الرئيسية / المقالات / كيف ننظر الى ظهورات مريم العذراء اليوم

كيف ننظر الى ظهورات مريم العذراء اليوم

كيف ننظر الى ظهورات مريم العذراء اليوم

 المطران باسيليوس يلدو

    مما لا شك فيه هناك إكرام واحترام كبيرين لمريم العذراء في الكنيسة الكاثوليكية، ويمكن ملاحظة هذا الإكرام من خلال الأعياد المريمية وخصوصاً نحن مقبلين على عيد مهم وهو انتقال مريم بالنفس والجسد الى السماء وكذلك الالقاب والصور والكنائس والاديرة المشيدة على اسمها وايضاً نلاحظ هذا الاكرام من خلال ايمان الشعب وتقواه وزياراته الى اماكن ظهورها في مختلف انحاء العالم.

 لقد كان الحج في القرون الوسطى يعزز تقوى المؤمنين من خلال الذهاب إلى مكان فيه ذكرى يسوع أو رسله او امه مريم مثل: القدس، القسطنطينية، روما. فقد أراد المؤمنون المشاركة في البركة الملازمة لهذه الأماكن المقدَّسة والتي فيها ذكرى للرب يسوع ومريم العذراء والقديسين.

 وفي أيامنا هذه هناك موجة تستهوي الجموع وهي زيارة الأماكن التي ظهرت فيها مريم العذراء (أو قيل انها ظهرت فيها) فقدَّستها بحضورها. فقد ظهرت مريم في حقب مختلفة من تاريخ الكنيسة.

غير أن هذه الظهورات، في الآونة الاخيرة، سواء كانت صحيحة أم مقدَّرة صحيحة !

تضاعف عددها، ومثل هذه الظاهرة يقتضي، تمييزاً من قبل الكنيسة والسلطات المحلية.

 لقد أظهر علماء اللاهوت، على وجه عام، تحفظاً في شأن مثل هذه الظهورات، لذلك الكنيسة تقيم قواعد شديدة جداً للتمييز بينها، فلا ترفض مبدأ الظهورات، وانما تذكر بان الوحي الالهي ابتدأ بالأنبياء وانتهى بيسوع المسيح (راجع عب 1/1). فما من وحي خاصّ يستطيع إذاً أن يضيف إلى إيمان الكنيسة عنصراً جديداً، لا بل إيمان الكنيسة وعقائدها وتعليمها هو معيار صحة الظهورات.

 وصف الظهورات

 تتصف الظهورات المريمية الحديثة، على وجه عامّ، بثلاث صفات:

  إنها مبادرة من العذراء، فهي التي تبادر إلى الظهور.

 2ـ  إنها ظهور حسّيّ، يحسّ به “الرّاءون” الذين يبصرون السيدة ويسمعونها.

   غايتها إبلاغ رسالة إلى الشعب المسيحي او فئة معينة:

ممكن ان تكون رسالة للصلاة او التوبة وخصوصاً في مكان ما (فيه مشاكل وحروب)!

وممكن ان تكون توصية بتعليم روحي او نوع من الحياة الروحية ( صلاة، تكريس )،

وممكن ايضاً ان تكون تأكيد لبعض التعاليم او العقائد المسيحية (المحبول بها بلا دنس).

       

إلى هذه الصفات يمكن إضافة:

ـ الرّاءون هم، على وجه عامّ، أطفال تذكِّر بساطتهم وتواضعهم وروح خضوعهم “بالصغار” الذين عرضهم يسوع أمثلة في إنجيله (متى 11/25ـ 27).

ـ العذراء هي عادةً رسولة ابنها، فلا تتكلم باسمها. وهي أيضاً التي تشفع، وتقيم نفسها محامية الناس لدى ابنها ولدى الآب.

مضمون رسالة الظهورات

      إذا كان هدف هذه الظهورات عادةً إبلاغ رسالة إلى الشعب المسيحي، فيمكن أن يكون مضمون هذه الرسالة مختلفاً عمّا هي عليه في هذا الحدث أو ذاك؟ يظهر هذا الطابع “العملي” خصوصا في الرؤى المريمية الكبيرة (راجع ظهور العذراء في لورد أو فاتيما). دور هؤلاء الأطفال أن يبلغوا رغبة ملموسة، وجرت العادة بتبليغ دعوة إلى موقف روحيّ. وتشدد خصوصاً العذراء، في هذه الآونة الأخيرة، على ضرورة التوبة والصلاة.

 

علامات صحة الظهورات

          إذا كان المقصود رسالة موجهة إلى الشعب المسيحي، فلا بدَّ من إخضاع هذه الظهورات المريمية لسلطة الكنيسة التي “ستعترف” بها أو ترفضها. وقرار الكنيسة في هذا يتناول أمرين:

ـ تحقيق مفصل يتناول الشخص أو الأشخاص الذين يعتقدون بأنهم يحضون بهذه الظهورات، وعلى الخصوص شخصيتهم وتوازنهم الجسمانيّ والنفسي، وتصرفهم قبل الظهورات وبعدها، وانفتاحهم على مرشدهم الروحي ولا سيما تواضعهم.

ـ تحقيق يتناول الوحي نفسه، فلا بدَّ من التنبه لظروف الرسالة ومضمونها وموافقتها لتعليم الكنيسة، وفائدتها الروحية (هل هي للصلاة أم للدعاية ام لأغراض شخصية)، وعلى السلطة الكنسية أن تقوم بتمييز روحيّ حقيقي بين ما يأتي من الإنسان أو ما قد يأتي من الشيطان.     

في رأي بعض علماء اللاهوت، الحجة القاطعة على الأصل الإلهي للوحي تكون معجزة تصحبه وتكون تأييداً لصحّة هذا الوحي الفائقة الطبيعة.        

ولابدَّ أيضا من مراعاة العنصر الشخصي الذي قد يأتي به “الرائي” إلى الرسالة التي يحملها. فالرائي، على غير شعور منه في أحيان كثيرة، يفسِّر الرؤية والرسالة وفقاً لعاداته الذهنيَّة، وثقافته الروحية (شأن أنبياء العهد القديم). ومن هنا ضرورة توجيه الأسئلة إليه في أقرب وقت ممكن بعد الظهور، والحذر من الأخبار أو الشهادات التي يدلي بها الذين جمعوا هذه الأخبار بعد فترة.

 

موقف المؤمن تجاه الوحي، يجب توضيحه بين مبالغتين: إفراط في التصديق و حذر مفرط :

1 ـ إفراط في التصديق آتٍ من طلب مفرط لما هو عجيب وللمعجزات ومشغوف بتنبؤات مطمئنة أو مخيفة ومثيرة للحماسة الخالية من كلّ صفة روحية (تنقيط  زيت، او دموع من صورة او تمثال).

2 ـ حذر مفرط يرد خصوصاً عند أهل الفكر، فقد نفروا من بعض المنشورات وتحمسها، وأيضا عند بعض علماء اللاهوت الذين تضايقوا من إيمان عاطفي، مبني على مظاهر الإيمان الشعبيّ.

الشيء الاكيد هو أن الكنيسة، إذ تُظهر حذراً مفرطا في رأي بعض الناس، تسلم بإمكان هذه الظهورات المريمية. فهي التي تشفع فينا نحن الخاطئين ولأنها أم الكنيسة، لا يسعها إلا أن تقود إلى ابنها المؤمنين. تكشف لنا ظهوراتها الصحيحة عنها، كما يعرفها الإيمان ويعترف بها. فبهذا المعنى عندما تظهر، تذكرنا بتنبيه المسيح: “اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة” (انجيل متى 26: 41).

شاهد أيضاً

الاحد الثالث من تقديس البيعة حينما اعمل في الكنيسة، هل اختلف حقيقة عن باعة الحمام والصيرافة الذين جعلوا من بيت الرب مغارة للربح الشخصي؟

الاحد الثالث من تقديس البيعة حينما اعمل في الكنيسة، هل اختلف حقيقة عن باعة الحمام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *