الرئيسية / المقالات / أين أنا من الكاهن وأين الكاهن مني؟

أين أنا من الكاهن وأين الكاهن مني؟

أين أنا من الكاهن وأين الكاهن مني؟

د. صباح قيّا

أكرر ما سبق وأن ذكرته سابقاً بأني اقف على مسافة واحدة من كافة رعاتنا الأجلاء بغض النظر عن درجتهم الروحية أو موقعهم الوظيفي، ولكن موقفي هذا لا يحول دون الإشارة، عند الضرورة، إلى السلبيات لتجاوزها، أو الإشادة بالإيجابيات بُغية دعمها من جهة وتطويرها من جهة أخرى . أتشوق أن أصادف راعياً  يتوسط المثلث الإيماني المتساوي الاضلاع والمتمثل، من وجهة نظري الشخصية، بالموعظة على الجبل (متى 5: 1-48) في زاويته العليا، وثمار الروح القدس (غلاطية 22:5-23) في الزاوية الجانبية اليسرى، ومواهب الروح القدس (إشعيا 11: 2-3)  في زاوية المثلث الجانبية اليمنى.

 مما لا شك فيه أن المسيحية عموماً ستزدهر، والكلدانية خصوصاً ستستيقظ،  إذا التزم رجال ديننا الأفاضل بجوهر المثلث الإيماني أعلاه، وحتماً سيصبح كلٌ في كنيسته قدوةً لرعيته. ولكن … أه من ال “لكن” ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يُدركُهُ،  تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ
أرفض الرأي القائل، مع جلّ احترامي لحامله، بأن الكاهن إنسان حاله كحالي .. نعم هو إنسان خُلق على صورة الله ومثاله (تكوين 1: 26 – 27) كما خُلقت أنا، مع الفارق الشاسع بيني وبينه . ألكاهن نذر نفسه لخدمة الرسالة الإيمانية متسلحاً بالقيم والخصال التي وردت في آيات الكتاب المقدس، وله من الحياة جزءها الروحي فقط . أما أنا فلي مهنتي ولي من الحياة جوانبها المتعددة حسب اختياري ورغبتي وأحياناً حظوظي وفُرَصي  ….

لا يختلف إثنان منطقياً بأن الصورة أعلاه والتي ينبغي أن يكون عليها الكاهن تدخل ضمن العالم المثالي أو الخيال القصصي، أما واقع الحال فيشير إلى ابتعاد الكهنة عنها بمسافات متباينة، وللأسف الشديد قد يتقاطع البعض معها كلياُ فيغدو أسير الإغراءات الدنيوية والحوائج الحياتية، فتصبح الخدمة الكهنوتية مجرد وظيفة يسترزق منها، وليس بالضرورة أن يتمكن عليها  بل ربما يصاحبه الفشل خلال مرحلة معينة من امتهانها، والذي ربما لا يغيّر من هذا الواقع المرير لاعتبارات شتى.

من الحقائق المعروفة أن الذي يتبوأ مركزاُ ما يضع نفسه تحت المجهر شاء أم أبى، ويشمل ذلك راعي الكنيسة، أية كنيسة، حيث حركاته مرصودة، كلماته محسوبة، والأنظار إليه مشدودة. وكما هو متفق عليه أيضاً بأن الكمال للخالق وحده، وليس هنالك بين البشر من هو خالٍ من الهفوات أو الشطحات.

 لذلك يظل التقييم لأي إنسان محصلته بحسب ثقل الكفة الراجحة عنده، حيث يشاد له بالبنان عندما تتغلب عنده  الخصال الحسنة والممارسات الحميدة على ما شذّ عنها عموماً. ورغم ذلك تختلف العين البشرية من شخص إلى آخر، فما تراه عينٌ أبيضاً، قد تراه أخرى شاحباً، وهكذا …. ولكن يظل رأي الأغلبية هو السائد. وللأسف الشديد هنالك من يبالغ في الحكم والتقييم سلباً أو إيجاباً، والدوافع لذلك متعددة. ولن يلام إلا الذي يصدق بأنه الأحسن، ألاذكى، الأفضل، الأكفأ، الأفهم ووو…ما شاكل من الألقاب التمجيدية الجوفاء. وكما أسلفت أعلاه بأن الكل له إيجابياته وسلبياته، له محاسنه وسيئاته، له جماله وقبحه. وبصراحة، لا يُفسد المرء إلا المديح التملقي والتمجيد المرائي. فرجائي أن لا يصدق الراعي ما يوصف به عدى ما حقاُ من صفاته،  فالمدح من غيرِ الحقيقةِ قدحُ.

ربما أكون مخطئاً، فمن خلال ملاحظتي الشخصية وتجربتي مع البعض من الرعاة الأفاضل، تولّدت لدي القناعة بأن قراءتي للعديد من الأمور الحياتية تختلف عن قراءة رجل الدين لها. ما أعتقده منطقاً مقبولاً قد يرفضه أو يتحفظ عليه رجل الدين. وما أستغرب مما يصدر عنه، قد يكون هو الصحيح بالنسبة لرسالته

لا شك بأن خبر تسمية غبطة البطريرك كاردينالاً يسعد ويفرح المسيحيين عموماً، كما أنه مفخرة أهل الرافدين بغض النظر عن الإنتماء. الجميع يصفق للمنتخب العراقي عندما يكسب المباراة، والجميع يهلهل عندما يقف إبن الرافدين على منصة التكريم، فلنبتهل بتجرد لهذا التبجيل النادر. قرار البابا ليس مجاملة أو محاباة، وإنما استحقاق. وكما اسلفت أعلاه، ما يراه رجل الدين أبيضاً قد يراه المرء الاعتيادي شاحباً والعكس صحيح . وقبل أن أختم لا بد أن أعرّج على ما قاله لي أحد الآباء اللاتين قبل عامين تقريباً في مدينة “سان أنتونيو، تكساس” عند السلام عليه بعد قداس الأحد، وبعد أن علم أنني من الوطن الجريح. ما قاله بالحرف الواحد : لكم بطريرك يعمل بهمة وشجاعة من أجلكم.

قد لا أتفق مع غبطة البطريرك الكاردينال في بعض الأمور، ولكن يظل الاحترام لموقعه في الصدارة.

تهنئةٌ مني أنا العلماني

مهداة إلى غبطة البطريرك لويس ساكو بمناسبة إعلانه كاردينالاً

أيّها الكاردينالُ لك أسمى التهاني              منَ العالمِ المسيحيْ وكلِّ كلداني
تُرتّلُ بابلُ فتنشدُ آشورُ                          كنيسةُ المشرقِ مجدُ ماضي الزمانِ
بالأمسِ دلّي وهذا اليومُ حاملُهُ                 ساكو فنِعْمَ رجالُ البِرِّ والإيمانِ
كلاهُما لِبَني النهريْنِ مفخرةٌ                    يشُدُّ بها المُسلِمُ كفّةَ النصراني
فليسَتِ ألألقابُ دليلَ وجاهةٍ                     بلْ بيارقُ خُلْدٍ لفهْرسِ الأوطانِ
هيَ المسيحيةُ أرستْ قواعِدَها                 حضارةُ وادي الرافدينْ منَ السُكّانِ
أورٌ وأكَدٌ وسومرُ وبابلُ                         ونينوى تنأى عن عِبادةِ الأوثانِ
صليباً عانقَتْهُ ومِنْ أثرِ الجوى                 نالَ الشهادةَ أهلُها مع الكُهّانِ
فلا غرابةَ أن يُمنَحَ مَنْ أصلُهُ                  مِنْ شعبِ التضحياتِ وحكمةِ الإنسانِ
رُتبةٌ بلْ نعمةٌ في الجوهرِ خدمةٌ              إلى الأعمالِ مُضافةٌ بلا أثمانِ
يا غبطةَ البطريركِ لك تهنئةٌ                  مِنْ إبنِ الرعيةِ مني أنا العلماني
ما أقولُ مِنْ شعرٍ مشاعرُ مخلصٍ            يَقْرِضُ القصيدةَ صِدقاً بلا بُهتانِ
أبسطْ ظِلّكَ على القريبِ والبعيدِ               فالجِذْعُ زينتُهُ تَنوّعُ الأغصانِ
ومجْدُ الأرضِ نعيمٌ زائلٌ ما دام               جَنانُ الربِّ بلا أولٍ ولا ثاني

شاهد أيضاً

الاحد الخامس من الرسل اليوم: هل نخضع للانبياء الكذبة او علينا ان نكون نحن انبياء العليّ؟

الاحد الخامس من الرسل اليوم: هل نخضع للانبياء الكذبة او علينا ان نكون نحن انبياء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *