الرئيسية / المقالات / الاحد الاول من موسى

الاحد الاول من موسى

الاحد الاول من موسى

حينما اعزي متاملاً اكون قد شاركت بعملاً رائعاً، ولكني حينا اعزي، انا سبب الالم اكون قد شاركت بعمل خارق العادة

القراءات

الاولى من سفر اشعيا ( 40 : 1 – 8 ) تنبىء بتدخل الله لنجاة شعبه.

والثانية من الرسالة الثانية الى اهل قورنثية ( 1 : 23 – 24 ، 2 : 1 – 5 ) يخبرنا فيها بولس عن عزمه على السفر الى قورنثية لمصالحة مؤمنيها.

والثالثة من انجيل متى ( 20 : 1 – 16 ) تنقل انا مثل الفعلة الذين استاجرهم رب الكرم وتدعو الى الانفتاح والسخاء.

نبتدأ قراتنا لهذا الاحد الاول من موسى بمقطع: “عزو – عزو شعبي“، وهو العنوان الذي يُطلق على كل القسم الثاني من سفر اشعيا (الفصول 40-55)، وقد أُقتبِس هذا العنوان من آياته الاولى. فالـ “تعزية” هي الموضوع الرئيسي لهذه الفصول، خلافاً لما ورد في الفصول السابقة (1-39)، من اقوال نبوية تهديدية على وجه العموم، لذا فهي بحق، رسالة رجاء للشعب المسبي تدعو الشعب إلى خروج جديد، يتجسد بالعودة إلى الديار، لذا ففي الفصل (40)، نحن بصدد نص كُتب بحدود السنة 540 ق.م. ولو قارناه بالفصل الذي يسبق (39)، الذي يتطرق لنبوءة سقوط يهوذا، والذي قد يعود إلى السنة 700 ق.م. فاننا سنكون بصدد فاصل زمني طويل بين الفصلين (39-40)، يُقدر بحدود 160 سنة، فيها انحسرت ممكلة اشور وقامت بابل كمملكة عظمى، وهذا ما يؤكده فارق المواضيع الكبير المطروحة فيهما، فالفصل (40) هو فصل التعزية والكفّارة عن الاثام، وهو نداء للصوت المنادي من الصحراء، والذي يُعدّ طريق الرب في الخروج الثاني (استشهد الانجيليون (متى 3/3؛ يو 1/23) بهذا النص بحسب الترجمة السبعينية، فقالوا في يوحنا المعمذان، بانه هو الذي ينبيء بمجيء المسيح القريب). أما موضوع هذا النداء فهو الخلاص الذي تمَّ، والذي لم يكن متوقعاً. فالغفران المذكور في 4/1-2 والمُكرر في 44/22؛ هو العنصر الاساسي للخلاص، فالانسان لن يُخلّص ويُحرّر بالحق، إن لم تُغفر له اثامه وتُمحى. وهذا الغفران مُتجسد باستخدام مصطلح “العزاء”، “yMi_[; Wmßx]n: Wmïx]n: “، الوارد مُسبقا بمكانات اخرى، حيثُما يتم تناول موضوع التعزية، كتعزية اسحق بعد موت امه (تك24/ 67)، وداود بعد موت امنون ابنه، ليتغلب على حزنه فيستطيع ان يرى ابشالوم ثانية وهو الذي قتل امنون (2صم 13/39)، وفي جميع المرات التي استعملت فيها كلمة “~xn”، “عزّى”، كان الله هو الفاعل (عدا (5) مرات ليس هو الله)، لذا فالتعزية في وسط المحنة تُشير إلى ان المُعزي يقوم بعمل الهي، حيثُ يكون له دور في خلق الروح الجديدة التي تسمح لمن يتم تعزيته ان يتجاوز موضوع الالم والمحنة التي يمرّ بها، لذا فكلمات التعزية التي يجب ان نُقدمها للاخرين، ليست فقط اعادة لكلمات الالم، وانما هي عمل الهي بكلمات انسانية تجعل المتألم يتجاوز محنته، ويُخلق من جديد. والتعزية قد تكون لشخص يمرّ بأزمة معينة لا تتعلق بنا، او قد نكون نحن جزء من الازمة فتكون تعزيتنا في كذا حالة اروع للطرف الذي قد يختلف معنا، وهذا ما نتامله في القراءة الثانية لهذا الاحد الاول من موسى، حيث يستخدم القديس بولس في مسار حديثه مع الجماعة المؤمنة في كورنثوس (والتي قد اسسها هو)، تعابيراً انسانية، تُشير إلى حبه وتعلقه بكنيسة كورنثوس، بعدما ارسل لهم رسالة، تبدو شديدة اللهجة (كما أشير اليها في 2/3 “وقد كتبت إليكم“، وهي رسالة مفقودة)، فيكون هذا التغيير في المسار، بمثابة تعزية له ولهم، مستخدماً كلمات رقيقة ودافئة ولكنها مليئة بالهم والغم، لأن حبه لهذه الجماعة، اعظم مما يشوبها من نقص. فاستخدامه لمُصطلح “الغم” بشكل الفعل “lupe,w” والاسم “lu,ph“، مرة متوجها من الجماعة باتجاه الرسول واخرى عكسية من الرسول للجماعة، لأن هذا الـ “غم” قد يكون سببه، القديس نفسه، فقد تأخر في الذهاب اليهم (آ17)، متعذرا ان السبب هو الشفقة عليهم، مُستشهداً بالله على ذلك، لأنه لا يريد ان يذهب فيستخدم سلطته وحقه معهم في التأديب، مما قد يُحول العلاقة الحنينة بين المحب (بولس) والمحبوبة (الكنيسة)، إلى علاقة مسؤول ومسؤول عنه (كما يعمل رب الكرم في انجيل هذا الاحد – متى 20/1-16). فغاية البشرى السارة هي الفرح في هذه الدنيا، وفي السماء (اللقاء بالرب)، وليست المسؤولية، واستخدام التأنيب دائماً، حتى وان كانت كنيسة كورنثوس هي بنت بولس الرسول بالايمان. روعة التحول في مسار الكلمات، من “التانيب” إلى “التعزية”، يعكس ابوة بولس الرسول، بالاضافة إلى ذكائه ومحبته، فهو استخدم اولا الوعيد، من ثم التأنيب، ولكنه وبعد ان اكتشف ان البعض قد تابوا، يُدرك أن التأنيب، الان، ليس بالعلاج الناجع في كذا علاقة يشوبها الخلل، وانما احياناً قد يكون اثارة مشاعر الحب التي يكنها اليهم في اعماقه، كسلاح أقوى في تصحيح مسار الاخر حتى لو كان هذا الاخر هو المخطئ (كما يقول ام 10/12 “الحب يَستر جميع المعاصي“). إن تجسيد الحب بكلمات التعزية (او باشكال اخرى)، يُعدّ لغة سماوية واستخدامها في كذا مواقف (كما في بولس) يثير أقوى الاصداء، وهذا ما قد يصعب على الفكر الانساني تقبله، ولكنها حقيقة واقعية وذات صدى فعال على العلاقة، فبولس يُدرك انه لو اغمهم فسوف يُغم نفسه. فيعلمنا انه لو احببنا احداً فممكن ان نُغير المسار من اجله، حتى لو اخطأ في حقنا، واصاب العلاقة توتر، لان الحب هو اقوى من الخطأ، لذا فتعزيتنا للاخر ليست عملاً اعتياديا وفائضاً، وانما هي جهداً قلبيا وروحياً ويحتاج الكثير من التفكير والتأمل، وهذا الجهد يكون اعظم وذو قيمة اروع حينما نكون نحن طرفاً في الازمة التي من اجلها نُعزي الآخر، فهل نستعمل اسلوب بولس هذا، في مشكلة لنا مع من نُحب، وهل نطب التعزية الالهية في حياتنا للآخرين؟

شاهد أيضاً

مشروع مُتميز للحفاظ على التراث الثقافي الكلداني من تدبير المطران مار ابراهيم ابراهيم

مشروع مُتميز للحفاظ على التراث الثقافي الكلداني من تدبير المطران مار ابراهيم ابراهيم د . …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *