الرئيسية / المقالات / مريم المنتقلة الى السماء هي ميناء المسرات

مريم المنتقلة الى السماء هي ميناء المسرات

مريم المنتقلة الى السماء هي ميناء المسرات

تحتفل الكنيسة في مثل هذه الايام شرقا وغربا بعيد انتقال العذراء مريم الى السماء. ان مكانة مريم في اللاهوت متنوعة، تجدها صورة حية ومثال في اللاهوت المتأمل في الوجود الانساني، تجدها في اللاهوت المسيحاني ( الخريستولوجي) وهي الام التي منها تجسد كلمة الله، تجدها في لاهوت الكنيسة لتكون مثال وصورة لشعب الله. ان مريم لم تفارق فكر التقليد الكنسي الاصيل وليتورجيته، فهي حاضرة دوما الى جانب ابنها وفي حضرة الله السامية التي من خلال الليتورجيا تحاول الطقوس الكنسية ربطنا بهذا الحضور الالهي الثالوثي المتسامي والحاضر في سر التدبير الخلاصي. تشبّه صلوات طقسنا الكلداني مريم بصور وتشابيه كتابية رائعة واخرى منها حياتية، فالتشبية المتردد دوما يشبه مريم بأنها الميناء اي المكان الذي فيه تختم الرحلات البحرية مسارها وسفرها، بلا شك ليس السفر بالامر الهين ولم تكن الرحلات البحرية امنة دوما، بل كان رسوها مصدر فرح وسرور يسود راكبيها بسبب بلوغ هدفهم بسلام. ان التأمل الشامل في تاريخ الخلاص يرى ان كل احداث الخلاص متجهة حسب خط زمني ومرتبطة مع بعضها لتصل الى نقطة التقاء تتوجه اليها هذه الاحداث مع احداث التاريخ عموما. ان شخصيات وابطال العهد القديم هم ركاب سفينة التدبير الالهي التي انطلقت في بحر التاريخ لتصبو الى اكتمال المعنى، فهم انبياء ما قالوه وعاشوه من رسالة وكلمات وتعاليم تستنير وينجلي معناها على ضوء نور المسيح، وهناك منهم  شخصيات عاشت حدث ما اصبحت صورة وانباء للحقيقة الاتية بعملها او دورها. ان كل قيمة هذه الكلمات والاحداث، اي العهد القديم، مهددة بأن تصبح مجرد ماض لا غير كما يفنى قارب وسط المحيط ما لم ترسوا في ميناء امين عبره تسلّم هذه الى اناس تبنى عليها حياتهم. ان مريم هي هذا الميناء لان منها ولد من هو غاية كل ما سبق وغاية الوجود وهويته الحقيقية. ان الانسان ببحثه الوجودي العميق منذ اقدم الحضارات كان يبغى ليصل الى جواب شافي يشرح له سبب وجوده ونهايته، يفسر ماضيه وحاضره ومستقبله، ان مريم بانسانيتها التي تشكلت على اساس النعم التي قالتها لله وتباعتها لكلمة الله المتجسدة انسانيا نجحت في تصبح صورة وجواب واضح لما طرحته الانسانية من اسئلة وجودية عميقة. مريم هي ميناء رست فيه تساولات الانسان ووجدت لها الامان. مريم هي ميناء ايضا بمعنى التحول والانتقال، لان الميناء ليس مكان للرسو فقط ولكن منفذا عبر واقعين ايضا، مريم التي شكلت انسانيتها حسب منطق الله عبرت لتكون دائما ضمن هذا المنطق، ضمن حضور الله الذي حافظت عليه في حياته فاحتضنها هذا الحضور في ابديته. مريم صورة ومثال وبرهان قوي على ان مفعول قيامة المسيح يسري على كل من يقبل به وينفتح امام نوره مثل مريم. مع مريم نجمة الصباح تسير سفينة الكنيسة وتهتدي لترسو في ميناء الحياة الابدية.

شاهد أيضاً

كم وزن قدح الماء؟

كم وزن قدح الماء؟  المطران يوسف توما سارت أستاذة الطب النفساني في غرفة الصف في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *