الرئيسية / الكنيسة الكلدانية / الأزمنة الطقسية ومعانيها الروحية

الأزمنة الطقسية ومعانيها الروحية

تراثنا المشرقي

ليتورجيا كنيسة المشرق الكلدانية

الأزمنة الطقسية ومعانيها الروحية

المطران جاك اسحق

تطلب الكنيسة من أبنائها أن يستخدموا الزمن وساعاته وتعاقب أيامه ولياليه لتمجيد الله وتحقيق خلاصهم، عبر صلاة التسبيح التي يرفعونها نهاراً وليلاً، ومن خلال الأعياد والمواسم الطقسية التي يقيمونها إحياءً لذكرى عمل يسوع الخلاصي “اصنعوا هذا لذكري”. فالزمن الطقسي يشدنا إلى الله، الذي افتقدنا بواسطة تأنسه. وهذا ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل استحضاراً للمسيح بيننا. المسيح هو الخلاص الذي صار حدثاً حاضراً اليوم وإلى الأبد.

ولأجل فهم معنى الأزمة الطقسية التي تحتويها سنتنا الطقسية، نظمنا هذه الدراسة القصيرة لشرع معنى السنة الطقسية وتقسيمها، وفق طقسنا الكلداني المشرقي، مع أمثلة لأربعة أزمة طقسية هامة فيها.

السنة الطقسية

يحقق المسيح الفادي حضوره الدائم بيننا عبر الاحتفالات الطقسية التي نقوم بها خلال السنة، تخليداً لذكرى الأحداث التي عاشها على الأرض مدة نحو ثلاث وثلاثين سنة، أي: التجسد، الميلاد، العماد، التبشير بملكوت الله، الآلام والموت والقيامة، وعودته في آخر الزمان.

السنة الطقسية الكلدانية

قام البطريرك إيشوعياب الثالث الحديابي (649-659 م) بتنظيم السنة الطقسية الكلدانية، فوزّع مراحل تدبير الخلاص عبر مواسم السنة التي قسمها إلى سبعة أقسام أطلق عليها اسم “أزمنة”، جعل كل منها مكوّن من سبعة أسابيع، وأضاف إليها زمنين آخرين، الأول في البداية والآخر في النهاية، يحتوي كل منهما على أربعة أسابيع.

زمن البشارة

تفتتح السنة الطقسية الكلدانية بزمن البشارة، الذي يشتمل على أربعة آحاد تهدف إلى إعداد المؤمنين للاحتفال بذكرى ميلاد يسوع المسيح، لذا تتلى على مسامعهم نصوص الإنجيل التي تسرد الأحداث الخلاصية التي سبقت الميلاد وأعدّت له، أي بشارة الملاك للكاهن زكريا، بشارة الملاك للعذراء مريم وزيارتها لنسيبتها إليشباع، ولادة يوحنا المعمدان، وأخيرا بشارة الملاك للقديس يوسف.

تقدم الصلوات التي نتلوها والترانيم التي ننشدها خلال هذا الزمن تأملات في سرّ التجسد، واتحاد الله الكلمة بالطبيعة البشرية والحبل العجائبي ودور العذراء مريم في سر التجسد؛ من هذه الألحان نورد ترجمة الترتيلة الرائعة التالية:

الكائن الأسمى من الكل، انحدر بدافع حبه، ليرفع المتواضعين إلى اسم جلاله، وليُصعد الكائنات الأرضية إلى المنزلة الإلهية، وليفتح لهم كنز حكمته، فيغتنوا من ثرواته، ويوزعوا غناه، ويفرحوا دون غم، ويملكوا دون خوف”.(الحوذرة، الجزء الاول، ص58).

فترة الميلاد

احتفل الرومان القدامى بعيد ميلاد الشمس التي لا تُقهر في 25 كانون الأول، لأن هذا اليوم يقع فيه يوم الانقلاب الشتوي لديهم. وقد قامت الكنيسة بتبنّي الأعياد الوثنية بعد إعطائها محسة مسيحية، فجعلت هذا اليوم عيد ميلاد يسوع، إذ رأت في الشمس رمزاً للمسيح، نور العالم، كما ورد لدى الأنبياء (ملاخي 4/2).

ومن التراتيل الغنية بالمعاني الروحية لهذا العيد الأنشودة التالية: “السر العظيم الذي كان خفياً منذ الأزمنة والأجيال، كُشف لنا في آخر الدهور: الوحيد الكائن في حضن أبيه، أتى واتخذ هيئة العبد بنعمته؛ وهو الذي أخبرنا وكشف لنا الإيمان الكامل بالثالوث”،(الحوذرة، الجزء الأول، ص229).

وتُتلى خلال قدّاسي الأحدين اللذين يتبعان عيد الميلاد فصول من الإنجيل تسرد الأحداث التي جرت بعد الميلاد: زيارة المجوس، استشهاد أطفال بيت لحم، وهرب العائلة المقدسة إلى مصر وعودتها إلى الناصرة، الختانة، رتبة تطهير العذراء، فقدان يسوع ووجدانه في الهيكل.

زمن الدنح

نحتفل في السادس من كانون الثاني بعيد الدنح، أي ظهور يسوع للعالم مسيحاً ورباً، فيوم عماذه في نهر الأردن إعلان لمسيحانيته، وبدء رسالته التبشيرية، وفيما يلي ترجمة إحدى ترانيم هذه الفترة:

ها هي ذي السماوات مفتوحة، ها هي ذي الأسرار معروضة، والغفران مُعَدٌّ، والروح القدس يحل ويمنح أنفسنا حياة الأبد”. (الحوذرة، الجزء الأول ص401).

وفي الجمع الواقعة في هذا الزمن، نخلّد تذكار القديسين والشهداء الذين بذلوا حياتهم في سبيل المسيح. وفي مطلع الأسبوع الثالث قبل الصوم الكبير، أي الأسبوع الخامس من الدنح، نقيم صيام “الباعوثة”، أي الطلبة، الذي يدوم ثلاثة أيام، خلال ممارسة توبوية تعيد ذكرى صوم أهل نينوى كما جاء في سفر يونان وتحيي ذكرى الشفاء العجائبي الذي أنعم به الله على سكان مناطق نينوى وكركوك، وحدياب، من الوباء الذي انتشر فيها في القرن الميلادي السادس.

زمن الصوم الكبير

استعداداً للاحتفال بذكرى موت المسيح وقيامته المجيدة، يقيم مؤمنو كنيسة المشرق صياماً يدوم أربعين يوماً، يعدها مؤلف مجهول من القرن التاسع على النحو التالي: يبدأ الصوم نهار الاثنين السابع قبل أحد القيامة؛ ويصومون ستة أيام من الأسابيع الستة الأولى، إذ لا يجوز الصيام أيام الآحاد، يكون مجموع هذه الأيام 36 يوما، تضاف إليها الأيام الأربعة الأولى من أسبوع الآلام.

تعبر الترتيلة التالية عن الفرح الغامر الذي يستقبل به المؤمن الصوم الكبير، كما أوصى المخلص قائلاً: “إذا صمتم فلا تكونوا معبسين… إذا صمت اغسل وجهك وادهن رأسك” (متى6/16-18)، ولأن هذا الزمن التوبوي يقدم للصائم فوائد روحية جمة:

ها قد أتانا الصوم البهي مثل ملك، فليزيّن كلّ منا نفسه كمدينة (تستقبل زعيمها)، لنطهر قلوبنا من الإثم كما تنظف الأزقة، ولنقم العقل الصافي قائداً على أفكارنا (كرئيس) على الجماهير، ولنقدم لأبصارنا الكتب التي نوفر الفهم لنا، ولنتضرع جميعاً إلى الرب بالطهر والقداسة قائلين: ارحمنا” (الحوذرة، الجزء الثاني ص69).

ينتهي الصوم الكبير بخميس الفصح الذي يحيي ذكر عشاء يسوع الأخير وتأسيسه سر القربان، وفي الجمعة العظيمة نحيي ذكرى آلامه وموته على الصليب.

زمن القيامة

يبدأ الزمن الرابع من السنة الطقسية، عشية أحد القيامة، بالمراسيم الطقسية التالية: صلاة المساء، رتبة عماد الموعوظين، رتبة الغفران للتائبين، والقداس الطقسي، ثم تلي سهرة القيامة والقداس الصباحي الكبير، يقام أثناءه طواف القيامة. نورد ترجمة ترتيلة جميلة تستعرض مفاعيل قيامة المسيح الخلاصية في حياة الإنسان، لا بل تعمّ الخلائق كلها:

ها قد تجددت الخلائق كلها بالمسيح، لأنه مصدر الحياة الجديدة. فقد زال بواسطته سلطان الموت، إذ أقام الموتى الذين لبوا نداءه، وهوذا الشيطان يتنهد بحسرة قائلاً: الويل لي، إذ أصبحت أضحوكة لآدم وأولاده، فقد جردني يسوع من سلطاني، وانتزع ملكي من يدي، ووزع الحياة على أبناء جنسه جميعاً” (الحوذرة، الجزء الثاني،ص393).

عن Yousif

شاهد أيضاً

ss

assa

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *