الرئيسية / المقالات / قصة سلة الفحم

قصة سلة الفحم

قصة سلة الفحم

+ المطران يوسف توما

بعض القراء علق على مقالتي عن الصمت لمجرد أن قرأ العنوان، وبعضهم الآخر فهم أهمية ما إذا كان الصمت تأملا وتمعّنا في معاني الحياة، وتساءل: “لماذا طريق التأمل صعب وممارسته قد تكون مؤلمة والترقي إلى تعاليم الحكمة بانتظام شاقٌ مثل دخول باب ضيق، بل قد نشعر أحيانا كأننا لا نتقدّم فيصيبنا اليأس والخيبة والضجر فنتراخى ونتراجع؟”.

إذا كنتَ مصابا بمثل هذه الأعراض أنتَ أيضا، أدعوكَ إلى قراءة هذه القصة الجميلة …

كان مزارع عجوز يعيش في قرية جبلية مع حفيده الصغير. في كل صباح يستيقظ الجد باكرا ليتأمل ويقرأ ويفكر بتعاليم الحكمة. وكان الحفيد يحبّ جده كثيرا ويحترمه ويريد أن يكون مثله، ويحاول أن يقلده بكل طريقة ممكنة.

في أحد الأيام سأل الحفيد جدّه: “يا جدّي! أنا أيضا أحاول أن أتأمّل وأقرأ تعاليم الحكمة مثلك، ولكن ذهني يطيش دائما، ولا أفهم كثيرا ما أقرأ، وكل ما أنا أفهمه، سرعان ما أنساه بعد فترة وجيزة. ما الفائدة من التأمّل والقراءة والتفكير إذن؟”.

إبتسم الجد، ونظر إليه بمحبة – وكان الصبي يضع الفحم في المنقَل – وأجابه: “يا بُني لكي تفهم هذا، أودّ منك أن تأخذ سلة الفحم الخالية هذه، وتذهب إلى الجدول الذي في أسفل هذه التلة، ثم ارجع بها مليئة بالماء”.

قام الولد بعمل ما طلبه منه جدّه، لكنها كانت سلة من الخوص المنسوج، وكل الماء يتسرب منها قبل ان يصل عائدا الى المنزل. ضحك الجد وقال: “عليك ان تكون أسرع قليلا في العودة في المرة المقبلة”، وأرسله إلى الجدول مع السلة ليحاول مرة أخرى.

في هذه المرة ركض الصبي بشكل أسرع، مع ذلك، مرة أخرى كانت السلة تفرَغ من محتواها قبل أن يصل إلى المنزل. فقال لجده وهو يلهث مقطوع الأنفاس: “إنه يستحيل حمل الماء في سلة كهذه، وأن عليه استخدام سطلٍ بدلا من سلة الخوص تلك!”.

قال الرجل العجوز: “أنا لا أريد سطل ماء؛ أريد سلة من الماء، يبدو أنك لم تحاول بالكفاية”، وفي هذه المرة تقدّم إلى الباب ليشاهد الصبي يحاول مرة أخرى. ومع هذه المرة الأخيرة، أدرك الصبي أنه من غير الممكن نقل الماء بالسلة، لكنه أراد أن يثبت لجده ذلك، بأنه حتى ولو ركض بأسرع ما يستطيع، فإن الماء سيتسرب من السلة قبل ان يصل الى المنزل.

مرة أخرى أغطس الصبي السلة في الجدول، وركض بسرعة وبجهد كبيرين، لكن عندما وصل إلى جدّه كانت السلة فارغة مرة أخرى. فقال وهو منقطع الأنفاس: “انظر يا جدّي … إنها محاولة ميؤوس منها وعديمة الفائدة!”. فقال الجَدّ: “هل تعتقد أنها مسألة غير مجدية؟”. هنا ابتسم الرجل العجوز وبريق من الحكمة في عينيه، وقال: “تعال نلق نظرة على السلة”.

نظر الصبي إلى السلة، وللمرة الأولى لاحظ أنها كانت مختلفة تمامًا. لقد تحوّلت من سلة قذرة، قديمة، لا لون لها سوى لون الفحم الوسخ، أما الآن فقد صارت براقة ونظيفة من الداخل والخارج. كانت تبدو وكأنها جديدة مرّة أخرى.

قال الجد لحفيده: “يا بُني، هذا ما يحدث عندما يتأمّل الإنسان بانتظام، ويقرأ ويفكر بتعاليم الحكمة. قد يبدو لك أنك لا تحقق أي تقدّم، أو قد يعتقد عقلك أنك لا تفهم ولا تتذكر الكثير، ولكن، مع ذلك، إذا ما استمرّيت وأصررتَ أن تفعل ذلك، سوف ترى أن جدول الحكمة والثقافة والحب سيسيل من خلالك ويغيّرك، من الداخل والخارج، وهذه نعمة تعطى لمن يمارس بصدق، من دون ملل أو قلق أو حسابات ضيقة وآنيّة”.

فهم الصبي وبدَت عليه علامات الارتياح من خلال هذا المثال الرائع والشرح الواضح الذي قدّمه إليه جدّه. وهنا تبخّرت كل شكوكه وعدم يقينه، وحل محلها ثقة دافئة ومُشمسة. لقد أصبح يشعر أنه مثل تلك السلة، مشرق وجديد ومتجدّد.

 كركوك 2 آب 2018

شاهد أيضاً

مع اعلان روميرو قديسا منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام

مع اعلان روميرو قديسا منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام بقلم الأب نويل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *