الرئيسية / المقالات / الاحد الخامس من ايليا – ثاني من الصليب

الاحد الخامس من ايليا – ثاني من الصليب

الاحد الخامس من ايليا – ثاني من الصليب

هل توجه التحديات التي نواجهها يومياً مسار حياتنا؟ ام ان مسار حياتنا هو الذي يوجه التحديات المفاجئة؟

القراءات

الاولى من سفر اشعيا (26:1- 9 ) ترسم صورة الانسان البار .

والثانية من الرسالة الى اهل فيلبي ( 3 ” 1 – 8 ) يعد فيها الرسول كل شيء عدما امام محبة المسيح.

والثالثة من انجيل متى ( 17: 14 _ 21 ) تدعو الى الايمان بالرب يسوع والثقة بكلامه.

كانت “دينونة اسرائيل” هي موضوع الاصحاحات من 1-12 من كتاب النبي اشعيا، وانتهت بالمنظر الرائع للمُلك الالفي. وأما القسم الثاني من السفر (13-27)، فيتعامل مع الدينونات التي يوقعها الرب على الامم، وتنتهي بنفس الخاتمة المجيدة، حيثُ يُغنى بهذه النشيد في ارض يهوذا، ونلاحظ ان التسبيح هو النغمة البارزة في هذين الاصحاحين الاخيرين من هذا القسم (26-27)، فنجد في الفصل (26) اورشليم التي حصنها الله والتي يلتجيء إليها الابرار، والتي هي نقيض “المدينة الشامخة”، المُدمرة والوارد ذكرها في الفصلين 24-25، فالنبي الحقيقي (كما يعمل اشعيا)، هو من يضع يده على الجرح، ويُحدد المصاب الاليم، والمشكلة ويطرحها امام الجميع من دون خوف او تلفيق، ولكنه لا يقف عند هذا الحدَّ، من الطرح السلبي للنظرة الثاقبة والالهية، بل يمرّ بالعمق ويحول المجرى في ختام كلامه، نحو المجد والفرح والسلام الممكن تحقيقهم مع الله، لذا فكلام النبي هو كلام الطبيب الناجح: فحص المريض (الحالة والواقعة)، تحديد المشكلة (الالم ونقطة الضعف)، اعطاء العلاج (التذكير بامكانية تغيير المسار مع الله)، والختام بالفرح والسلام (حضور الله الحقيقي في حياة وقلب المؤمن)، وعن هذه المرحلة الاخيرة يتغنى نشيد اشعيا الفصل 26، حيثما الناس سيُسبحون الله في يوم الرب، عندما يُقيم الرب ملكوته (راجع اش12)، ليُصبح هذا الفصل كمزمور للاتكال والحمد والتأمل، إذ يُعلن الله مرة اخرى المُستقبل المُشرق للنبي. لأننا بالحقيقة لا نستطيع ان نتجنب النزاع في العالم من حولنا، ولكن النشيد هذا يؤكد امكانية الولوج بالسلام الكامل، حتى وسط الاضطرابات، بشرط العيش مع الله، فلا تزعزعنا الفوضى المُحيطة بنا، لان محبة الله التي لا تتغير، تسندنا، وهذه هي مشيئته، التي تريد من الانسان ان يحيا السلام والفرح، ورغم ان هذه المشيئة ليست بالسهلة ولكن الله يمنحنا هدفاً، ويُركز افكارنا عليه، كما ينوه في الآية (3)، والتي تُعد مع الآية 4 سبب تعزية لكثير من المؤمنين على مرّ الاجيال “توكلوا على الرب للابد، فان الرب هو صخرة الدهور” والتي يجب ان نضعها كآية في بيوتنا، وامامنا لنقراها باستمرار، حيث نتعلم ان السلام الالهي هو ليس غياب للمشاكل، بل حضور الرب بكل كفايته في وسطها (34/1-2؛ مز 91/15). فلنعلق هذه الآيات في بيوتنا، ولنكتبها بداخل محفظاتنا، لتكون لنا تذكاراً دائما وابداً، فتوحدنا مع الفرح الالهي الذي تبتدأ فيه القراءة الثانية: “افرحوا بالرب”، هذا المقطع الذي يُقدم فيه الرسول سلسلة أخرى من افعال الامر والمناشدات: أفرحوا (بالرب) – احذروا (من ثلاث: الكلاب – عمال السوء – الذين يشوهون الجسد)، ومن ثم يروي سيرته الذاتية ما قبل اللقاء بالمسيح، والتي خُتمت بحدث دمشق، وكل ما يتعلق بأصله والتزامه الكبير فيما قبل، فهو: مختون في اليوم الثامن – عشيرة بنيامين – عبراني – في الشريعة هو فريسي – في الغيرة هو مضطهد الكنيسة – وفي التقوى هو بلا لوم. ولو تعمقنا بالسيرة الذاتية للرسول، وهي السمات التي طبعت شخصيته وأعدت له هذا اللقاء المُفرح بالقائم من بين الاموات، فإننا نجد ما يلي: الانتماء لسبط بنيامين، يربطه بيعقوب والشعب المُختار، فيتيح له ان يتميز عن الدخلاء، وخصوصا انه يحمل اسم “شاول”، اول ملوك اسرائيل (اع 7: 58)، وجذوره تمتد إلى الشعب الذي منه تلقى كل شيء (التربية والثقافة، والعلاقات والاحساس)، هذا الانتماء جعله في جانب البر الآتي من الله. وكونه فريسي فهو ضمن الجماعة المُحركة للدين، وهذا الامتياز حصل عليه بسبب ارتقاء اسرته بالسلم الاجتماعي (لان الفريسيون كانوا يُختارون من بين صفوف الكتبة، بنوع خاص، ولكن ايضا من التُجار والمهنيين). ويمتاز الفريسيون: بالانفصال والانعزال – البحث عن خلاص اليهود – الغيرة للشريعة (لذا هو يضطهد الكنيسة لأن غيرته كانت تدعوه للقضاء على اليهود الذين خرجوا عن الشريعة). كل هذه الامتيازات الجمة، والتي كانت “ربحاً” للرسول ، تنقلب ليُعدّها “خسارة“، لقد كانت مُهمة ولكن من اجل الوصول إلى الخير الاعظم، الذي هو “معرفة المسيح“، فالبقاء على صعيد البداية، من غير الانتقال نحو النعم المرجوة هو خسارة، وهذا هو مسار اكتشاف المسيح للمُرسل، الذي يُعتبر اساسيا في التبشير، لذا فحدث دمشق المٌفرح، واللقاء بالقائم هو اساسي لكل من ينبس بكلمة تخص البشرى السارة، لأنه بدونها، يبقى كمنادي بالقوانين ومتكلم بالحرف من غير ان يصل للروح وهو الخير الاعظم، فلا يستطيع ان يكون طبيباً شافيا على مثال الطبيب العظيم، ربنا يسوع المسيح، الذي يرحم من يناديه بعمق (متى 17/14-21). فهل يا ترى، مررنا كمؤمنين بحدث دمشق الشخصي بنا، الذي يجعل منا اطباء لمن يُحيطون بنا فننقل لهم بشرى لقائنا بالقائم من بين الاموات؟

شاهد أيضاً

مشروع مُتميز للحفاظ على التراث الثقافي الكلداني من تدبير المطران مار ابراهيم ابراهيم

مشروع مُتميز للحفاظ على التراث الثقافي الكلداني من تدبير المطران مار ابراهيم ابراهيم د . …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *