الرئيسية / المقالات / واقعنا البشري الواحد والتباين في المسيرة والمنظر

واقعنا البشري الواحد والتباين في المسيرة والمنظر

واقعنا البشري الواحد والتباين في المسيرة والمنظر

يعقوب اسحاق متي

جميعنا شاهدنا وعرفنا أناساً كثيرين إتّسمتْ مسيرة حياتهم بالطيبة والكرم والشهامة، ذوات الوجوه المشرقة نبلاً وجلالاً، والعقول النيّرة الغزيرة بالمشاريع والافكار البناءة، لهم منجزات إنسانية جمة جديرة بالتقدير والإعتزاز..

وعلمنا أن بعضاً منهم قد أصيبوا بفقدان الذاكرة وبأمراض مُزمنة أخرى في شيخوختهم.  وبتأثرٍ أليم يصعب على المرء رؤيتهم.ومنهم مَن لا يتمكن الوصول الى معرفة أعزّ الناس اليه.ومن المحزن علاوة على كل هذه الحالة المؤلمة قد أضحى  طبعُ بعض منهم خشناً …

فهذه الامراض متما ظهرت، يواجه الإنسان غالباً ما بالابتعاد وعدم مواجهة المريض فما يلبث التخلي عنه تدريجياً،  فيصبح من عداد الراقدين في مثواه الاخيرمنذ سنين طويلة، ثم يغدو اخيراً في طي النسيان.

ولكن هنا نسأل أنفسَنا! هل هذه الشيخوخة الموقرة،وهذا المرض المزمن، يجعلاننا أن ننسى كل ما قام به هذا الإنسان الفريد؟ وهل هذا الوجه الثاني الذي إرتسمه المرض على منظره وقامته، يستطيع أن ينسيَنا الوجه ألاول الذي لم يتوارَ الفرح والابتسامة عن شفتيه، ولم تفارقْ الطيبة والحنان عن شخصه المُحب؟ وهل يا ترى أن العالم الذي فيه دخل هذا المرض يُجيز أن يتغاضى عن هؤلاء الاشخاص الذين عاشوا فيه طويلاً وعملوا بهمة وإخلاص لإجل إزدهاره ؟.

إن المسيح في الإنجيل تجلّى على الجبل أمام التلا ميذ بطرس ويعقوب ويوحنا (مت 17 –  مر9 – لو28:9 ) لغرض ان يصنع لهم وقتاً للعزاء والسلوى، وقتاً ليُظهر إنارة لمسيرته التي ستلاقي بعدئذٍ ألآلآم  ثم الموت. يعيشون خبرة تجيز لهم أن يتذكروا وجهاً وعلى رجاء لمشاهدة الوجه الآ خر.

حدث التجلّي هذا يسمح للتلا ميذ التبصر لإستيعاب معرفة داخلياً من جهة يسوع :” إذا ما  شاهدتموني يوماً مضروباً مشوّهاً مهاناً مقتولاً، فاعلموا أنني دائماً ابن الله، ابن الإنسان الفر يد والعجيب والمُحب الذي يفدي حياته من اجل الحب.واعلموا أن العنف والموت لم يكن لهما ابداً اخر كلمة على  الحياة”.

إنها رسالة تُنير حياة المسيح، حياة التلاميذ وحياتنا نحن ايضاً..كماهي دعوة  لنا بالتأكيد في مسيرتنا على الأرض أن نلقي نظرة على الوجهين اللذين يتضمنان واقعنا البشري  الواحد.. كذلك هي خبرة تقدم لنا أيضاً أن نتبنى النظرة المنبثقة من الحب كي نتبصر شيئاً آخر غير الوجه الهزيل والمجروح والواهن الذي شوّهه المرض والشيخوخة، بحيث نكون أمناء في أوقات ألظلمة والشدائد مثلما لو كانت حياتنا تشّع نوراً وبهجة،  ثم نتذكر جلياً أن الإيمان ليس إلاّ نظرة منبثقة من الحب. وهذا الحب الذي ينفتح دائماً على الفرح وعلى الحياة الخالدة .

إليكم هذه القصة الفصيرة التي عربتها عن الفرنسية (L’écuelle du vieux grand-père )_ (ألإناء الخشبي للجدّ المُسن) وقد وردت أكيداً ضمن ثقافات شعوب كثيرة بصيغة اخرى وباسلوب متباين. تقول :

ذات مرة كان جدًّ مسنً يعيش مع إبنه وكنته، وكان سعيداً جداً بالقرب من حفيد جميل له، يبلغ السادسة من عمره حيث كان يلعب ويمرح ويغني  بجانبه طوال النهار..وفي يوم ما كان الجدُّ يتناول طعامه بصعوبة بسبب الرجفة التي لازمته في يديه النحيلتين. لذلك أُبعِد عن مائدة الطعام واُجلِس في زاوية معزولة لا يراه أحدٌ…وبغتةً نادتْ الكنة :إنه ما زال يُلوّثُ غطاء المائدة! وأضاف الابن: إنه قد سكب نصف عصير شرابه!..وفي احد الايام  سقط إناؤه من يديه للمرة الثانية، فتحطم للحال.. ساعتئذٍ  تمّ شراء إناء خشبي له. قال الإبن: “هكذا من الآن لا يكسر آنيتَنا بعد”.. فكم كان الجدّ المسكين يتمنى الموت ولا هذه الحالة ! أما ألصبي الصغير، لم يكن واعياً بكل هذه ألامور بسبب صغر سنه. فكان يفتكر في نفسه ظاناً بأن الناس المُسنين، تُعطى لهم أنية  خشبية أثناء تناولهم الطعام، ويُشرَف عليهم مثل الصبايا.. ذات مساء، جلس الصبي قريبا من النار وأخذ ينحت بسكينه قطعة خشب كبيرة ..فسأله والده:” ماذا تعمل يا ابني “؟ أجاب الصبي:” ألا ترى جيداً يا أبي؟ إنه إناء خشبي، سأصنعه لكَ عندما تتقدّم في السِن”.إستوعب الوالد ألامر فقال:”كم كنتُ قاسياً وناكرالجميل بحقّ والدي ألمُسِن.هوذا إبني الصغيرالذي علّمتُه أيضاً أن يُضحي قاسياً وناكر الجميل مثلي”..فمسك للحال يد والده المُسن وأجلسه على مائدة الطعام في مكان مقتدر. ومن ألآن فصاعداً أصبح الجدّ الوقور معزّزاً ومكرّماً في الدار…

L’écuelle du vieux grand-père

شاهد أيضاً

مع اعلان روميرو قديسا منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام

مع اعلان روميرو قديسا منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام بقلم الأب نويل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *