أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الأحد الثاني من البشارة: الإيمان يشقُ طريقنا عبر البحار والصحاري‎

الأحد الثاني من البشارة: الإيمان يشقُ طريقنا عبر البحار والصحاري‎

الأحد الثاني من البشارة:

الإيمان يشقُ طريقنا عبر البحار والصحاري

 

الأب ريبوار عوديش باسه

 

قراءات الأحد الثاني من البشارة:

 

الاولى من سفر اشعيا ٤٣، ١٦ ـ ٢١؛ تتكلم عن تدخل الله في حياة شعبه من خلال ما ياتيه لهم من جديد.

الثانية من الرسالة الى قولسي ٤، ٢ ـ ٥؛ تدعو الى الصلاة واعتماد الحكمة في كلامنا ومواقفنا.

الثالثة من انجيل لوقا ١، ٢٦ ـ ٣٧؛ تروي بأسلوب مشوَّق خبر البشارة الى مريم.

 

تفسير نص القراءة الأولى (اشعيا ٤٣، ١٦ ـ ٢١) وتأوينه:

 

إن اسم النبي اشعيا يعني “الرب يخلص”، وبهذه الآيات يعبر اشعيا عن هذه الحقيقة حيث يُبين كيف خلص الله الشعب العبراني من عبودية مصر ومن جبروت فرعون وجيوشه، وكيف شق طريقهم عبر البحر والصحراء نحو أرض الميعاد. كل العقبات والمخاطر تتحول لطريق نحو الخلاص بفضل الله ومرافقته لمؤمنيه في كل خطواتهم، إن كان في البحر أو البر، وإن كان في السهل أو الجبل، وإن كان في جنائن خضراء أو في صحراء قفراء. يصف النبي بلغة شعرية ورمزية حقائق تاريخية اختبرها المؤمنون على مرّ العصور (قارن: عب ١١)، مفادها أن الإيمان لا يُقهر ولا يُهزم ولا يوجد أمامه المستحيل. فمن كان الله معه، لا أحد يقدر أن يهزمه (قارن: رو ٨، ٣١)، ويستطيعُ كُلَّ شيَءٍ بِذاكَ الَّذي يُقوِّيه (قارن: في ٤، ١٣). “فما مِن شَيءٍ يُعجِزُ الله” (لو ١، ٣٧) وكل من يؤمن به (قارن: متى ١٧، ٢٠).

تحرير المظلومين (اش ٤٣، ١٦): يقدّم النبي اشعيا في الآيتين ١٦ و١٧ الرّبَ كمخلصٍ ومحررٍ للمظلومين ومُهلك الظالمين.  الشعب العبراني الذي عانى من عبودية مصر وسبي بابل، لم يتركه الله وإنما تدخل بقوة لخلاصه. إن أعجوبة فتح الطريق عبر البحر هي خير دليل بأن الله يعمل المستحيل ويصنع الأعاجيب لإنقاذ شعبه.

هلاك الظالمين (اش ٤٣، ١٧): يتمثل الظالمون هنا بفرعون وسلطته وجبروته وعسكره واسلحته. امثاله عادة يظنون أنهم بالاعتماد على السلطة والأسلحة واستخدام العنف يستطيعون اخضاع الآخرين وسلب حرياتهم وجعلهم عبيداً لهم. لكن الله لا ينسى أبنائه المضطهدين والمتألمين. إذ يُبدي رحمته تجاههم، فيقلع الشر من جذوره ويرميه في أعماق البحر ليحررهم منه. وهكذا البحر الذي يصبح طريقاً لخلاص المظلومين، يتحول لمقبرة للظلم والظالمين والشرّ وأسلحته.

القدائم (اش ٤٣، ١٨): هنا تبدأ كلمة الرّب الموجهة لشعبه الآن وبشكل مباشر. يقصد بالأوائل والقدائم الخلاص الذي حققه الله لشعبه في الماضي. مع ذلك لا ينبغي على المؤمنين التشبث فقط بالماضي العظيم بعجائبه الخلاصية “لا تَتَذَكَّروا الأَوائِل، ولا تَتَأَمَّلوا القَدائم”، لأن ما سيصنعه الله من العجائب هنا والآن سيكون أعظم. فمن خلصنا في الماضي لا يمكنه أن ينسانا اليوم. والإيمان ليس درساً عن التاريخ وأحداثه، وإنما هو حقيقة ينبغي اختبارها هنا الآن.

أما من جهة الإنسان، فإن القدائم تشير لهفواته وسقطاته وخطاياه وخبراته الأليمة، وعدم تقبله وتقديره لعمل الله الخلاصي في حياته. إن الشعب الذي حرره الله من عبودية مصر، سرعان ما بدأ بالتذمر ونكران الجميل. ومع ذك يصفح الله عن خطاياه ويظلله بمراحمه ويدعوه للتحرر من ماضيه الأليم ونسيانه كي يولد ولادة جديدة كشعب حرره الله وقدسه. الولادة الجديدة لشعب الله وقيامته الجماعية تتمثل برجوعه من سبي بابل لأرضه ولجذوره وإعادة بناء ما دُمّر بسبب غزو اورشليم وتدمير هيكلها وسبي شعبها؛ “… هاءَنَذا أَفتَحُ قُبورَكم وأُصعِدكم مِنْ قُبورِكم يا شَعْبي، وآتي بِكم إِلى أَرض إِسْرائيل … وأَجعَلُ روحي فيكم فتَحيَون، وأُقِرُّكم في أَرضكم …” (حز ٣٧، ١٢ ـ ١٤). كم نحن اليوم بحاجة لهذه البشارة الخلاصية لشعبنا الذي يخشى الزوال! فهل نؤمن فعلاً بكلمة الرّب هذه ونعمل على تحقيقها!

القادم (اش ٤٣، ١٩): الخلاص بدأ الآن بنمو نبتة في الصحراء. كلنا لدينا خبرة بأنه عندما تزرع النبتة وتبدأ بالنمو فإنها لن تتوقف. هكذا هو خلاص الله، وبوادره قد باشرت فعلاً بالظهور على صورة نبتة صغيرة بدأت تنبت في ارض قاحلة. إن الخلاص يأتي بهدوء وسلام ومحبة، وليس بالجيوش الجرارة وبالفوضى والعنف والقوة والمجد الباطل (قارن: الآية ١٧). الزرع أو النبتة تشير لولادة المخلص “ويَخرُجُ غُصنٌ مِن جذعِ يَسَّى وَينْمي فَرعٌ مِن أُصولِه” (اش ١١، ١). نمو النبتة في صحراء قاحلة اعجوبة ودليل على عناية الله بشعبه بتحويله الصحراء لجنة عدن حيث تجري الأنهار وتنمو النباتات والأشجار وتعيش خلائق الله، ممجدة اسمه (قارن: تك ٢).

النبتة بالنسبة لنا هي تجسد يسوع المسيح (قارن: لو ١). “أَفلا تَعرِفونَه؟” معرفتنا له تأتي من ايماننا ولقاءنا الشخصي به ليغير حياتنا. من جهة أخرى، لو قارنّا ما جاء في هذا النص بمعجزة ولادة يوحنا ورسالته التي كان يؤديها في البريّة، لرأينا بأن يوحنا أيضا هو كالنبتة التي زرعها الله في برية يهوذا ليهيئ طريق المسيح المنتظر. إذن زمن البشارة هو زمن زرع هذه النبتة ونموها في صحراء حياتنا، وخروج هذا الغصنُ من جذع تاريخنا الإيماني وأصولنا ليحول حياتنا من صحراء لفردوس.

العجائب في البرية (اش ٤٣، ٢٠): من النبتة في الآية السابقة يتحول الكاتب لذكر وحوش البرية، ويذكر اسم حيوانين بشكل صريح وهما بنات آوى وبنات النّعام. كل هذه الكائنات تمجد الله الذي يمنحها الحياة في كل لحظة في برية وفي ظروف مناخية قاسية جداً. وبالرغم من قسوة حياتها، تمجد الله. بنات آوى هي من فصيلة الكلبيّات وتعيش في المناطق المهجورة وهي سريعة جداً وتتنقل كثيراً. أما بنات النّعام أي النعامة فهي تتميّز بشكلها غيّر المقبول وبصوتها المزعج، ومع ذلك تمجد هي الأخرى الله. كما تتميز النعامة مثل بنات آوى بسرعتها وترحّلها وقساوة حياتها. أما شكلها فيشبه الجمل، ولهذا دعيت بـ Struthio camelus.

من يريد أن يشق طريقه نحو الخلاص عبر البحر يخاف الموت غرقاً، أما عبر الصحراء فأنه يخشى الموت عطشاً. لكن الحيوانات والوحوش البرية هي خير دليل بأن الله لا ينسى خليقته ويخلص عبيده من كل المخاطر. تمجيدها لله هو لأنه يقوتها ويروي عطشها (قارن: متى ٦، ٢٦). لكن التمجيد للخالق من قبل وحوش البرية في سياق هذا النص هو لأنها ترى بأم عينها كيف يهتم الله بشعبه حيث جعل المياه والانهار في الصحراء ليروي عطش الشعب الذي اختاره وخلقه له من جديد بإخراجه من عبودية مصر وتحريره من سبي بابل. وهكذا تُلقن وحوش البرية درساً للشعب الذي حرره الله من عبودية مصر، إلا أنه سرعان ما بدأ بالتذمر عليه؛ “فخاصَمَ الشَّعبُ موسى وقال: «أَعْطونا ماءً نَشرَبُه». فقالَ لَهم موسى: «لِماذا تُخاصِموَنني ولماذا تُجَربونَ الرَّبّ؟» (خر ١٧، ٢)، في حين أن هذه الخلائق تستمتع بحياتها حتى في أقسى الظروف المناخية الصحراوية ومخاطرها، وتمجد الله في كل لحظة.

تمجيد الخالق والمخلص (اش ٤٣، ٢١): تنتهي هذه الآية بما بدأت به الآية السابقة أي بتمجيد الله وحمده. إن الخلق والحياة والخلاص كلها من عجائب الله ونعمه. فهل نشكر الله ونحمده على كل هذا، كما تفعل حيوانات البرية وكل الخليقة، أم نتذمر ونتمرد ونتخاصم؟!

إذن ونحن في زمن البشارة مدعوون إن نتسلح بالإيمان القويم والراسخ والعميق. إيماناً كهذا لا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع انتزاعه من قلوبنا بفضل القوة التي يمنحها الله لمن يتّكل عليه. فبالإيمان يفتح الله طريقنا نحو بشارة الخلاص عبر مياه البحار ورمال الصحاري.

 

شاهد أيضاً

طقوس كنيستنا

طقوس كنيستنا الاب سنحاريب يوخنا ما المقصود بكلمة “طقوس”؟ نظام وترتيب  هو طقس ق. 40 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *