الرئيسية / المقالات / كم وزن قدح الماء؟

كم وزن قدح الماء؟

كم وزن قدح الماء؟ 

المطران يوسف توما

سارت أستاذة الطب النفساني في غرفة الصف في إحدى الجامعات أثناء تدريسها لمادة “التعامل مع التوتر” الذي أصبح أكثر الأمراض تفشيا في كثير من الدول ويسبب العديد من المشاكل والمآسي. وبينما هي تتكلم رفعت قدحًا من الماء إلى الأعلى، فتوقع الجميع، كالعادة، أنها ستطرح عليهم السؤال التقليدي حول التفاؤل والتشاؤم أيهما أصح: “نصف القدح الفارغ أم النصف المملوء؟”. وبدلا من ذلك، وبابتسامة على وجهها، سألت: “كم هو ثقل قدح الماء هذا برأيكم؟”. تراوحت الإجابات لتقول من ربع إلى ثلث إلى نصف لتر.

أجابت الأستاذة: “إن دقة الوزن المطلق للقدح ليست مهمة، لكنها تعتمد على المدّة التي بها نمسك القدح بيدنا. فإذا ما كنتُ أمسِك به لمدة دقيقة، فهي ليست مشكلة، وإذا ما كنتُ أمسِك به لمدة ساعة، فإن ذراعي سوف يشعر بالخدر، ولكن إذا ما حملتُه طوال النهار فإن ذراعي سوف يصاب بالشلل. في كل الحالات، وزن قدح الماء لم يتغير بل بقي كما هو. أي، كلما طال وقت حملي للقدح، كلما أصبح يشكل ثقلا بل قد يصير لا يطاق”.

هكذا الأمر مع الضغوط وأشكال القلق في الحياة، إنها بالضبط مثل قدح الماء هذا، إذا ما فكرتُ بهمومي لحظة لن يحدث شيء يُذكَر، ولكنّي إذا فكرتُ بها لفترة أطول، ستبدأ بإيذائي، وإذا ما فكرتُ بها طوال النهار، سوف أشعر بالشلل ولن أكون قادرا على فعل أي شيء. وهذا ما يسمّيه بعضنا “الهموم” أو “المشاكل”. بل تراهم يعيشون حياتَهم في كآبة وتفكير “يأكلون الهمّ والغم”، ويعلكونه مثل العلكة، إما يكون ذلك في فكرهم مع أنفسهم، فيستهلكهم من الداخل، أو يدوّخون به أهلهم ومن هم من حولهم فيسمّمون عيشهم، ويسود السأم والتوتر في ذلك البيت، بحيث يتحوّل إلى جهنم، وأحيانا يصير كالقنبلة الموقوتة لا تدري متى ستنفجر.

السبب، الآن عرفناه. إذن أنصحك أن تكنس بيت أفكارك من جميع بقايا التوتر والقلق والمخاوف والشدّ التي تحدث في أحسن العائلات، أعطِ نفسَك فسحات راحة وابتسامة وتأمّل ودهشة أمام كل ما هو حولك وسترى أن الحياة أجمل بكثير مما يصوّره لك قلقك. 

أخيرا: من المهم أن نتذكر أن الضغوط التي تتراكم في حياتنا هي كالنفايات والسموم التي على جسمنا أن يتخلص منها، فتراكمها ضارٌ وخطير. وعندما يأتي المساء حذار من كآبة المغيب (كثيرون مصابون بها من دون أن يدركوا السبب!). ألقِ عن ظهرك كلَ أحمال النهار التي تراكمت عليكَ. لا تبقِها في المساء ولا تدَعْها تنام معك في الفراش، فهي أحدُ أسباب الأرق لدى الكثيرين، ألم يقل يسوع: “ولكل يوم من المتاعب ما يكفيه”؟ (متى 6: 34)، وقال القديس بولس: “لا تغرب الشمسُ على غضبكم، لا تعطوا إبليسَ مكانا” (أفس 4: 26، 27)، وغيرها كثير من حكمة الإنجيل ولدى الشعوب الأخرى أقوال مشابهة بالتأكيد. المهم تذكر أن عليك أن تضع قدح الماء أرضًا!

شاهد أيضاً

الاحد الثالث من تقديس البيعة حينما اعمل في الكنيسة، هل اختلف حقيقة عن باعة الحمام والصيرافة الذين جعلوا من بيت الرب مغارة للربح الشخصي؟

الاحد الثالث من تقديس البيعة حينما اعمل في الكنيسة، هل اختلف حقيقة عن باعة الحمام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *