أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / مع اعلان روميرو قديسا منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام

مع اعلان روميرو قديسا منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام

مع اعلان روميرو قديسا

منعطف واضح للموقف الكنسي المقدام من الشأن العام

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

منذ تطويب المطران اوسكار روميرو، قبيل سنوات، وحتى اعلانه قديسا في 14 تشرين الأول أكتوبر الجاري، بات هذا الوجه الكنسي المعاصر، موضع التحليلات والالهامات عن موقف الكنيسة في الشأن العام، بما في ذلك كفاح رئيس الكنيسة من أجل قضية العدالة الاجتماعية في ظل أنظمة القهر والاستبداد.

 مؤشرات المسار الشائك نحو التطويب وإعلان القداسة

على أن ملف تطويب اوسكار روميرو حتى إعلان قداسته، مر بمسار شائك نعرضه في عدد من المؤشرات:

– لم يكن ثمة عوائق مالية بشأن أعباء وتكاليف قضية التطويب، كما كان الشأن مع تطويب شارل دي فوكو، والرهبانية الفقيرة المقتفية آثاره، بحيث استغرق التطويب، الى عام 2006 حتى الذكرى التسعين لوفاته مغتالا بأيدي عصابات جزائرية. فالاسقف روميرو شخصية عامة حظيت بالتفاف ودعم بنحو منقطع النظير. ما هو الجانب الشائك إذن؟

ذريعة التصفية السياسية

– في البدء طرح بعض المتزمتين، موضوع مدى صحة الإقرار بأن موت روميرو كان من أجل الإيمان، مع ان الرجل استهدف في ذبيحة قداس لم يستأنف حتى النهاية. فتساءلوا: من يقول انه استشهد من اجل ايمانه، بما أن الذين قتلوه هم كاثوليك معمذين، في مقارنة فاجعة مع مراجع دينية عليا ما زالت تتردد في تكفير تنظيم الدولة الاسلامية في كل ما اقترفه تجاه اتباع الديانات الأخرى. فكان المتحفظون على الملف، في ضوء هذه الملاحظة يتذرّعون بحجة ان موته كان قضية تصفية سياسية

.التباس الخلط المشبوه مع لاهوت التحرير

– كان ملف تطويب روميرو، أمام تحدّ آخر مفاده، أنه بالرغم من كونه كاثوليكيا محنكا وفي خط الكنيسة الجامعة، وأحد اساقفتها المفوّهين، فإن مواقفه المجاهرة بالمطالبة المسيحية الانجيلية بالعدل والسلام لصالح المظلومين والمقهورين والجياع، خلطت بشأنه الأوراق، مع خط مسيحي تعدى الخطوط الحمراء في الولاء لكنيسة روما، هو خط لاهوت التحرير، بما حمله من رموز مثيرة للجدل، شأن القس (سابقا) ليوناردو بوف الذي ربطه عشق مع سكرتيرته التي كانت متزوجة وانتهى بهما المطاف الى الزواج

الحرج من بيروقراطية السفير البابوي آنذاك

– يضاف الى المسار الشائك، عنصر آخر، أدى الى أن تطويبه من قبل الكرسي الرسولي، كان نوعا من الانعتاق من حرج واضح بشأن بيروقراطية فاتيكانية مارسها ضد المطران روميرو، السفير البابوي (القاصد الرسولي) في السلفادور آنذاك. حكاية القاصد الرسولي، الذي كان على ما يبدو على قدر حاله، يحسب كتحصيل حاصل، ان بإمكانه أن يعطي التعليمات الى روميرو، كمن يعطيه لتلميذ، إذ تحفّظ على حركاته الجماهيرية وخطاباته اللاهبة. تلك الخطابات التي كانت تنتشر في الجماهيرعبر الاثير، انتشار النار في الهشيم. ولسان حال روميرو نحو القاصد الرسولي، كالجبل الأشم يخاطب التل الرملي: الناس تحترق، والشعب يجوع، ومؤمنو الكنيسة يقهرون عن بكرة أبيهم، وانت توصيني بالصمت. فكان حظ السفير البابوي من مواقف روميرو، حظ ما يوصف باللهجة البغدادية، بملبوس العافية.

وكان أيضا من طينة السفير البابوي ذاك، عدد من العلمانيين سواء المتعاطفين مع النظام المستبد، لمصالح متباينة، او من كانت تراودهم في الشأن السياسي أحلام وردية، فكانوا يستفزون روميرو بالقول: خليك في شأنك الكنسي الروحي، ودع لنا السياسة، وليرضَ كل بكعكته. وهكذا جاء التطويب واعلان القداسة، بأن يفصل الخيط الأبيض عن الأسود، فصار التمييز المبدئي، بين أن يمارس الاسقف نشاط التنظيم السياسي، وبين أن يطالب بالعدالة والسلام والحقوق المتساوية، وهو على مسافة واحدة من ممتهني السياسة وملوثي الشأن الديني بالتنظيم الحزبي والطائفي.

هذا ما يمكن استخلاصه من عدد من القراءات بشأن الاسقف روميرو منذ تطويبه، ابرزها جريدة رائدة في الاعلام المسيحي المسؤول: وسترن كاثوليك ريبورتر، والتي تجاري في خطها الشجاع، مطبوعات دورية مثل (لا كروا) و(لافي) الفرنسيتين ومجلة (الفكر المسيحي) العراقية. على ان المجلة الكاثوليكية الكندية لتلفزيون سالت اند لايت – ملح ونور، برغم  دبلوماسيتها وكلامها المزوّق عن مخاض التطويب للاسقف روميرو، إلا أنها في مقال بقلم كيفن كلارك، لم تعوزها الشجاعة في التأكيد بأن كنائس امريكا اللاتينية ومنها كنيسة السلفادور، كانت بحجّة عدم التدخل في السياسة تسعى، لمصالح ضيقة، إلى تحالف ضمني غير معلن مع السلطات السياسية، بالرغم من أن هذه السلطات كانت تمارس أحيانا أبشع أنواع القهر والاستبداد

.العودة الحاسمة الى الموقف الكنسي المبدئي لصالح المقهورين

ولكن الحق استعاد مكانته التي لا يعلى عليها، مع مواقف روميرو المنسجمة مع مقررات سينودس اساقفة امريكا اللاتينية بمدينة ميدلين (في كولومبيا) في أيلول سبتمبر 1968، الذي أعلن التأكيد على اصطفاف مصالح الكنيسة إلى جانب الخيار الأوحد لصالح الفقراء والمقهورين.

وهكذا فإن القديس أوسكار روميرو إذ قلب أولويات الكنيسة ضد انتظارات الحكام المشبوهة، اصبح بذلك واحدًا من أوائل الأحبار اللاتينو- امريكيين الساعين إلى ترجمة الخطابات الطنانة إلى ارض الواقع من خلال حملة اجتماعية ملموسة، رامية الى التغيير الجذري والى العودة السلمية إلى جادة العدل والسلام. هذا كله حققه مار روميرو بثمن حياته، وعلى مذبح الاوخارستيا

.

فيستجد القول ختاما: لعله تراود البعض أحلام مريضة في تجميد دور الكنيسة تجاه الشأن العام والاصطفاف مع المقهورين، بغية أن يخلو لهذا البعض اللعب في السياسة كل وفق اجندته وأهوائه المريضة في الأضواء. لكن القديس الشهيد أوسكار روميرو، وبعيدا عن تأسيس حزب وامتهان مشروع سياسي باسم الدين والطائفية، بيّن في حياته، وقوفه الاسقفي البطولي تجاه الشأن العام، بصفته رأس كنيسة في مدينة سان سلفادور. وبذلك صار أنموذجًا متفرّدًا، في توصيف جديد لشهادة الدم من أجل الإيمان. وهكذا نستطيع القول بشأنه، ولئن كره الكارهون، بأنه لم ينل هالة القداسة والشهادة بنوع الميتة التي ماتها فحسب، بل أيضا وبالأحرى، بنوعية الحياة المكافحة التي عاشها.

18 تشرين اول 2018 بغداد

شاهد أيضاً

!Christian Theology: Displacement, Return and Construction

Christian Theology: Displacement, Return and Construction! Patriarch Cardinal Louis Raphael Sako The Old Testament presents …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *