الرئيسية / المقالات / الكتاب المقدس في فكر اباء الكنيسة ( الجزء 1)

الكتاب المقدس في فكر اباء الكنيسة ( الجزء 1)

الكتاب المقدس في فكر اباء الكنيسة ( الجزء 1)

الاب ثابت حبيب يوسف

غالبية اباء الكنيسة كانوا رعاة ومعلمين تقع على عاتقهم مسؤولية شعبهم وبناء الكنيسة. هذا يكون من احد العوامل المهمة لفهم طريقة تعامل هؤلاء مع الكتاب المقدس. ان احد مصادر الوحي الالهي المهمة عندهم هو الكتاب المقدس. لذلك نرى ان اباء الكنيسة هم اناس متمرسون على قراءة الكتاب المقدس وتفسيره والانطلق منه لشرح محتوى الايمان والاستعانة به. ان كل الكتاب المقدس عندهم هو موحى, فلا يوجد شيء في الكتاب المقدس لا معنى له او قد كتب صدفة, بل كل الكتاب المقدس هو الهي وموحى. من دون هذا الاعتبار لا يمكن للقاريء ان يحصل على المعنى الحقيقي لكلماته وتصبح قارءته سطحية لا غير. هذا يسمى التفسير الروحي. ان هذا التفسير الاخير, اي الروحي, هو في الحقيقة تفسيرا اتبعه كتّاب العهد الجديد. حيث ان العهد الجديد قد صور في العهد القديم الذي هو استباق رمزي له, بينما اكتمل المعنى وتجسد فعلا في العهد الجديد الذي يوضح ما يعنيه القديم. على هذا تتاسس وحدة الكتاب المقدس بعهديه ويفسر جزء منه باخر. ان تفسير الكتاب المقدس هو شيء يحدث في الكنيسة ومن اجلها. انه كتاب لقيادة الانسان نحو الله.

  • الكتاب المقدس مصدر التامل اللاهوتي

ان اللاهوت θεολογια يعني الكلام عن الله. في الحقيقة ان افضل مصدر من خلاله يمكن الكلام عن الله, حسب اباء الكنيسة هو الكتاب المقدس: الانبياء, كتاب الانجيل, الرسول بولس, وابنه الذي تكلم وكشف الاب. يقول القديس هيلاريون اسقف بواتيه: ” في الامور التي تخص الله يلزم الايمان به وفهم ما يسمح هو به لمعرفتنا ان تعرفه بشأنه” ( عن الثالوث 4: 14). ان اباء الكنيسة ارادوا ان يقولوا عن الله كل ما قاله هو عن نفسه من خلال الكتاب المقدس. ان الله اذن هو من يتكلم في اللاهوت وليس موضوعا يدرسه اللاهوت. ان التكلم عن الحقيقة الاخيرة يلزمه معيار دقيق وموثوق به وهذا المعيار ليس الا, حسب اباء الكنيسة, الكتاب المقدس الذي ينير العقل, يقول القديس غريغوريوس النيصي: “ المعيار الامين للحقيقة في كل تعليم هي الشهادة الموحاة من قبل الله” ( النفس والقيامة 3: 49).

ان الكتاب المقدس ليس موسوعة معارف تتعلق بالامور العامة والتي تقبل تحت ذريعة الهية, كلا بل هو تعليم حول الحقائق الالهية, يقول القديس اوغسطينوس: ” لا نقرأ في الانجيل ان الرب قد قال: “سأرسل الفارقليط ليعلمكم امورا حول مسار الشمس والقمر”. في الواقع هو كان يريد تنشئة مسيحيين وليس رجال فلكيين” ( جدال مع فيليكس 1: 10). ان الكتاب المقدس ليس اذن مهنجا لتدريس العلوم الطبيعية, بل رسالته الاساسية هي خلاص الانفس. ان مفكرا مثل اوغسطين كان واعيا بأنه لا يوجد تناقض ما بين حقيقتين: حقيقة التفسير الصحيح للكتاب المقدس وما بين المعلومة الاكيدة في حقل العلوم, لذلك نراه يقف على مسافة واحدة من ” فصاحة فلسفة كاذبة” وما بين ” خرافات تدين كاذب” ( اوغسطين في التكوين 1: 21). حسب اباء الكنيسة تكون حقيقة الايمان ما يعلنه بتلقائية الكتاب المقدس  الذي هو مصدر واساس, دليل وضوابط. ان الكتاب المقدس قد فتح الطريق الى المعرفة العميقة لله, يقول القديس ليون الكبير: ” تعلم ان تعرف قلب الله من خلال كلمة الله” ( الرسالة 5: 46).

  • تفسير الكتاب المقدس كحدث روحي

ان الكتاب المقدس قد فهم على انه اداة لقاء فيه يتصل الله مع الانسان الذي يوجه من قبل الله. يقول القديس هيرونيموس: ” انت تصلي؟ تكلم مع العريس. انت تقرأ؟ هو من يتكلم معك” ( رسالة 22: 25). ان قراءة الكتاب المقدس هي استمرار لما حدث في التكوين (3) عندما كان الله يتمشى في جنة عدن ويتكلم مع ادم. ان الله يتكلم مع الانسان الذي يقرأ الكتاب المقدس يقول القديس امبروسيوس ( رسالة 33). ان الانسان القاريء للكتاب المقدس هو الانسان المصغي الى الله. ان اباء الكنيسة لم يكونوا باحثين يحللون الكتاب المقدس متناسين الهدف الاخير والذي يروي ظمأ نفوسهم: جعل اللقاء ممكنا ما بين الانسان والله في هذه القراءة. ان ما يلزم اولا لاجل فهم معطيات الكتاب المقدس هو الالفة والاتفاق مع نصوص الكتاب المقدس. القديس اوغسطين ينصح بتطبيق مناهج دراسة المؤلفين القدماء الوثنيين والمتبعة انذاك في دراسة الكتاب المقدس: قراءة كاتب ما بعيون اتباعه لا بعيون ناقديه. ان الانجذاب والتعاطف الجذري مع الكاتب هو اساس الفهم الملائم لكتاباته. ان فهم الكتاب المقدس بالنسبة لاباء الكنيسة لا يعني الولوج الى صميم الاشياء المقولة, بل مقاسمة هذه الاشياء بجوهرها كما يقول القديس اثناسيوس حيث يلزم سلوك من قبل القاريء يشبه ذاك الذي كان لكتاب النصوص المقدسة, وهكذا فقط يمكن فهم ما قد اوحاه الله من خلالهم ( اثناسيوس, في التجسد 57).

ان فهم الكتاب المقدس عند اباء الكنيسة كان فقط من خلال اعتباره حدث روحي. لقد اتفقوا جميعا وعلى مر ازمنتهم وتيارتهم الفكرية على هذا الاعتبار: لم يضعوا جانبا ابدا في دراستهم للكتاب المقدس اصله الروحي والالهي ودرسوه حاله حال اي نص انساني عادي كما اعتاد البعض ان يعملوا في التفسير الحديث. ان ما كان شائعا لدى اباء الكنيسة هو, كما يقول القديس غريغوريوس النيصي:” كل ما يقوله الكتاب المقدس هو كلمات الروح القدس” ( ضد ايونوميوس 3, 5, 13). هذا يعني انه توجد هناك ضرورة لمساعدة الروح القدس لغرض فهم وتفسير الكتاب المقدس لان الكتاب المقدس هو ذو طبيعة روحية. ان النص الموحى من قبل الروح القدس يحتاج لفهمه شخصا ايضا مملوء من قبل الروح القدس, والروح الذي عمل في كتّاب الكتاب المقدس يجب ان يعمل في من يقرأه. القديس غريغوريوس الكبير يصرح بأنه لا يستطيع احد فهم كلمات الكتاب المقدس الا من قد نال الروح القدس.

  • الفهم الروحي للكتاب المقدس

حسب اباء الكنيسة  تلزم فطنة وذكاء روحي لغرض قراءة الكتاب المقدس. بخصوص المفسر هذا يعني بانه يلزم فهم الكلمة المقدسة بالروح القدس. بالنسبة للنص يعني هذا انه يلزم استيعاب مقصد الروح القدس وما يريده في الكتاب المقدس ذاته, يقول القديس هيرونيموس: ” نحن نريد الوصول الى حقيقة الكتاب المقدس وروحه” ( تفسير الرسالة الى غلاطية 5: 13). هذا المعنى هو المعنى الروحي المراد من الروح القدس.ان هذا الفهم كان يرمي الى استيعاب ما يريده الله من خلال كلمته.  ان هذه المعنى لا يقصد به اباء الكنيسة ذلك التضاد الذي وضعه الرسول بولس ما بين الحرف والروح ( 2 كورنتس 3: 6), في منهجهم التفسيري الذي كان يميز ما بين التفسير الحرفي والتفسير الروحي الذان كان كلاهما مشروعان عندهما, بل كانوا يشيرون الى الفهم المسبق في التفسير الذي على اساسه ممكن ان يصبح المعنى الحرفي عقيما بسبب الحرف بعد الجهل بمقاصد الروح الالهي في هذه الحروف الى ان المعنى الحرفي, الذي يقتل, الذي قد يجعل من المعنى الحرفي عقيما. او يشيرون الى البحث في كلمات الكتاب المقدس عن مقاصد الروح القدس المخفية وبهذا فقط يصبح العنصر الحرفي والتاريخي للنص واضحا. ان الغاية من هذه الفهم تقوم على اساس قراءة الكتاب المقدس لا كأي كتاب انساني. ان الدعوة هي الذهاب الى ابعد من فهم سطحي والولوج الى لب رسالة الكتاب المقدس. لقد حارب الاباء الكابدوكيين مثل غريغوريوس النيصي والنزينزي فكر الهرطوقي ايونوميوس الذي جعل من الخطاب اللاهوتي عبارة عن خطاب عقلي ونحوي بحت من اجل فهم الله كما لو كان احد المواضيع العلمية. ان اسرارية الله وتساميه يتطلب ايضا موقفا ملائما تجاه كلمته وهذا المعنى هو الملائم الذي يجعل الانسان في وضع المصغي  الى صوت الله المتكلم في الكتاب المقدس.

شاهد أيضاً

Letter from H.B. Patriarch Cardinal Louis Raphael Sako to Iraqis

Letter from H.B. Patriarch Cardinal Louis Raphael Sako to Iraqis Dear Sisters and Brothers I …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *