أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الصمت، هذا الدواء الناجع الرائع…

الصمت، هذا الدواء الناجع الرائع…

الصمت، هذا الدواء الناجع الرائع…

+ المطران يوسف توما

قبل عشرين عاما، دعيتُ لقضاء أسبوع في فنلندا من أجل طباعة الكتاب المقدس، وبقي لديّ من ذلك البلد ذكريات كثيرة ورائعة، لكن أشدّ ما بقي في ذاكرتي عن هذا الشعب المتميّز (والذي لا ينتمي إلى الشعوب الاسكندنافية) هو حبّهم للصمت والهدوء. وقد سمعتُ أن هيئَة السياحة الفنلندية تفتخر بحبّ الهدوء الذي يتميّز به شعبهم، وتقوم بحملات تسويق للصمت. فيحاولون إغراء الناس كيف كانت فنلندا ‘صامتة’ وكيف يمكن للصمت ان يساعدهم على اكتشاف أنفسهم. وقد حققت هذه الحملة ثمارا كثيرة، بحيث عبرت هذه الهواية إلى جيرانهم السويديين!

لكن الفنلنديين ليسوا لوحدهم عشاق الصمت، فلدى جيرانهم إلى الشرق، الروس أيضا عادةٌ جميلة وهي أنّهم قبل القيام بسفر، يجلسون بضع لحظات في صمت، لاستعادة أنفاسِهم وتجديد طاقتهم. هذا إلى جانب التقاليد الرهبانية والنسكية التي طوّروها عبر القرون وهم ينضّمون رياضات روحية تتميّز بتعلم فن الصمت والتأمل.

قد لا نستطيع السفر إلى فنلندا، ولكن يمكننا ممارسة “الصمت” والتمرّن عليه بالبدء في إبقاء أفواهنا مغلقة على الأقل لمدة دقيقتين كل يوم. وهذا ما توصلت إليه أيضا البحوث النفسية والعلمية ونتج عنها أمور عجيبة إخترت منها:

1 – تقول إحدى الدراسات الرصينة إن دقيقتين من الصمت يمكنها أن تساعد المرء على الاسترخاء، وجاء في دراسة في مجال طب القلب أن للصمت تأثيرا أكبر عليك من الاستماع إلى الموسيقى. وخلصت الدراسة إلى أن للصمت فاعلية تغيير على ضغط الدم والدورة الدموية في الدماغ. ولذلك تقترح الدراسة أن يبقى المرء صامتا لبضع دقائق حتى يصل الى حالة الهدوء المطلوبة، وأعتقد أن هذا مفيد لكل من يعاني من العصبية والتوتر.

2 – بفضل الصمت يتم إعادة تجديد خلايا الدماغ.

نشرت مجلة مختصة بالدماغ وهيكليته ووظيفته (Brain, Structure and Function ) في عام 2013 دراسة عن أثر الصمت على أدمغة الفئران (في المختبرات)، كشفت أنه عندما يتم تعرّض الفئران لمدة ساعتين للصمت التام باليوم، كانت أدمغتها تنتج خلايا جديدة في منطقة دماغية تسمى الحُصين أو قرن آمون (hippocampus)، وهي منطقة بالدماغ ترتبط بالذاكرة والانفعال والتعلم لدى البشر وبقية الفقاريات. وخلصت الدراسة إلى أن الصمت يساعد الخلايا الجديدة على التمايز والتحوّل إلى خلايا عصبية، والاندماج مع النظام الكلي، ما يعني ببساطة أن الصمت يساعد دماغنا على النمو والتجدد.

3 – يساعد الصمت على تطوير المهارات المعرفية واللغوية.

لقد ثبت، على نطاق واسع تأثير التلوّث الضوضائي على المهارات الإدراكية للدماغ البشري. وسجلت إحدى تلك الدراسات أن الأطفال الذين تعرّضوا للأسر (الحبس) أو درسوا في مدارس تقع بالقرب من سكك الحديد أو الطرق السريعة أو المطارات يكون لديهم مستوى منخفض في درجات القراءة وتكون مهاراتهم المعرفية واللغوية أبطأ من غيرهم.

4 – “جميع الأمور العميقة والعاطفية والمشاعر إزاء الأشياء تنبع وتصبح حاضرة بفضل الصمت”.

هذه كلمات كتبها الشاعر والروائي الأمريكي هيرمان ميلفيل (Herman Melville) (1819 – 1891) وقد سبق بها دراسة عام 2013 التي أثبتت فاعلية الصمت على الوضع الافتراضي للدماغ. لأنه قد “لوحظت بشكل مؤكد منافع التأمل والصمت على نفسية المتأمل المتمرّس، في نطاق دراسة “حدود علم الأعصاب لدى الإنسان” (جوزيف موران Moran وآخرون). من حيث التأثير على الشخصية وخصائصها بالتأمل الانعكاسي، أكثر بكثير من مجرد الاعتراف بالذات، أو التفكير بمفهوم الأنا، أو في احترام الذات، على سبيل المثال.

5- الصمت يخفف من الإجهاد والتوتر

عندما يكون الانسان متوترا هذا يعني أنه ليس في حالة صمت، فالصمت واقعيا يقلل من مستوى هرمونات التوتر ويجعل المرء أكثر هدوءًا ومستعدا بأن يأخذ بزمام الحالة التي جعلته في وضع الإجهاد والتعب الفكري.

6- إن الذين يحافظون على الصمت في المواقف العصيبة هم من بين المفكرين الكبار.

 جاء في دراسة في مجلة  Talentsmart أن لدى جميع المبدعين الكبار قابلية واحدة مشتركة وهي الالتزام بالهدوء وقدرة سيطرة على المواقف الصعبة. فهم يستطيعون أن “يدخلوا في الصمت” بالرغم من الفوضى السائدة حولهم وهم يستخدمونه لصالحهم، والأمثلة على هؤلاء كثيرة.

7- في عموم آسيا وفي الهند القديمة خصوصا، يُعَد التأمل الصامت من التقاليد العريقة ويسمى فيباسانا Vipassana، وهذا ما أقرّت به اليوم الحضارة الغربية أيضا لما فيه فوائد صحية كبيرة. ويقال أيضا أن انتشار هذا النوع من التأمل (فيباسانا) استطاع أن يغيّر حياة أناس كثيرين ممن لم يكونوا راضين عن حياتهم بسبب الإجهاد والتوتر والتعب والعصبية.

عندما كنا صغارا في المعهد الكهنوتي في الموصل (في ستينيات القرن الماضي) كان التقليد أن نبدأ النهار بنصف ساعة تأمل صامت، وكان ذلك صعبا عليّ وتطلب الأمر سنوات كي أتعوّد عليه، وغالبا كنتُ أتشكى من الشرود والطياشات أثناء ذلك التأمل. لكني مع التقدّم في السن وتوسّع ثقافتي إكتشفت فوائد تلك الممارسة الصباحية والطاقة الهائلة التي تمنحني إياها لطيلة النهار. ففهمتُ أن تلك الخبرة ناتجة عن أجيال سبقتنا جعلت كثيرين يتمكنون من التقدّم إذا ما قرّروا ذلك. لذا أنصح القارئ أن يجد لنفسه (كلّ شهر أو كل سنة) فرصة لبضعة أيام كي يمارس الصمت، ويركز على موضوع إيجابي يتأمله في فكره. أقول له: جرّب وسترى أنك في البداية قد تواجه نوعا من الجمود والعطل الذهني، ولكنك بمجرد أن تتقن تقنية التأمل، سوف ترى أن له فوائد صحية، نفسية وروحية ملحوظة.

قال المهاتما غاندي محرّر الهند: إن الشعوب التي تتأمل لا يمكن الانتصار عليها.

افعل أنت أيضًا كذلك. أخرج كل صباح إلى طارمة غرفتك أو الحديقة، “إجلس وفكر في أمورك. إنزل إلى أعماق قلبك وإلى أعماق جسدك، فالرحلة طويلة، والبحث عن الحقيقة مغامرة يجب أن تبدأ باستراحة، وهناك استراحة أخرى في نهاية المطاف، لكن لا تهتم بها الآن. عليك اليوم الكفّ عن الدوران حول نفسِك. تحمّل نفسَك بعض الشيء، تحمّل أن تبقى ساكنًا، لِتُرهِفَ السمع والفؤاد. ستُسبّب لك هذه العملية بعض التعب، ولكن كن رحبَ الصدر. فأنت لستَ ذاهبًا إلى نزهة صيد، بل تنتظر لقاء الرب. إخلع عنك كل همٍّ بتؤَدة، كما لو كنت تخلع ملابسك في يوم صيف قائظ. لا تتعجل”. (من كتاب: إن كنت تبحث عن الله، تأليف جان رنيه بوشيه، ترجمة الأب يوسف توما 1983 ص 8).

كركوك 29 تموز 2018

شاهد أيضاً

طقوس كنيستنا

طقوس كنيستنا الاب سنحاريب يوخنا ما المقصود بكلمة “طقوس”؟ نظام وترتيب  هو طقس ق. 40 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *