الرئيسية / المقالات / صديقي الثريّ والنملة

صديقي الثريّ والنملة

صديقي الثريّ والنملة

+ المطران يوسف توما

في صباح أحد الأيام، جلس رجل ثري في شرفة منزله يتمتع بأشعة الشمس وقهوة الصباح، عندما جلبت انتباهه نملة كانت تذهب من جانب الشرفة إلى الجانب الآخر، وهي تحمل ورقة شجرة أكبر من حجمها عدة مرات. ظل الرجل يراقب النملة لأكثر من ساعة. فرأى أن النملة تواجه العديد من العقبات أثناء رحلتها، تتوقف، تدور حول العقبات، ثم تواصل نحو وجهتها.

وصلت النملة، هذا المخلوق الصغير، في مسارها عند نقطة معيّنة كانت عبارة عن صدع في الأرض. فتوقفت لبعض الوقت، وقادها تحليلها بأن تضع الورقة الكبيرة على الشقّ، وتسير على الورقة، ثم من الجانب الآخر التقطت الورقة وواصلت رحلتَها.

إنبهر الرجل بذكاء النملة، وهي واحدة من أصغر مخلوقات الله. وهذه الحادثة أدخلته في رهبة ودهشة، وأجبرته على التفكير أكثر في معجزة الخلق. إذ بانت له عظمة الرب الخالق. فهنا أمام عينيه كان هذا المخلوق الصغير، الذي يفتقر إلى الحجم، مزوّدا ومجهّزا بدماغ يحلل ويفكر ويتأمل بعقل ويستكشف ويكتشف ويتغلب على الصعاب، فتذكر ما قرأه مرّة أن لدى النمل من الذكاء ما يفوق كل الحواسيب والروبوتات التي يصنعها البشر!

بينما الرجل يتأمل مندهشا، لاحق بنظره تلك النملة، التي كانت قد وصلت إلى وجهتها، أي إلى ثقب صغير في الأرضية، الذي كان مدخلا لمسكنها تحت الأرض. وهنا، عند هذه النقطة إنكشف قصور تفكير النملة، فلم تفكر منذ البداية كيف سيمكنها أن تُدخِل كل تلك الورقة الكبيرة داخل الثقب الصغير، في حين كانت قد كلفتها كل ذلك التعب وعانت بجلبها إلى هناك بعناية حتى مدخل مسكنها؟ المسألة مستحيلة: لن يمكنها ذلك قط!

هكذا، أصيبت تلك المخلوقة الصغيرة بالخيبة، بعد كل الأتعاب المضنية والعمل الجاد وممارسة مهارات كبيرة، والتغلب على صعوبات الطريق، اضطرت النملة، في النهاية، أن تترك الورقة الكبيرة وراءها وتذهب إلى بيتها خالية الوفاض.

إن النملة لم تفكر في النهاية، قبل أن تبدأ رحلتها الصعبة، ففي النهاية أصبحت تلك الورقة الكبيرة مجرد عبء عليها لا شيء آخر، ولم تستفد منها. لم يكن أمام هذه المخلوقة أيُ خيار، سوى أن تترك وراءها غِناها أمام الهدف بالذات.

هكذا تعلم صاحبي الثري في ذلك اليوم من النملة درسًا عظيما، يختصر حقائق جوهرية حول حياتنا الأرضية.

يقلق الإنسان بشأن عائلته، وبشأن عمله ووظيفته، ويقلق حول كيفية كسب المزيد من المال، كما يقلق حول أين يجب أن يختار العيش، ما هو نوع السيارة التي عليه أن يشتري، وأي نوع من الثياب يرتدي، وما هي الوسائل والتقنيات الحديثة التي عليه أن يقتني ليرفع مستواه… إلخ.

كل هذا سوف يجب عليه أن يتخلى عنه عندما يصل إلى وجهته الأخيرة – إلى القبر!

لا يدرك الإنسان، أن مسألة التخطيط مهمة، وأن عليه أن يُدرك، في رحلة حياته، أن كثيرا من الأمور ليست سوى أعباء يحملها بأقصى قدر من الرعاية والخوف من فقده إياها، فقط لكي يجد بأنها، في نهاية المطاف مستحيلة، وأنه لم يفكر في كيفية جعلها مجدية، ولن يستطيع أخذها معه…

المغزى:

كم نحن بحاجة إلى منهجية قويّة بعواقب الأمور! وهذا بالضبط ما يدعونا إليه الانجيل في كل صفحة من صفحاته، من دون أن يغرس فينا الخوف والكآبة، بل الفرح. لأن تلك المنهجية تجعل من الحاضر فرصة للتفكير السليم وأننا على موعد مع صديق وحبيب، كثير من المؤمنين يعتقدون أن مشكلة الدين في عقائده، لكن الحقيقة الجوهرية تقول إنها في نوعية الصداقة التي تشدّنا إلى الرب كصديق، والصديق لا يقلقني لأني واثق بأنه ينتظرني على أحرّ من الجمر.

بغداد 9 آب 2018

شاهد أيضاً

عيد الصليب

عيد الصليب الاب سنحاريب يوخنا    قال غبطة ابينا البطريرك الكردينال مار لويس ساكو الكلي الطوبى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *