أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / السامري الصالح، إذا ما عاد اليوم من جديد!

السامري الصالح، إذا ما عاد اليوم من جديد!

السامري الصالح، إذا ما عاد اليوم من جديد!

+ المطران يوسف توما

التقيت بصديق حكى لي أنه عاش خبرة تشبه تلك التي حكاها الرب يسوع في الإنجيل عن السامري الصالح (لو 10/29-37) الذي رفع شخصا جريحا على قارعة الطريق وحمله على دابته وأخذه إلى الفندق ودفع عنه مصرفه وقال إنه سيعود…

قال صديقي، لدي مكتب في مدينة (+) يقع في الطابق الأرضي من عمارة تسكنها عوائل عديدة، ومن بين سكانها شخص يعيش بمفرده، “مقطوع من شجرة” ليس له أحد، ولا أدري لماذا، لكن بسبب مروره أمام مكتبي شعرتُ أنه أتعس إنسان التقيته، فهو وسخ بشكل يجعل سوّاق التاكسي يرفضون نقله، ناهيك عن بقية الناس الذين يقتربون منه، يشمئزّون من رائحته، ويخاف الأطفال من شكله وشعره الأشعث وملابسه القذرة، وفوق كل هذا إن أسوأ ما في هذا الرجل هو لسانه، “الزفر”، كما يقال بالعامية، بحيث لا يسلم أحد من قذعه وشتائمه ومسبّاته التي يوزّعها بسبب أو بغير سبب، ما أن يجلس عندي للحظات كي يشرب استكان الشاي حتى يبدأ بإلقاء التهم والشتائم على الجميع…

صحّته ليست جيدة وكم مرة أخذتُه في سيارتي إلى الطبيب كي يعالجه ويكتب له الدواء الذي أشتريه له، لكنه لا يقتنع ويلقيه أو يهمله، وتبين لي أنني لم أكن الأول في محاولة مساعدته، إذ علمت أن كثيرا من الأصدقاء حاولوا وتركوه.

كانت شقته في الطابق السادس من العمارة التي تخلو من المصعد، لذا أصبح صعبًا عليه أن يصل إلى غرفته، وعاد في أحد الأيام سكرانا، فطلب مني أن ينام في مكتبي على الأرض، لم أستطع أن أرفض لئلا ينام في الشارع، ولم أتمكن من إقناعه أن أساعده كي يصعد إلى شقته، فاضطررت أن أتحمّله لعدة أيام، ينام في المكتب وبقي مرتاحا على هذا الحل ولم أتمكن من “اقتلاعه” وبدا لي أنه قد استقر عندي، ولم تُفِد فيه توسلاتي وبدأتُ أغضب، لكن جلّ ما أدهشني هو أنه غضب أيضا وبدأ يشتمني ويسبّني بكلمات لم أسمع مثلها طوال حياتي.

المهم، وقفتُ هنا متأملا، ماذا أعمل له؟ هل ألقيه في الشارع كما يستحق؟ هل أنادي الشرطة عليه؟ وكنتُ أقرأ الإنجيل ووقعت عيناي على مَثَل السامري، حيث تنتهي القصة بوعد عودَة المحسِن إلى مريضه… وقلتُ في نفسي ها هي بقية القصة، ماذا سيفعل السامري لو عاد إلى الفندق ورأى الجريح قد تعافى، لكن عِوَضَ أن يشكره يبدأ بعتابه وشتمه على تأخّره في زيارته وتركِه لوحده في هذا الفندق التعيس… ماذا سيفعل؟

هنا فكرتُ: ليس المنطق من شأن جميع الناس وهناك من مرّ بخبرات في حياته جعلته غير قادر لا على السلوك السوي ولا على ضبط انفعالاته، ماذا نفعل إزاء مثل هؤلاء؟ هل سيغلبنا “الشرّ” الذي فيهم، أم سنغلبهم نحن بالمحبة والتسامح؟

بالحقيقة وقفتُ أمام امتحان عسير، خصوصًا أني أعرف نفسي عصبيًا وسريع الغضب أحيانا كثيرة، لكن الحياة عركتني وقرصتني مرات عدّة وأجبرتني على التروّي وعدم الاستعجال باتخاذ قرارات الرد حالا، فبقيتُ صامتا وسيطرتُ على نفسي، وأقول الآن بفرح إني سعيد بذلك وتذكرتُ مقولة الحكيم: “إنتقم تَسعَد لحظة وسامح تسعَد دائما”.

كان هذا المسكين ضحية حياته وتصرفاته وسلوكه الذي أبعد عنه الجميع: المرأة والأولاد والأهل والأقارب، ولم يبقَ له سوى اجترار المرارة التي خلفتها فيه حياتُه، وكما أن فاقد الشيء لا يعطيه، لم يبقَ لديه من الطيبة ما يعطي، لذا لم أسمع قط منه كلمة “شكرا” بالرغم من أني لم أقصّر تجاهه حتى أني دفعت الإيجار بالرغم أني كنت في ضائقة آنذاك. لكنني لاحظتُ أن عملي، بعد تلك الخبرة أصبح جيدا جدا بحيث قلتُ في نفسي: لعلها بركة الصبر معه فتحَت لي أبواب الرزق، وهذا صحيح، ولهذا أردتُ أن أقاسِمَك هذه الخبرة وأقول: “طوبى لمن يفهم حياته في ضوء الأذيّة ويقبَلها ويمشي لأن الحياة لا تستحق أن نتوقّف عند السيء الذي فيها”.

سَكَتَ صديقي مبتسما ينتظر مني تعليقا، لكن فكري بقيَ ساهمًا كنتُ أفكر بمَثَل السامري، وقلتُ ماذا لو عاد و”أكلها” من ذلك الجريح، الذي لعله كان أحد أعضاء العصابات الكثيرة آنذاك على طريق اريحا، قد يكون اختلف مع رفاقه فأشبعوه ضربا وأخذوا ما عنده وتركوه بين حَي وميت، هذا الجزء لم يقله يسوع، لأنه لم يكن صحفيا بل معلما، قال لنا فقط ما يكفي لكي نفهم معنى السؤال الأساس: “ومن قريبي؟”…

قاطع صديقي شرودي وقال: كان “ديناري” الأخير لهذا المسكين يوم وفاته لأني كنت الوحيد الذي مشى وراء نعشه وأنا أقول في نفسي: “يا رب، أنت تعرفه أحسن مني، وأنا متأكد أنك ستغفر له وتقبله في ملكوتك مثل ذلك اللص الذي صُلب معك”…

كركوك 24 تموز 2018

عن Maher

شاهد أيضاً

ترجمة مقابلة وكالة اسيا نيوز الايطالية مع مطران زاخو المنتخب فيليكس سعيد الشابي

ترجمة مقابلة وكالة اسيا نيوز الايطالية مع مطران زاخو المنتخب فيليكس سعيد الشابي  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *