الرئيسية / المقالات / الكنيسة الكلدانية أولى الكنائس مسكونيا في الشركة التامة مع الكرسي الرسولي

الكنيسة الكلدانية أولى الكنائس مسكونيا في الشركة التامة مع الكرسي الرسولي

الكنيسة الكلدانية أولى الكنائس مسكونيا

في الشركة التامة مع الكرسي الرسولي

الأب نويل فرمان السناطي

القلاية البطريركية – بغداد

مع حلول ليلة عيد الميلاد، لهذا العام 2018، ستحلّ بيننا الشخصية الفاتيكانية الأولى بين المحيطين بالبابا فرنسيس، الكردينال بارولين أمين سر الفاتيكان. وثمة أكثر من توقع عن مؤشرات متزايدة لزيارة البابا الى العراق. وفي هذه المناسبة قد يتساءل المرء، عما يكون موقع كنيستنا المشرقية الكلدانية الكاثوليكية بين ما يربو على 14 كنيسة سبق لها وأن اتحدت، عبر التاريخ، مع روما. وهي كنائس كاثوليكية، ضمن لها  حقّها القانوني الكنسي الكاثوليكي الخاص، أن تحتفظ بخصوصيتها الثقافية والطقسية وأصالتها. وثمة تطور أيضا في موضوع السلطة القضائية.

 وتستجدّ بادئ ذي بدء فكرة التساؤل عما يميز الكنيسة الكلدانية عن شقيقتها، إن لم نعد نقل، توأمها، كنيسة ملبار الكاثوليكية في كيرالا – الهند. وهي الكنيسة التي كانت، منذ بدايات المسيحية ضمن كنيسة المشرق العريقة، حتى تطورت ظروف تاريخية وجغرافية، خصوصا مع الهيمنة البرتغالية في الهند في 16 و 17 ، فألحقت مباشرة بروما، تحت عنوان رئاسة أسقفية.

تساؤلنا هذا يجد بعض اصدائه، في تفاصيل عن الزيارة التي قام بها الى الهند، الكردينال لويس روفائيل ساكو بطريرك الكلدان، ومعه عدد من الأحبار واكليروس الكنيسة الكلدانية. وقد ذُكر في هذا المجال، انه عندما أقيم هناك القداس بحضور اكليروس كنيسة السيرو- مالبار، لفت انتباهَهم، ما جرى من تجديد وتأوين، ضمن دعوات المجمع الفاتيكاني الثاني، بغية أن تكون الليتورجيا، مخاطبة لثقافة الأجيال الجديدة للمؤمنين. وقد أعجب جانب السيرو ملابار بذلك، وقرّروا أن يتبعوا الخطوات الكفيلة بأن يقوموا هم أيضا بالتجديد، على ضوء الصيغة المتداولة في الطقوس الليتورجية للكنيسة الكلدانية. مما يبيّن الإدارة الذاتية للكنيسة الكلدانية في التعامل مع طقوسها، ومبادراتها في التجديد، بالانسجام مع نهج الكرسي الرسولي.

وفي مقاربة مع ما لقيته الكنيسة الكاثوليكية بعراقتها، من تحدّيات رجعية، تجاه ما تنتهجه من تأوين ملائم لثقافة العصر، على وفق العبارة المجمعية aggiornamento للفاتيكاني الثاني، فإن الأصوات المغرّدة خارج السرب، رافقت أيضا تجديدات الكنيسة الكلدانية، وبما أعطى لهذا التجدد مصداقية نهجها إزاء الرجعيات الروتينية الهامشية عبر التاريخ.

وهذا يعكس أيضا عراقة متميزة في الكنيسة الكلدانية، وجذورها الكاثوليكية الرائدة قياسا بالكنائس المشرقية الأخرى، مما أوحى لها الحاجة الى التأوين الفاتيكاني المذكور. كما ان هناك أكثر من إشارة إلى وزنها ضمن كنائس العالم؛ إضافة إلى حجمها الديمغرافي محليا، وعالميا؛ قد يرجع ذلك إلى قدم جالياتها في أمريكا، وانتشار تأسيس كنائس جديدة لها، كما يعود ذلك إلى تواصل اكليروسها مع روما منذ عقود، من خلال البعثات الدراسية الجامعية والأكاديمية العليا.

ولكن إضافة إلى ما سبق ذكره، فإن الكثير مما يبيّن عمق هذه الكنيسة وتجذرها ككنيسة مشرقية وكاثوليكية بآن واحد، هو أن التاريخ يشهد لها بأنها تُعدّ أقدم كنيسة شرقية ارتبطت بروما.   

يقول القس بطرس نصري في  الفصل السادس من كتابه ذخيرة الأذهان (1913) ان البطريرك يابالاها الثالث على عهد ملوك المغول، كان له “معاطيات” مع الكرسي الرسولي، في عهد البابا نقولا الرابع (1288). وكانت ثمة أولى بذور الايمان الكاثوليكي لدى كنيسة المشرق، قبل عودتها الى الشركة مع روما. وكدليل على ما حافظت عليه الكنيسة المشرقية، من وديعة إيمانية، فإن يابالاها اقتبل وثيقة الايمان التي ارسلها إليه الحبر الروماني، في 18 آب 1304. وانطلق في سنة 1443 اول اتحاد لكنيسة الشرق مع روما. ويذكر أن طيمثاوس أعلن في 1445 ايمانه الكاثوليكي وطلب أن يسمى رعاياه كلدانًا. وبعد وصوله الى روما في 18 تشرين الثاني 1552، أعلن الأنبا يوحنا سولاقا، عن إيمانه الكاثوليكي أمام البابا يوليوس الثالث، ورسم أسقفا ثم بطريركا.

ومن جانبه يقدّم البطريرك لويس روفائيل ساكو مسحا عاما لتأصل الكلداني النهائي مع روما، وذلك  في كتابه: الكنيسة الكلداني، خلاصة تاريخية (2015). فقد جاء في باب 6 (بعنوان: الحكم المغولي والإتصالات مع الغرب المسيحي) أنه في عام 1340 حصل إتصال مباشر -مع الغرب المسيحي- عندما انضمّ فريق من مسيحيين مشرقيين في قبرص الى الكنيسة الكاثوليكية وسُمّوا كلدانًا. وتجدد هذا الاتحاد مع كنيسة روما عام 1445، لما أعلن المطران طيمثاوس اسقف طرسوس، أيام البابا أوجين الرابع، إتحاده إثر انعقاد مجمع فلورنسا. ويتبين لنا كيف أن هذا المسار المسكوني مرّ بعدة مخاضات، كان أبرزها مع “تثبيت يوحنا سولاقا، بطريرك الموصل، بتاريخ 28 1553، وألبس الدرع المقدس باسم (شمعون الثامن سولاقا).” واستمرت سلسلة البطريرك شهيد الوحدة، مار يوحنا سولاقا، حتى عهد البطريرك شمعون الثالث عشر دنحا (1662-1700)، مع عودة هذا الخط إلى العقيدة التقليدية، ومع التوريث البطريركي، الذي انتهى باختيار -البطريرك الراحل- مار حننيا دنحا الرابع عام 1976 والمتوفى سنة 2015.

ولعل ما سُمّي بالتعاطيات بين كنيسة المشرق الكلدانية، والكرسي الرسولي، كان يتميّز بمسارين متداخلين، بقيا يرافقان النهج المسكوني للعودة الى الشركة مع كرسي بطرس وهما: مسار المحافظة على العقيدة المسيحية، برغم كل الصعوبات التاريخية، ضمن الوحدة أو خارجها، ومسار محافظة الكنيسة الكلدانية، بمستويات متباينة، على خصوصيتها، ضمن الوحدة مع روما.

وعموما فإن الكنيسة الكلدانية، تبرز ضمن سلاسل أحبارها البطاركة، موزعين على عدة حقب تاريخية، من التي تم ذكرها: شهيد الوحدة مار يوحنا سولاقا (1553-1555)، مار عبديشوع الرابع مارون (1555-1567) مار يوسف الثاني آل معروف (1696-1717)، مار يوحنان الثامن هرمز (1838-1847) ثم توالى على كرسي البطريركية بالتعاقب الزمني المتواصل كل من مار يوسف السادس أودو، مار إيليا الثالث عشر عبو اليونان، مار عبديشوع الخامس خياط، مار يوسف عمانوئيل الثاني توما، مار يوسف السابع غنيمة، مار بولس الثاني شيخو، مار روفائيل الأول بيداويد، مار عمانوئيل الثالث دلي، وصولا الى البطريرك الحالي مار لويس روفائيل ساكو.

ولعله ضمن هذه الأصالة وهذا الترابط مع الكرسي الرسولي عبر التاريخ، تعيش الكنيسة المسكونية، مسؤولية تواكب مسؤولية الكرسي الرسولي، في الاستعدادت لمدّ جسور الوحدة، هذا مسح متجدد لها:

ففي زمن البطريرك الراحل مار روفائيل بيداويد، كانت الدعوة حثيثة، في أعقاب الإعلان الكريستولوجي بين كنيسة المشرق وروما 11/11/1994 فخاطبت الدعوة بحميميتها حتى الحس القومي للجانب الآشوري، بحيث كاد لم يبقَ من الاستجابة لتلك الدعوة… سوى الرفض من أجل الرفض.

 وفي عهد البطريرك الراحل، مار عمانوئيل الثالث دلـّي، كانت مرحلة تلقت الكنيسة الكلدانية خلالها جرعات من المرارات الماسة بوحدة الأشقاء اعتباريا ومسيحيا.

وجاءت حقبة البطريرك الحالي، الكردينال لويس ساكو، حيث تميّزت خطواته بجرأة غير مسبوقة، عندما دعا نيافته، بعد وفاة صاحب القداسة الراحل مار دنحا الرابع، إلى عقد سينودس شامل بين كنيستي المشرق الكلدانية والاشورية، وحتى مع الكنيسة الشرقية القديمة (1964) وهي عقائديا امتداد لكنيسة المشرق الآشورية. وهنا ايضا كان للأشقاء قصب السبق، في تفويت مثل هذه الفرصة. وهي الحقبة التاريخية التي شاعت فيها عبارة الكردينال ساكو: مستعدّ حتى أن أقبـّل قدمي أي بطريرك يسعى إلى الوحدة.

وجانبيا، لا بدّ من القول، أننا عشنا جميعا، آنذاك أيضًا، مرارة عدم توصل الأشقاء إلى اتفاق بأن تعود الكنيسة الشرقية القديمة الى جذورها الأصلية في كنيسة المشرق.

وأمام التساؤل على ما إذن حوار كنيسة المشرق مع روما، تبقى تتوفر أمام كنيسة المشرق الشقيقة، كل الاختبارت التي قطعتها شقيقتها الكنيسة الكلدانية، في مسارها المسكوني منتزعة أكثر فأكثر خصوصيتها وحقـّها الذاتي، في إطار الوحدة الكاثوليكية عينها. ويمكن القول أن هذا الشوط قطعته ليس فقط لصالحها الخاص، بل يمكن أيضا أن تعد اختباراتها، كتحصيل حاصل، لقمة سائغة لكنيسة المشرق الآشورية، في الشركة التامة مع خليفة بطرس، لا يبقى للاشقاء سوى تناولها.

عن Maher

شاهد أيضاً

المستقبل بين المتفائل والمتشائم

تعقيبًا على دعوة غبطة البطريرك/الكردينال لويس ساكو: من أجل لاهوت و”فقه” المصالحة السياسية والمجتمعية (https://saint-adday.com/?p=33458)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *