أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الأحد الأول من البشارة: من ظلام السجن إلى نور الحريّة

الأحد الأول من البشارة: من ظلام السجن إلى نور الحريّة

الأحد الأول من البشارة: من ظلام السجن إلى نور الحريّة

الأب ريبوار عوديش باسه

 المقدمة: كلفني غبطة أبينا البطريرك الكردينال مار لويس روفائيل ساكو الكلي الطوبى بتقديم شرح تفسيري وتأويني للقراءة الأولى للسنة الطقسية (٢٠١٨ ـ ٢٠١٩). أشكر غبطته جزيل الشكر على هذه الرسالة التي وكّلها لي، والتي هي من صلب دعوة كل مسيحي، وبنوع خاص الكاهن، حيث كلنا مدعون لإعلان بشارة الخلاص.

قراءات الأحد الأول من البشارة

الاولى: من سفر اشعيا (42 : 1 – 9) تُعبِّر عن رضى الله لمن يختارهم ويدعوهم الى الرسالة.

الثانية: من الرسالة الى اهل افسس (5 : 21 – 29 ، 33 :1 : 4 – 6) تشبه العلاقة بين افراد العائلة البشرية بعلاقة المسيح بالكنيسة .

الثالثة: من انجيل لوقا (1 : 1 – 15) تنقل خبر البشارة الى زكريا.

 

تفسير نص القراءة الأولى (اشعيا ٤٢، ١ ـ ٩) وتأوينه:

تقديم عبد يهوه (اشعيا ٤٢، ١؛ قارن متى ٣، ١٧؛ ١٧، ٥): يستهل النبي اشعيا قصيدته الأولى عن عبد يهوه بتقديمه إياه بهذه العبارة هُوَذا عَبدِي(قارن بقية قصائد عن عبد يهوه في: اشعيا ٤٩، ١ ـ ٦؛ ٥٠، ٤ ـ ٩؛ ٥٢، ١٣ ـ ٥٣، ١٢). هذه القصيدة الجميلة مُلقى على لسان الله. أما هوية عبد يهوه فهي غير محددة واسمه غير مذكور. ويختلف المفسرون في تحديد هويته، إلا أن غالبيتهم يعتقدون بأن المقصود هو شخص واحد. أما المفسرون اليهود فيعتقدون بأن المقصود هو الشعب العبراني بأسره (قارن: اشعيا ٤١، ٨ ـ ٩). المسيحيون من جانبهم يجدون في عبد يهوه صورة يسوع المسيح (قارن: لوقا ٤، ١٨؛ أعمال ٨، ٢٦ ـ ٤٠). وهنالك بعض ممن يعتقد بأن عبد يهوه هو النبي اشعيا نفسه (قارن: أعمال ٨، ٣٤) أو النبي إرميا أو زرُبابل أو قورش (انظر: اشعيا ٤٤، ٢٨؛ ٤٥، ١) الذي حرر الشعب العبراني من عبودية بابل وارجعهم لأرضهم. كل هذه التفاسير مقبولة، لكن الأهم هو أن النص لا يحدد هويته، وله بالتأكيد قصداً في ذلك. وبما أن هوية عبد يهوه غير محددة، فكل من يقرأ النص مدعو بأن يطبقه على ذاته وفي زمانه ومكانه. بالطبع هذه القاعدة تنطبق أيضاً على بقية النصوص الكتابية.

العمل بصمت (اشعيا ٤٢، ٢): في الآية الأولى ذُكر بأن الله راضٍ عن عبده كونه يُبدي الحقّ. وفي هذه الآية تذكر طريقة استتباب عبد يهوه للحق. فهو يقوم بذلك بصمتٍ وتواضعٍ وهدوءٍ. هذا الأمر مهمٌ جداً، حيث يؤكد عليه الكاتب بتكراره للفكرة ذاتها بثلاثة تعابير مختلفة. وهذا درس لكل من يقف بجانب الحقّ، عليه أن يتذكر بأن طريقة الدفاع عن الحق هي أيضاً بغاية الأهمية.

مبدأ اللاعنف (اشعيا ٤٢، ٣؛ قارن: متى ١٢، ٢٠): الميّزة الأخرى والمُكملة لسابقتها لهذا العبد هي إيمانه بمبدأ اللاعنف. فهو يبقى اميناً لرسالته في إبداء الحق لكن بشكلٍ سلميٍ، من دون صياحٍ، ومن دون إيذاء أحدٍ، وبالأخص للطرف الأضعف. هذا الضعف يُعبّر عنه من خلال صورتين مجازيتين: القصبة المرضوضة، والفتيلة المدخنة. الصورتان قد ترمزان للخاطئ (قارن متى ٩، ١٣) أو المؤمن البسيط في إيمانه، أو الأعداء (قارن اشعيا ٣٦، ٦) الذين سيكون مصيرهم الهلاك، إن لن يتوبوا. إن الله يعطيهم فرصة التوبة من خلال رسوله وعبده الذي جاء ليبشر بالخلاص والعدل والحرية بكل تواضع وبساطة ومحبة. 

الأمانة للرسالة (اشعيا ٤٢، ٤): الطريقة السلمية (الآيتان ٢ و ٣) لعبد يهوه لاستتباب الحق للأمم (الآية ١) بأمانة (الآية ٣) وفي الأرض (الآية ٤)، لا تعني التنازل والتراخي وابداء الضعف، بل قوة الإرادة والإصرار للمُضيّ قُدماً. فهو لا يكسر ولا يطفئ، ولكنه بالمقابل لا يقبل بأن تُكسر إرادته وتُثنى عزيمته. وهذا ما يشدد عليه النص بتكراره للفعلين: لا يَني ولا يَنثَني.

قوته من الله، خالق الكون (اشعيا ٤٢، ٥): هذا المؤمن يدرك بأنه سينجح في إحلال الحقّ من دون اللجوء للقوة والعنف لأن الله معه، وهو من كلّفه بإداء هذه الرسالة. إذن قوته تأتي من إيمانه بالله، خالق السماوات والأرض، وأصل الحياة كلها.

الله خالقه (اشعيا ٤٢، ٦): الايمان بالخَلق لا ينبغي أن يكون ايماناً مُجرداً أو فكرة عامة، وإنما خبرة شخصية وخَلقٍ مستمر. فالله يمنح عبده نسمة الحياة في كل لحظة. من الملاحظ بأن الله فقط هنا وفي الآية اللاحقة يوجه كلامه لعبده، بعد أن تحدث عنه بصيغة الغائب. يوجّه كلامه له بشكلٍ مباشرٍ، وذلك لأهميته. أمرٌ آخر يُلفت النظر أيضاً في هذه الآية هو أن دعوة الله لعبده ومسكه بيده يُذكران قبل جَبْلِهِ له؛ (قارن: ارميا ١، ٥): “قَبلَ أَن أُصَوِّرَكَ في البَطنِ عَرَفتُكَ، وقَبلَ أن تَخرُجَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّستُكَ، وجَعلتُكَ نَبيّاً لِلأُمَم”. ومن هنا تأتي أهمية تلبية الدعوة. فالله يعطي لكل إنسان مَهمة المساهمة في خلق عالمٍ أفضلٍ وأجملٍ من خلال الدفاع عن الحقّ، ومحاربة الظلم. إن مصطلح جَبَلتُكيرجعنا لقصة خلق الله لآدم في سفر التكوين (تكوين ٢، ٧)، وعبارة “عَهداً لِلشَّعبِ” تذكرنا بالعهد الذي أبرمه الله مع إبراهيم (تكوين ١٥؛ ١٧)، أما عبارة “نوراً لِلأُمَمِ” فتنقلنا للعهد الجديد وبالأخص لهاتين الآيتين: “أَنَا هُوَ نُورُ العَالَم” (يوحنا ٨، ١٢؛ ٩، ٥) و “أَنْتُمْ نُورُ العِالَمِ” (متى ٥، ١٤).

التحرير من السجون (اشعيا ٤٢، ٧): السياق التاريخي لهذا النص هو عودة الشعب العبراني من سبي بابل. وعلى ضوء هذا السياق التاريخي يتبين بأن دعوة عبد يهوه هي في أن يكون مُحَرِّراً. إن فكرة التحرير من السجن تتكرر في هذه الآية بثلاث عبارات وذلك لتشديد على اهميتها. إن العيون وصفت بعمياء كونها لا تبصر بسبب ظلام السجن، ولهذا بمجرد الخروج منه تنفتح. أما الجلوس في الظلمة فيشير لظلم وقيود عبودية مصر وسبي بابل. والخروج بطبيعة الحال يشير للخروج من العبوديتين، والرجوع إلى أرض الميعاد.

التحرر من الأصنام (اشعيا ٤٢، ٨): بالطبع لا يكفي الخروج من ظلمات سجون الظالمين لعيش الحريّة، وإنما ينبغي التحرر بشكلٍ خاص مما اختار المرء لنفسه من الآلهة المزيفة والأصنام الخدّاعة ليتسنى له تذوق طعم الحريّة. وهذه هي أيضاً من صلب رسالة عبد يهوه. لكن قد يعارض البعض بالقول: إن كان هذا الشخص المدعو هو بنفسه يُدعى عبداً، فكيف يستطيع أن يحرر الأخرين؟ للإجابة على هذا، ينبغي ألا ننسى بأنه عبد يهوه، أي عبد الله الحقيقي، خالق سماء والأرض ومانح الحياة والحرية والخلاص. ولتوضيح الفكرة نستشهد بما جاء على لسان أحد المفسرين، قائلاً: “لا توجد في اللغة العبرية الكتابية كلمة «الحرية». يوجد فقط خياران، إما أن يكون المرء عبداً لله، أو عبداً لأقوياء هذا العالم“. وهذا ما يؤكد عليه كاتب سفر الأخبار الثاني، بقوله: “لَكِنَّهم يَكونونَ عَبيدًا لَه لِيُمَيِّزوا بَين عُبودِيَّتي وعُبوديِّةِ مَمالِكِ البِلاد” (٢ اخبار ١٢، ٨).

المُحدَثات (اشعيا ٤٢، ٩): يُختتم النص بدعوتنا نحن كي نُجسد رسالة عبد يهوه في واقعنا، مُلبينا دعوة الله لنا للمساهمة في تحرير الأنسان من كل اشكال العبودية بدءاً بأنفسنا. فعالمنا أيضاً لا يزال يعاني من ظلم الظالمين وظلمات الجهل، والسبي والعبودية، والتعصب والفساد، والخطيئة والموت. حينما نعيش ملأ دعوتنا ورسالتنا، نستطيع القول بأن ما جاء في النص ليس قديماً ومن الأَوائِلُ التي قد أَتَت. فالله يدعوننا اليوم للسيّر وفق كلمته التي تعطي معنى لحياتنا، ومن خلال ذلك بإمكاننا أن نخبر بالمُحدثات والمساهمة في محاربة الظلم والعبودية، ومساندة كل مظلومٍ وسجينٍ وفقيرٍ ومهمشٍ. وبهذا نستطيع القول بأننا نعيش بالفعل زمن بشارة الخلاص.

شاهد أيضاً

طقوس كنيستنا

طقوس كنيستنا الاب سنحاريب يوخنا ما المقصود بكلمة “طقوس”؟ نظام وترتيب  هو طقس ق. 40 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *