الرئيسية / المقالات / الاحد الخامس من الصيف

الاحد الخامس من الصيف

الاحد الخامس من الصيف

هل اعتدنا الحياة مع مَن نُحب بالغيرة الايجابية، التي هي نعمة من الله من اجل النمو؟

القراءات

الاولى من سفر اشعيا ( 28 : 14 _ 22 ) تنقل اقوالا نبوية تندد بالظلم والطغيان والكذب.

والثانية الى اهل قورنثية ( 12 : 14 _ 20 ) تنقل رغبة بولس في زيارة جماعة قورنثية ، انها رغبة الراعي الغيور في متابعة الرعية .

والثالثة من انجيل لوقا ( 16 : 19 _ 31 ) تروي لنا مثل الغني والمسكين لعازر . انه نداء الى اقتسام ماعندنا من الخيرات مع اخوتنا المحتاجين.

هل تأملنا في الغيرة التي تُلهب قلب الحبيب على حبيبته، او بالعكس؟ الغيرة هي مدار حديثنا اليوم، والتي تُعبر عن الكم الهائل من الحب (غيرة ايجابية) واحياناً الرغبة العارمة في الامتلاك (غيرة سلبية)، وتتقد كثيراً لدى الطرف المُحب، حينما تظهر علاقة للطرف المحبوب بطرف ثالث، سواء كانت علاقة مبنية على المشاعر او حتى احياناً، مبنية على المصالح والتعاقدات المنفعية، وغالباً ما نبحث عن كذا تعاقدات وقتية، لاننا بطبيعتنا البشرية نُحب كثيراً، الاتكاء على عهود زمنية متوقعين انها ذات اُطرٍ ابدية ومستمرة، لنتفاجأ بحجمها الصغير ومفعولها الضيق في هذا الزمن وفائدتها المنُعدمة في الزمن الاتي. وعن هذا تتحدث القراءة الاولى لهذا الاحد (اش 28/14-22)، حينما تُحذرنا من التعاقدات مع الزمني، تاركين العهد مع الابدي، لأن الابدي غيور جدا، كما تؤكده الوصايا في خر 20/5 “لا تسجد ولا تعبد للالهة الاخرى والمنحوتات لان انا الرب الهك غيور. إن الهنا هو مُتطلب وغيور جدا، فكيف ممكن ان نصف الهنا بالغيور؟ كلمة “الغيرة” باللغة العربي تحمل بين ثناياها معنيين: الغيرة السلبية المُدمرة، والغير الايجابية المُنمية، والاخيرة تعكس الخوف والحرص على الطرف الاخر (وهذا ما نجده في اللغات الاخرى بمصطلحين مختلفين، لذا انوه ان غيرة الله وغيرة يسوع في الهيكل هي بمصطلحات ذات طابع ايجابي). وامام غيرة اله يُحب بهذا المستوى ويُغار لخير الانسان، يجب علينا ان نسمع ونُصغي لما يقوله هذا الاله الغيور، وهو ما تطلبه اول كلمة من قراءة هذا الاحد: “اسمعوا” ” [m;v'”، والتي هي بمثابة دعوة النبي للمستمعين، كي يُعيروا انتباههم إلى الرب الذي سيتكلم، وهو فعل اساسي يجب ان يقوم به الشعب امام هذا الاله المُحب، الذي يرفض تعاهدات وقتية، يريدها حكام الشعب مع اشور، والذي تُعد، بنظر النبي  “التحالف مع الموت”. وردا عليها يضع الرب الامل في الافق، بحجر الزاوية لكل من يؤمن في الآيات 16-17 (هذه الصورة التي نراها في متى 21/42؛ اف 2/20 وغيرها نصوص)، لذا فنحن امام اله كشف لنا صورته الاخيرة في ربنا يسوع المسيح، من حيث انه يتألم، يُعاقب ولكنه يترك المجال للتوبة وعودة العلاقة مع المحبوب. وفي القراءة الثانية لا زلنا مع رسالة الدموع (التي تطرقنا إليها في الاحد الماضي)، بين الاب (بولس) والابناء (القورنثيين): كم هو رائع، دور الاب في العائلة، وهذا الدور الذي لا يقتصر على الجانب المادي وانما ببذل الذات الكاملة، في سبيل الابناء، فبولس الاب يقول لأبنائه: “ابذل كل ما عندي راضياً مبتهجاً، بل ابذل حياتي في سبيلكم“، العطاء الابوي البولسي هو مثال لما يجب ان يمتاز به كل عطاء بين طرفين، فهو:

من جهة الاب: لا يقتصر على الجانب المادي، بل يملئه مفهوم البذل في كل شيء وبفرح، لأنه لا يبغي خيور الابناء بل خيرهم، وفي عمقه يعلم بأن عطاءه لأبنائه يصل إلى حد بذل الذات، كالشمعة التي تنتهي وهي تنير الاخر، وهذا بحد ذاته مُفرح للاب المعطاء والغيور. بالمقابل فهذا الاب المِعطاء حينما يشعر بان حب الابناء له، هو اقل من حبه لهم، وانه ثقيل عليهم بقرارته واراءه، وانه ماكر بالنسبة اليهم، ويريد أن يكسب منهم، فان هذا الاب يبكي وبكاءه يولد رسالة من الالم، لان الابناء لم يُدركوا اهمية عطاءه، ولن يُدركوه إلا بعد خسارته. وفي خضم هذا العطاء العظيم، فهناك دوماً من يحاول ان يسيء إلى سمعة هذا الاب (وفي رسالة الدموع هم ايضاً ممكن اعتمدوا باسم المسيح)، مُدمرين اواصر العلاقة بين الطرفين والتي ستختلف عما يريده الطرفان، فتنتج بذلك (11) خطيئة: الثمان الاولى هي خطايا الابناء الذين يخضعون لاؤلئك الذين يسيئون لسمعة الاب، والثلاث الاخيرة في ختام الآية (21) هي خطايا القدماء. ورغم ذلك فالاب الغيور (بولس) نجده خائف، من ان يرى ابناءه ساقطين بالخطيئة التي ستقتل العلاقة فيما بينهم وستدمر بنائهم الاخوي (الخصام – النميمة – البلبلة – الثرثرة – الوقاحة)، إنه يخاف من ان يُذل فيَحزن على خطايا القدامى (الدعارة والزنى والفجور). بولس يبكي في رسالة الدموع هذه، لأنه امام تربية قد يكون وصل فيها إلى خاتمة مؤلمة، ولكننا نعلم ان الله هو الذي يقف مع المؤمن، فتكون له الغلبة في الاخير. ومقارنة لغيرة بولس الرسول في حماية من هو مسؤول عنهم على الارض، نجد انجيل هذا الاحد (لو 16/31)، يروي لنا حادثة الرجل الغني الذي يلبس الارجوان (لا اسم له)، والذي لم يهتم بخلاص اخوته على الارض ولكنه يهتم متأخراً، بهذا الخلاص بعدما اختبر مكان العذاب (لو 16/28)، انها الغيرة الحقيقة، المُفعمة بحب العطاء، التي تُريد للاخر الخلاص في مسار بدايته هذه الحياة واستمراره في الابدية. وهنا نتساءل: كيف يا ترى تتعاملون ايها المُحبين الغيورين مع من تُحبونهم وتغارون عليهم، هل بغيرة ايجابية نهايتها حرية الاخر في الاختيار تاركين الباب لهم للعودة حينما يُخطئوا، ولكن منبهين اياهم على خطئهم بروح الالم كما يفعل الهنا الغيور وعلى مثاله الاب بولس؟

عن Maher

شاهد أيضاً

الى ضمير الحكومة العراقية: “الصراع الحالي في سهل نينوى هدفه الاساسي لمن يكون؟”

 الى ضمير الحكومة العراقية: “الصراع الحالي في سهل نينوى هدفه الاساسي لمن يكون؟” الكاردينال لويس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *