوا بحسب التطويبات ويؤمنوا حضور المسيح بين البشر على مدى التاريخ.

في الفصل التاسع من الرسالة الأولى إلى اهل كورنثوس، نحن امام الرسول بولس الذي يقف بمواجهة الذين ينتقدونه، مؤكدا بقوة على صفة الرسول التي يمتلكها (1-2)، مستندا على حدث دمشق، الذي يُعد بمستوى رؤى سائر الرُسل، للقائم من بين الأموات، وبالتالي: “التفويض الرسولي” والاسس القانونية لحقوقه كرسول (7- 14)، مُستخدما الطريقة الجدلية الرواقية بالسؤال والجواب (أما لنا حق ان نأكل ونشرب؟ لا يحتاج إلى جواب). ولكننا نراه هنا يتخلى عن حقوقه كمبشر، بـ “ان يأكل مما يعمل“، بل ويعتبر التبشير فعلاً تابعاً لصميم كيانه الداخلي والضروري له هو شخصياً، فنراه يقرأ مميزات مجتمعه الذي ينقل له بشرى الفرح والرجاء، كيما يستطيع ان يكون كلاً للكل، ليربح الكل للمسيح (يهودي مع اليهود، ووثني مع الوثنيين)، وهذا ما اعتدنا على قراءته في الكثير من قصص القديسين، الذين يتركون عليائهم ويلعبوا مع الشباب في الشوارع، ويتقاسموا الفقراء والمرذولين حياتهم، على مثال معلمهم ومعلمنا ربنا يسوع المسيح، الذي يتكلم مع السامرية (يو 4)، ويقول عن الأطفال: “دعوا الأطفال يأتون اليَّ” (لو 18: 16). كما في مثال: القديس دون بوسكو الذي كان يلعب مع الشباب ليكسبهم للمسيح، فالبشارة بنعمة المسيح ليست مجرد زق لكلمات ما، او تحفيظ لجمل معية، وانما هي عمل وفكر وروح وحياة، لان “خاتم الرسالة” (وهو ما يُثبت صحة الوثيقة وصحة العمل التي كان يضعها الملك على ظهر الوثيقة)، هو المتلقي للبشرى السارة، الذي يجب ان احبه إلى ابعد الحدود واهبه ما لديَّ من نعمة، بعد التفكير العميق في كيفية إيصال هذه النعمة اليه. ففي البشارة لسنا بصدد عمل تقليدي، وانما بصدد فعل يحتاج إلى السير نحو الأعماق، والتأمل والدراسة للواقع الذي نود إيصال الكلمة له، والدراية الحقيقية بما يتم التبشير به، وهذا يشمل ما نقوله لأولادنا في البيت ولطلابنا في التعليم المسيحي، واصدقائنا في العمل وكذا جرا، فالبشارة التي هي جزء من الكيان المسيحي، يقول عنها الرسول بولس: “انها فريضة“، ويُضيف قائلاً: “الويل لي ان لم ابشر“. فالبشارة هي ليست ترداد لكلمات ما وانما هي حياة تٌعاش فتقودنا إلى اختبار كم هائل من الحب، يفيض فينا فيجعلنا نبحث عمن نهبه وبمجانية، هذا الكم الهائل من الحب الذي استلمناها واختبرناه نحن، ونريده أن يختبر هو أيضا هذا الفرح والحب. واجرة هذه البشارة هي ان لا نأخذ اجرة، بل هي المجانية التي اهب بسببها البشارة (اجرة البشارة هي اللأجرة، لأنها بالحقيقة تكمن في فرح العطاء). والنبي اشعيا (اشعيا بن آموص، ومعنى اسمه “خلاص الرب”، او “خلاص يهوه”)، والذي نَعده امير انبياء العهد القديم، يلتزم بالبشارة الموكلة اليه، فنتقاسم معه في هذا الاحد بعض آيات الاحد الماضي، حيثُما يستمر صوت بُكاء الرب، لان المخلوق لا يستهين فقط بالمخلوق، بل بالخالق ايضاً (الله، قدوس اسرائيل). ففي هذه الآيات (1-9)، نحن بصدد شرح لحالة الانسان مع الهه، مُعبراً عنه بمجموعة من الصفات: الابن – الشعب – الامة – اعضاء الجسم (الرأس والقلب)، وعن هذا الانسان يقول انه: ابن شرير، فاسد ومتمرد على المُربي – شعب لا يعرف مصدر نعمته وحياته (اود ان انوه إلى الطفل يُدرك مصدر طعامه، في حين البالغ لا يُدرك ما يَضعه الله بالفطرة لدى الاطفال وكذا الحيوانات) ولا يفهم ويستهين بالهه – أمة خاطئة – رأس كُلُه مريض وقلب كُلُه سقيم وجسم بالكامل لا صحة فيه سوى الرضوض والجروح والقروح. اننا بصدد نظرة سلبية جدا عن واقع الانسان الذي اهمل الهه، وتركه يبكي خليقته التي لم يخلقها بهذا الشكل. فالهنا لا يقبل الطقوس بدون تقوى، ولا الذبائح بدون طاعة، ولا التقدمات بدون مقدميها، ورُغم انه يرفض شر الانسان، وممارساته الباطلة إلا انه لا يرفض الانسام ذاته، وهذا ما نراه في الآية 18: “تَعالَوا نَتَناقَش، يَقولُ الرَّبّ لَو كانَت خَطاياكم كالقِرمِزِ تَبيَضُّ كالثلْج ولو كانَت حَمْراءَ كالأُرجُوان تَصيرُ كالصُّوف. 19 إِن شِئتُم أَن تَسمَعوا فإِنَّكم تأكُلونَ طَيِّباتِ الأَرض 20 وإِن أَبَيتُم وتَمَرَّدتُم فالسَّيفُ يأكُلُكم لِأَنَّ فَمَ الرَّبِّ قد تَكَلَّم“. فهل حقيقة كسونا بشرتنا كبشر، بهذه القسوة؟ وتركا الرسالة التي وُكلت الينا منذ الخلق؟ يُكتب على بعض الافلام القصيرة: انك حين تراها: “لابد ان تبكي“، وحقيقة هذا الذي يحدث، لاننا بصدد واقع مؤلم لانسان فقد رسالته الحميمة للكون اولا واخراً “انسان”، فالله لا يكف عن ارسال الرسل مذ تلامذة يسوع الذي نقرا اسمائهم في انجيل هذا الاحد، ومن قبلهم وبعدهم، كيما نعيش معاً في ملكوت بدايته اليوم، وهنا اود التنويه ان الله لا يترك المُرسل من غير تطويبة تحميه من شر الشرير: فطوبى له اذا بكى، وطوبى له اذا جاع، وطوبى له اذا اُبغض وطُرد ونُبذ، لان اجره في السماوات عظيم، أفلا ينطبق هذا ايضاً علينا حينما نُجسد بشارتنا في حياتنا، فنفرح مع الهنا ونبكي معه لما يحدث للانسان ومن خلال الانسان لأخيه الانسان؟

شاهد أيضاً

الاحد الخامس من الرسل اليوم: هل نخضع للانبياء الكذبة او علينا ان نكون نحن انبياء العليّ؟

الاحد الخامس من الرسل اليوم: هل نخضع للانبياء الكذبة او علينا ان نكون نحن انبياء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *