الرئيسية / المقالات / عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018)

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018)

عيد الصليب (الجمعة 14/9/2018)
ابدي هو الصراع بين الحكمة والجهالة، فأي حكمة ستنتصر وأي جهالة سيكون لها الغلبة؟
عيد ارتفاع الصليب المُقدس واكتشافه من قبل القديسة هيلانة ام الملك قسطنطين، حسب ما يسلمه لنا التقليد المُقدس، منوهاً انه من المكانات المرتفعة تم اشعال النار للإعلان عن اكتشاف الصليب المُقدس وايصال الخبر المفرح للقديسة التي كانت تنتظر الخبر، بشوق. وفي هذه المناسبة نقرأ معاً نصوص تتعامل مع موضوع: “العبد” المتواضع والالم الذي يتحمله من اجل غاية سامية. فيستعمل اشعيا الثاني (الذي ينقلنا من القرن الثامن إلى حقبة الجلاء)، مصطلح الـ “عبد” مكرراً اياه 21 مرة (بصيغة المفرد)، ومرة واحدة بصيغة الجمع (54/17)، ومرة واحدة بمعنى الكلمة التحقيري (49/7) و19 مرة بمعنى “عبد الله”. في 14 حالة يُطلق على هذا العبد، اسم علم وهو: اسرائيل، يعقوب او شعب اسرائيل بجملته، وفي 5 حالات يبقى الاسم مجهولاً. فمن هو بالحقيقة هذا العبد؟ يبدو انه كل الاسماء المذكورة مسبقاً.
ترتبط القراءة الاولى في عيد الصليب (اش 52/13-53/12)، بالفصل 50 الذي يُحدثنا عن “عبد يهوه” المتألم، وهنا نحن بصدد النشيد الرابع (الذي يُقدم بهيئة حوار)، والذي يعود لموضوع الالم (راجع مز 22)، والاضطهادات التي سيعانيها العبد، بصبر جميل، وصبره هذا سيحمل صورتين: الاولى من جهة المشاهدين، حيث انه سيكون “حجر عثرة”، والثانية من جهته هو، حيث سيكون “الكفارة والشفاعة”. هذا العبد سوف: “يُوفق، يتعالى، يرتفع ويتسامى جداً” (52/13)، اربعة افعال لها مغزاها: يوفق = في كل حياته التي كانت في تمام الاتزان، يتعالى = في قيامته من بين الاموات، يرتفع = بالصعود إلى السماء ويتسامى = في الجلوس عن يمين عرش الله، وكاننا بالحقيقة امام نشيد فيلبي (2/6-11)، حينما يتحدث عن يسوع المسيح، الذي تنازل واتخذ صورة عبد، ورفعه الله اسمى رفعة، ولكن النزول في هذا النشيد أشدُ قساوة، حيثُ ان العبد سيتشوه وجهه لدرجة ان منظره لن يكون كمنظر انسان من شدة ما عاناه (كما في من ضُربَ بشدة من قبل الاخرين لدرجة انه يفقد ملامحه كبشر، والسبب يعود إلى أن الذين ضربوه كانوا داخلياً، وبالعمق، فاقدين لملامحهم الانسانية). وفي بداية الفصل 53، تتكلم جماعة المؤمنين لتُنبيء بمصير العبد، وكلامها لا يكونُ مُدركاً في البداية ولكنه في الاخير يُختتم بتفهم أعمق، لان غاية اسلوب التعامل مع الالم من قبل العبد (بالمفرد)، سيكون خلاص جماعة كبيرة (بالجمع)، وهي نتيجة مذهلة، إذ من كان يتوقع ان الله سيُخلص العالم بعبد متواضع متالم؟ إننا بصدد المقارنة بين بين الحكمة والجهالة (1كور 1/18-25). الحكمة باللغة البوليسية هي الحذق والمهارة بشكل خاص في فن الخطابة، الذي كان اليونانيون يقدرونه كل التقدير، بمقابل الجهالة، هذا النقص الهام بالمسار التثقيفي للفرد. هما تحديان مهمان يرتكزان على الجهد الشخصي في علاقة الفرد مع الحياة، إما ان يكون حكيماً او جاهلاً. وهنا انوه ان بولس لا ينبذ الحكمة في ذاتها، بصفتها “نشاط العقل البشري” لأن الحكمة هي عمل من اعمال الله، وبالحقيقة كم تُمتدح الحكمة كتابيا (حيث انه هناك سفر كامل يحمل الاسم، والاسفار 6-11، تمتدح الحكمة)، ولكن الرسول يندد بها، لأنها تريد ان تكتفي بنفسها، وتكون المقياس الوحيد والاخير، فيرفض من يستخدمها للاكتفاء بها قائلاً: ان هذه الحكمة، حكمة الاكتفاء الذاتي، هي جهالة حسب الله، رافضا بذلك اهل الحكمة البشرية، الذين يعطيهم اسماء وهم: الحكيم – الكاتب (عالم الشريعة) – المماحك (مجادل هذا الدهر). رؤية متمعنة لهذه الفئات الثلاث، نراهم جميعاً فئات يُنظر إليهم من قبل الاخرين، بنظرة رهبة واهمية، فالحكيم: هو اليوناني البليغ، الكاتب: هو عالم الشريعة اليهودي، المماحك: هو المجادل في الطبيعيات، لأن علم الطبيعيات هو محل للبحث والجدال اكثر من غيره، لذا فهم فئات ذات مكانة بارزة وخاصة في المجامع والملتقيات الاجتماعية، ولكن الحكمة التي فيها يتم ادراك حكمة الله من خلال الصليب، لا تستوعبها حكمة هؤلاء الحكماء، وانما كما يقول القديس يوحنا فم الذهب: “فأن هذا العلم (حكمة الصليب)، يُتوصل إليه بالإيمان لا بحذق الذهن”، لذا كان للصيادين الدور البارز في الوصول إلى مغزى حكمة الله في الصليب، وكذا تلميذي عماوس الذين لم يصلوا إلى ادراك هذه الحكمة بعيونهم العقلية، إلى بعد ان فتح لهم القائم، عيون القلب والايمان (لو 24/13-25). فحكمة العالم فشلت بالوصول إلى الله الذي رتب واتقن النظام العجيب في العالم، لذا فقد ابطلها الله كسبيل للوصول إلى الله وخلاصه، واستعاض بالإيمان ليكون سبيلنا لهذا الخلاص، والايمان بالصليب (الذي هو الشر بعينه)، استخدمه الله مستخرجاً منه خيرنا وخلاصنا، فالله يُخرج من الشر البشري خلاصه، فانه هو الذي احبنا حتى الموت، موت الصليب. وانهي هنا لاقول: أن ألم العبد المتألم والناتج من قسوة الانسان المبرحة، يعكس فقدان انسانية مُسبب الالم، بل وكل من يراقب عن كثب من غير ان يُحرك ساكن. فعيد صليب مبارك.

شاهد أيضاً

الاحد الرابع من ايليا – الاول من الصليب

الاحد الرابع من ايليا – الاول من الصليب القراءات  الاولى من سفر اشعيا ( 33 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *