الرئيسية / المقالات / الطبيعة سجينة تصوّراتنا…

الطبيعة سجينة تصوّراتنا…

الطبيعة سجينة تصوّراتنا…

+ المطران يوسف توما

أساسا، لدينا جميعا نفوس تحتاج إلى الحرية للقدرة على مشاركة الطبيعة والعيش في كنفها والتمتّع بكل مظاهرها. والحرية لدى الفرد تعني خصوصا حرية روحه كي يتمكن من الامتزاج والتفاعل مع الطبيعة. وألاحظ اليوم أن نفوسنا تتوق أكثر من أي وقت مضى إلى ما للطبيعة من روعة، بسبب وسائل الاتصال التي تنقل الطبيعة إلينا ووسائل النقل يمكن أن تنقلنا إليها. إلا أن عقولنا باتت تحذّرنا من مختلف المخاطر الممكنة، فقمنا ببناء العديد من الموانع لحماية أنفسنا، لكن هذه المحاولات سرعان ما تحوّلت إلى سجن لنا. فلم يعد بإمكاننا العيش في الطبيعة الخام، وإذا ما قام أي شخص بالعودة إلى الطبيعة، انتقدوه وقالوا عنه إنه مجنون. حتى اللغة ذاتها تبدو لي مقيّدة جدا، لأنها بكل بساطة غير قادرة على استنباط كلمات وعبارات لتغطية التنوّع الهائل المحيط بنا. معظم ما هو حولنا يفلت من قدرتنا على خلق مفاهيم تلوق به. لذا نبدو فقراء وتبقى نفوسنا بحاجة إلى قَدَر من الشجاعة والجرأة، لنتمكن من رفع هذا التحدي إزاء ما يحيط بنا من طبيعة. سبب فقرنا أننا بقينا على ما تعلمناه من الكتب والتعاليم القديمة الموروثة، كما حدث لأول مرة لدى من حاولوا تشريح الجثث في القرن 18، اكتشفوا الدورة الدموية، التي لم يعرفها الحكيم أبقراط (460-370 ق.م.) فقالوا: “كذبت الجثة وصدق الحكيم اليوناني أبو الطب!”.

نشر الملحق الأسبوعي لجريدة ليموند الفرنسية، عدد 3 أيلول الماضي، عن خبرة دانماركية بفتح حضانات للأطفال في الطبيعة، بلا كراسي ولا طاولات، تسعى لدمج الطفل مع الطبيعة فقط على يد مربّين أكفاء. من شأنها أن تساعد الطفل على تطوير قدراته على الحركة والتركيز والتعلم المباشر. وقيل إن هذه الخبرة بدأت تشق طريقها في دول أخرى.

حصيلة هذه الخبرات هي أن الفهم المباشر وحده قادر على إعطاء ثمار ما، عندما تصبح الخبرة شعورا، فتتطابق وتتناغم مع ما في جسدنا وروحنا كما يحدث في حالة الطرب في الموسيقى. فالطبيعة قادرة على إعطائنا نشوة خاصة (كمنظر مغيب الشمس)، خالية من تناقضات التفكيك المنطقي. حتى أعينُنا، ليست معنيّة فقط بجمع فوتونات الضياء ووضعها في متناول عقلنا، ولكنها أيضا تتناغم مع أعضاء أخرى بالاستقبال والإدراك والإحساس …، لأننها مخلوقة لكي تنسجم مع الطبيعة في تدفق عملاق وقدرة على التأثير والتغيير على الأذنين والأنف والجلد وبقية الأعضاء كالدماغ والقلب والكبد والكلى، نزولا حتى أجزاء الجسم الصغرى التي هي أيضا تتفاعل مع الطبيعة. لكن المشكلة الحقيقية الآن أصبحت: كيف يمكن إدراك وفهم هذا الامتزاج الضروري مع الطبيعة؟

إن متابعي القنوات التلفازية التي تعنى بالطبيعة يقرّون كلهم بأنهم تعلموا الكثير من الحيوانات والحشرات والنباتات وحتى الجماد، من منطقها وحتى “ذكائها” فهي ليست مقيّدة مثلنا، وليس لديها أوهام وتصوّرات، منها ما نسميه “العلوم” التي ترخي بثقلها علينا ولا بالتكنولوجيا. الاسود والنمور والكلاب والقطط والطيور… كلها أعضاء في هذا المحيط الحيوي حولنا، منسجمة باستثناء الإنسان المتمرّد (منذ آدم وحواء). الحيوانات تعيش كأعضاء في المحيط الحيوي تخضع لقوانينه بشكل مذهل وهذا يذكرني بما حدث قبل أيام لوزير البيئة الفرنسي، نيكولا هيلو، “صفع الباب” وترك منصبه كي يجلب الانتباه إلى عدم جدية الحكومات إزاء الضرر المحدق بالطبيعة، عقب ذلك بيومين توقيع 200 شخصية من علماء وفنانين وسياسيين يؤيدونه ويدعون إلى إنقاذ كوكبنا من الأخطار البيئية المحدقة.

يعتقد بعضهم أن الكلام عن الطبيعة – في ظروفنا الحالية – أمر زائد فيقولون: “دعنا نحلّ مشاكلنا السياسية ولنلتفت بعدها إلى ما هو ثانوي”، وأقول لهؤلاء باعتقادي إنكم على خطأ، هل ننتظر موت أرواحنا قبل الوعي بالآتي إلينا؟ أليست الحياة هي الأساس؟ أم أنتم مع منطق الذي قال: “إذا مُتّ ظمأنا فلا هطل الطل!”. أو كما يقال بالفرنسية: “ليأتِ الطوفان من بعدي”. أليس العجز هو سبب يدفع الكثيرين إلى عدم الاهتمام بهذه الحياة، بل يهتمّون بالحياة بعد الموت فقط، وليس قبل الموت! يبدو أننا نقيّم حياتنا من حيث الدرجات والنقاط فقط، كالطالب الكسول الذي يغشّ في دروسه، لا يهمّه التعلم بل الدرجات فقط! في حين المحبة التي نعطي ونستلم هي التي تقيّمنا وتخلصنا. وأعتقد أن كل مسار نحو المستقبل لا بد له أن يذكرنا بما لا مفر منه: شمولية كافة جوانب حياتنا على هذه الأرض وعدم إهمال أي جانب إطلاقا فذلك يجعلنا ندفع الثمن الغالي، كعدم الاهتمام بالتصحر الذي يحدث في منطقتنا ترك الزراعة والأشجار وغير ذلك.

تابعت مرات عديدة على موقع اليوتيوب سيدة عجيبة اسمها جين كودال (Jane Goodall)، قضت حياتها تحاول خصوصا انقاذ قرود الشمبانزي في العالم، وقد صدر لها كتاب “سبب للأمل، سفرة روحية” (Reason for Hope) 1999. إنه كتاب رائع، مليء بالمشاعر، والروحانية إزاء الطبيعة مع “رفاقنا الآخرين في الوجود” الذين، بيننا وبينهم، لدينا نسبة كبيرة من العوامل المشتركة. إنه ليس مجرد كتاب ونصوص بل أكثر من ذلك، إنه أفكار عميقة تطرحها هذه السيدة التي تمكنت من ترويض ما كنا نخاف منه بحيث كاد ينقرض.

إن مثل هذه الكتب والأفلام والخبرات المدرسيّة الجديدة، بدءًا بالأطفال، تتوجّه نحو الطبيعة التي تمتلك قابلية تحريرنا من الخوف الذي يسكن فينا فيصبح التساؤل الذي يطرحه كل فرد من زاويته: “ما هو مصيري، وماذا سيحدث لي أنا؟”، تساؤلا ضيقا وقصير النظر أمام ضرورة التفكير بالطبيعة، فنقتنع أن المسألة مختلفة تماما، إذ على كل واحد منا أن يسأل: “ماذا يمكنني أن أفعل لخلق السعادة من حولي، ليس للبشر فقط، بل لجميع رفاقنا في هذا الوجود من أحياء وحتى الجماد؟”، وهذا يذكرني بالتحذير الذي وجّهه المسيح عندما قال: “إن لم تتوبوا، تهلكوا جميعا” (لوقا 13: 3).

4 أيلول 2018

شاهد أيضاً

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018)

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018) ابدي هو الصراع بين الحكمة والجهالة، فأي حكمة ستنتصر وأي جهالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *