الرئيسية / المقالات / القداس نقطة التقاء الزمن بالابدية

القداس نقطة التقاء الزمن بالابدية

القداس نقطة التقاء الزمن بالابدية

لربما قد يكون اكبر تحدي امام الانسان اليوم ان يتسامى عن واقع الحياة لكي يدخل حيزا وجوديا عميقا فيه يتذوق المعنى ويلقى الجواب على تساؤلات تطرحها الذات عليه بأسلوب غير عادي. ان العبور الى الحيز الروحي ليس هروبا او نكرانا للواقع العادي، كلا مطلقا، ولكن الواقع العادي هو بالذات الطريق للارتقاء والتسامي من اجل الولوج الى الحقيقة المطلقة التي هي فقط تستطيع ان تضع الانسان في وجود حقيقي. موضوعنا يقع ما بين العالم الروحي والمادي ان امكننا القول، بين الالهي والانساني، بين واقع نعيش فيه ليس كمستهلكين للزمن ولكن كمن يأخذ هذا الزمن بكفاية من اجل تحقيق هوية خاصة لم تكتمل بعد. ان السعي نحو هذا التحقيق للهوية ليس عشوائيا او غير موجه، كلا فالانطلاق نحو هذا الهدف المستقبلي يتطلب ان نضع خلفنا ملامحه ومخططه وشكله: نحن ننطلق من هوية حقيقية هي نموذج يصلح للجميع ويمكن تحقيقه شخصيا. ان القداس هو هذه المحطة التي من خلالها يتحول الواقع الشخصي والكوني الى كمالات هويته لانه في  القداس يلتقي حدث الحياة الاعتيادية مع حدث ابدي وخلاصي، وفي طقوس القداس توجد تلك الوسائل التي تضع المؤمن في تواصل مع حدث هو خارج اطر الزمان والمكان الاعتيادي، انه لحظة فيها تتدفق الابدية في الزمن ليس لكي تنتهي فيه، بل لكي تضمه وترفعه الى مستواها لكي لا يصبح من بعد مستهلكا بل مليئا، وهذا هو التقديس: اي ان يدخل الزمن والمادة ضمن حيز الله لكي يؤديان دور اراده هو لهما. في القداس نحن نلتقي بالمسيح الذي عمل وعلم ووقعت احداث في حياته كانت نقلة نوعية للانسان نحو اعماق وجوده وحقيقته. ولكن اليوم تفصلنا عن هذا كله الفي سنة تقريبا، فكيف نستطيع ان نلتقي به؟ واي نوع من اللقاء يكون هذا؟. لا شك ان هوية يسوع المسيح ليست هوية انسان فقط، ولكنه انسان واله في ان واحد، اي ان ما هو بشري فيه قد تواصل بوحدة قوية مطلقة مع الوهيته، ماديته وزمنيته  اتحدتا مع ابديته وسموه الروحي. ما حدث له كأنسان اخذ ورفع من قبل الوهيته، جسده الذي غطته الجراح وعلامات الالم والموت قد قام واصبحت كل هذه العلامات نقاط منيرة ونوافذ اشرق منه نور  الهي كشف معنى الوجود وسما به. ان صعود يسوع الى السماء هو محطة مهمة جدا، لان كل ما هو انساني قد دخل حيز الابدية والالوهية تماما، حيث يسوع صعد توجد الهوية الانسانية الكاملة والتي هي مثال ينظر اليه كل من يرغب ان يكتمل مشروع خلقته كأنسان. القداس هو تلك النافذة التي من خلالها ننظر الى حدث لم يفنى وحدث وان كان قد وقع في الزمان والمكان الاى انه محمول على مستوى اخر ثابت الا وهو الالهي، شخص يسوع كأنسان وافعاله التي لها قيمة خلاصية نهائية محفوظة كلها وكأنها اليوم تحدث. فلو اخذنا مثالا من الحياة وعفوا على استخدام التشبيه، فلو ذبحت ذبيحة فأنك سوف تاخذ لحما طريا ولكن هذا اللحم معرض للفناء اذا لم يحفظ، فلو احتويته في براد كالذي يستخدم اليوم فانك تستطيع في المستقبل ان تستخدمه. هكذا ايضا افعال وكلمات يسوع هي الحقيقة الكاملة كون من نطقها هوابن الله، ولكن ايضا تبقى حقيقة متاحة وفاعلة لانها ارتبطت بصورة وثيقة بأبن الله. القداس يطلعنا عبر نافذة محتوياته الى قوام هذه الاحداث التي صنعها يسوع، ومحتويات القداس ليست كباقي الامور الاخرى لأنها وسائل من جهة يريد الله الذي يحتوي الوجود كله ان يتواصل بها مع المؤمن، ومن جهة اخرى هو يضمها الى عالمه من خلال فيض روحه القدوس عليها، ان الروح القدس هو من طبيعة الله الابدية وبحلوله يقيم شراكة بين العالم المادي والعالم الالهي. كلمة قالها الله ومادة استخدمها ابن الله وفيض روح الله تأخذ بيد المؤمن والكون لتدخلهما في حيز الابدية. ان الزمن هنا لا ينتفي ولكنه يتم تخليصه من الاستهلاك، والاستهلاك يعني ان تمر لحظات من دون طعم او تصبح ضحية عد وقياس. الزمن يتقدس لان في لحظات منه مفروزة للقداس تغرس الابدية بذارها لكي تنبت في كل لحظات الزمن الارضي وتحولها الى الابدي. القداس هو خميرة للزمن ولون ينتشر على تفاصيل الحياة معطيا لها هيئة ذات معنى وحقيقة ومحافظا على تركيبتها الاعتيادية. القداس اخيرا هو هذا الخط الذي منه تقلع منه طائرة الوجود بأسره نحو وجود حقيقي دائم.

شاهد أيضاً

طقوس كنيستنا

طقوس كنيستنا الاب سنحاريب يوخنا ما المقصود بكلمة “طقوس”؟ نظام وترتيب  هو طقس ق. 40 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *