الرئيسية / المقالات / الحقيقة التي قالتها الحمامة

الحقيقة التي قالتها الحمامة

الحقيقة التي قالتها الحمامة

+ المطران يوسف توما

شكّلت المعابد والهياكل والكنائس والجوامع في كل العصور المكان المفضل لسَكَن الحَمام. وفي معبد قديم، عاشت مجموعة من الحَمام بسعادة على سطحه. وبنت هناك أعشاشَها ووضعت بيضَها وذلك لعدة أجيال بسلام وأمان وفرح. كان ذلك في مدينة من مدننا العريقة.

لكن الزمن لا يرحم، فجاءت الحروب، وكان من اللازم أن يبدأ تجديدُ الهيكل وأن يتمّ ذلك استعدادا للاحتفال بتدشينه في عيد رأس السنة. فاضطرت الحمامات إلى الانتقال إلى سطح كنيسة كانت في مكان قريب من هناك سلمت بعض الشيء من أهوال الحرب.

كان سطح تلك الكنيسة يعجّ بمجموعة أخرى من الحمام الذي اتخذ من ذلك المكان مسكنا له منذ عدة أجيال، فاستقبلت حمامات الكنيسة المجموعة القادمة بفرح وعملوا لهم مكانا في أعشاشها لاستيعاب القادمين الجدد بضيافة جيّدة للغاية.

كان عيد الميلاد على الأبواب، وجرت العادة في تلك الكنيسة أن يقوموا بحملة تجميل وتنظيف وتلميع لها، فاضطرّت اسراب جميع الحمام أن تطير بحثا عن مكان آخر…

شعر الجميع بأنهم محظوظون لأنهم عثروا على مكان قريب، كان مسجدا، حيث رحّب حمام المسجد بجميع القادمين بسعادة غامرة.

كان شهر رمضان قريبا، فقرّر القائمون على المسجد، أن يعيدوا صبغه من جديد، فاضطر كل الحمام إلى العودة إلى الهيكل القديم الذي احتواهم جميعا.

في أحد الأيام لاحظ الحمام، الذي كان متجمعا بكثرة على سطح الهيكل، أن البشر في الشارع قد دخلوا في اشتباكات طائفية وتحوّلت ساحة السوق إلى أرض معركة.

سأل طفل الحمامة أمَّه: “من هؤلاء؟”. فردّت الأم: إنهم “البشر”.

سأل الطفل: “ولكن لماذا يقاتل بعضُهم بعضا؟”، فقالت الأم: “هؤلاء البشر الذين يذهبون إلى الهيكل اسمهم “يهود”، والذين يذهبون إلى الكنيسة اسمهم “مسيحيون”، وأما الذين يذهبون إلى المسجد فيسمّون “مسلمون”.

سأل طفل الحمامة أمه مرّة أخرى بإلحاح واستغراب: “لماذا الأمور هي هكذا؟ عندما كنا في الهيكل القديم كنا نسمّى “حمام”، وعندما تحوّلنا إلى الكنيسة كانوا يطلقون علينا اسم “الحمام” أيضا، وعندما صرنا في المسجد، كنا لا نزال نسمّى “حمام”، أليس من المفروض أن ينطبق هذا أيضا على البشر؟ أليسوا “بشرًا” أينما ذهبوا؟”.

قالت الحمامة بنبرة حزينة لولدها الصغير: “أنتَ وأنا وأصدقاؤنا من بقيّة الحمام عشنا خبرة الله الحقيقي، ولهذا السبب استطعنا أن نعيش هنا في هذا المكان المرتفع للغاية، بسلام واتفاق. لكن هؤلاء البشر لم يعرفوا بعد من هو الله. وبالتالي تراهم يعيشون دائما في الأسفل، وسوف يبقون هكذا يتحاربون ويقتل بعضهم البعض، حتى يصل اليوم الذي فيه يعرفون أن اسم الله الحقيقي هو “السلام”.

“أسمَعُ الربّ الإله حين يتكلمُ بالسلام لشعبه والذين يتقونَه، فلا يرجِعون إلى الحماقة” (مزمور 85: 9).

كركوك 14 آب 2018

شاهد أيضاً

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018)

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018) ابدي هو الصراع بين الحكمة والجهالة، فأي حكمة ستنتصر وأي جهالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *