أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / عيد رأس السنة: سنة جديدة حياة جديدة

عيد رأس السنة: سنة جديدة حياة جديدة

عيد رأس السنة:

سنة جديدة حياة جديدة

الأب ريبوار عوديش باسه

 

قراءات قداس عيد رأس السنة الميلادية الجديدة، وعيد الختانة (ويوم السلام العالمي):

الأولى من سفر اشعيا (٤٢، ١٨ ـ ٢٥) تظهر كيف أن الشعب اصمَّ اذانه عن سماع كلمة الله التي تنير سبيله.

الثانية من الرسالة الى اهل غلاطية (٥، ١ ـ ٦) تَدعو الى السلوك الجديد كأبناء احرار وليس كعبيد.

الثالثة من انجيل لوقا (٢، ٢١ ـ ٤٠) تروي خبر ختان يسوع وتقدمته الى الهيكل.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٤٢، ١٨ ـ ٢٥) وتأوينه:

يوجه الله في هذا النص توبيخاً قاسياً لبني إسرائيل لرفضهم طاعة وصاياه وعبادته، وتمردهم عليه بإطاعة أوامر أمراء ورؤساء العالم وعبادة الأوثان. يتطرق الكتاب المقدس كثيراً لهذا الأمر، وهناك عدّة نصوص كتابية مشابهة جداً لنصنا هذا، وهي: (تث ٣٢؛ اش ١؛ ار ٢؛ مي ٦؛ مز ٥٠). فلنتأمل بآيات هذا المقطع من سفر اشعيا التي بالرغم من قساوتها تعطي الرجاء بمستقبل أفضل.

الصُّمُّ والعُمْيان (اش ٤٢، ١٨): يوصف شعب الله في هذه الآيات بالأعمى والأصمّ بسبب عدم طاعته لربّه وتمرده على تدبيره الخلاصي. الكلام هنا موجه بصيغة الجمع المخاطب، والمقصود به “الشعب” كله حيث يرد ذكره بشكل صريح في الآيات اللاحقة من هذا المقطع، وكذلك في الفصل التالي، حيث نقرأ فيه ما يلي: “أَخرِجِ الشَّعبَ الأَعْمى ولَه عَينان والأَصَمَّ ولَه أُذُنان” (اش ٤٣، ٨). المخاطبون هنا يوصفون بالصُّمُّ والعُمْيان لأن مشكلتهم تكمن في عبادة الاوثان. هذا ما يتبين من الآيتين السابقتين حيث نقرأ ما يلي: “وأُسَيِّرُ العُمْيانَ … المُتَوَكِّلونَ على المَنْحوتات القائِلونَ لِلمَسْبوكاتِ: أَنتُنَّ آِلهَتُنا” (اش ٤٢، ١٦ ـ ١٧).

مقارنة هذا المقطع بمزمور ١١٥ تُؤكد هذا التفسير. فمن يعبد الاصنام يصبح مثلهم: ٤ أَوثانُهم فِضَّةٌ وذَهَب، صُنعُ أَيدي البَشَر. ٥ لَها أَفْواهٌ ولا تَتَكلَم، لَها عُيونٌ ولا تُبصِر، ٦ لَها آذانٌ ولا تَسمعَ، لَها أُنوفٌ ولا تَشُمّ، ٧ لَها أَيدٍ ولا تَلمُس، لَها أَرجُلٌ ولا تَمشي، ولا بِحَناجِرِها تتَمتِم. ٨ مِثلها يَصيرُ صانِعوها وجَميعُ المُتَّكِلينَ علَيها” (مز ١١٥، ٤ ـ ٨). من يعبد الأصنام ويتكل عليها يفقد كل حواسه ومشاعره واحساسه وعقله وبالأخص ايمانه. قد يقول البعض بأن الناس اليوم لا يعبدون الأصنام، وعليه كلام النبي هذا لا يعني لنا شيئاً. الجواب على هذا الاعتراض هو أن النبي اشعيا نفسه قد لا يقصد بالضرورة عبادة الاصنام حرفياً، وإنما يقصد بشكل خاص رفض اتباع مخطط الله الخلاصي وتطبيق وصاياه والاتكال عليه. عوضاً عن ذلك يتكل الإنسان على مخططاته الخاصة، ويضع ثقته في أقوياء وعظماء العالم، ويعبد المال والسلطة واللذة. مثال واضح على ذلك هو الملك آحاز الذي التمرد على الله، ورفض الاستماع له وللنبي اشعيا، ولم يرغب بأن يطلب آية، إلا أنه من جهة أخرى خطط وتآمر مع ملوك الأرض متكلاً عليهم: “لِأَنَّهم صَعِدوا إِلى أَشُّور، مِثلَ حِمارِ الوَحشِ المُنفَرِدِ بنَفسِه …” (هو ٨، ٩)، بدلاً من الاتكال على الله (اش ٧، ١٠ ـ ١٢).

أول توبيخ يوجهه اشعيا لشعبه لعدم استماعه لله وتمرده عليه يرد بالضبط في مطلع سفره، مباشرة بعد أن يتم تقديم النبي في الآية الأولى، قائلاً: ٢ إِستَمِعي أَيَّتُها السَّموات، وأَنصِتي أَيَّتُها الأَرض، فإنَّ الرَّبَّ قد تَكَلَّم. إِنَّي رَبَّيتُ بَنينَ وكَبَّرتُهم، لكِنَّهم تَمرَدوا علَيَّ. ٣ عَرَفَ الثَّورُ مالِكَه والحِمارُ مَعلَفَ صاحِبِه، لكِنَّ إِسْرائيلَ لم يَعرِفْ، وشَعْبي لم يَفهَمْ. ٤ وَيلٌ لِلأمَّةِ الخاطِئَة، الشَّعبِ المُثقَلِ بِالآثام، ذُرَيَةِ أَشرْارٍ وبَنينَ فاسِدين. إِنَّهم ترَكوا الرَّبّ، وآستَهانوا بِقُدُّوسِ إِسْرائيل، وآرتَدُّوا على أَعْقابِهم. ٥ عَلامَ تُضرَبونَ أَيضاً إذا آزدَدتُم تَمَرُّداً؟ الرَّأسُ كُلُّه مَريض والقَلبُ كُلُّه سَقيم” (اش ١، ٢ ـ ٥). ويستمر اشعيا في توبيخه هذا في نبوءته كلها حتى نهاية سفره (قارن: اش ٦٥، ١٢).

الأصَمُّ والأعمى (اش ٤٢، ١٩ ـ ٢٠): المرسل وعبد يهوه المقصود هنا هو على اغلب الأعم اشعيا النبي نفسه. وإذا كان هو، فهو غير مستثنٍ عن خطيئة الشعب. إن حاله كحال شعبه، لا بل وصفه يأتي أكثر قساوة: إنه أصَمُّ وأعمى، وإذا رأى لا يحفظ، وإذا فَتح أُذُنَيه لا يَسمعَ. بالحقيقة، عندما رأى اشعيا الله أعترف بخطيئته، قائلاً: “… وَيلٌ لي، قد هَلَكتُ لِأَنَّي رَجُلٌ نَجِسُ الشَّفَتَين، وأَنا مُقيمٌ بَينَ شَعبٍ نَجسِ الشِّفاه …»” (اش ٦، ٥). ما من أحد بلا خطيئة (قارن: يو ٨، ١ ـ ١١؛ ١ يو ١، ٨ ـ ١٠) بما فيهم الكهنة والأنبياء (هو ٤)، الملوك والرؤساء وعامة الشعب (اش ١، ٢ ـ ٩. ٢٣؛ هو ٨؛ تث ٣٢، ٥ ـ ٦؛ مز ١٣٠، ٣ ـ ٤)، اليهود والأمم (رو ٣، ١ ـ ١٨). فقط الرّب بلا خطيئة (عب ٤، ١٥)، وهو برحمته حمل خطايانا ليخلصنا (قارن: ١ يو ٢، ١ ـ ٢).

نتعلم من هذا بأن لا نوجّه نصائحنا وإرشاداتنا للأخرين ونستثني أنفسنا منها. يدين يسوع رجال الدين والقادة على هذا (قارن: متى ٢٣؛ يو ٩، ٣٩ ـ ٤١). ألسنا نحن أيضاً مثلهم؟ ربما بسبب قصر نظرنا، أو حتى بسبب العمى الكامل. واحياناً نرى ولا نفهم، أو نعرف ما هو صالح ولا نعمل به: “لأَنَّ الخَيرَ الَّذي أُريدُه لا أَفعَلُه، والشَّرَّ الَّذي لا أُريدُه إِيَّاه أَفعَل” (رو ٧، ١٩).

قد ندين الأخرين لسقطاتهم وهفواتهم وفشلهم، إلا إننا نكون مذنبين مرتين إذا كررنا أخطائهم، لأننا نعرف جيداً ومسبقاً بأن نتائجها مأساوية. هنالك خطورة بأن نكون مهيئين لتوجيه رسالة الله للأخرين لدرجةٍ تجعلنا لا نرى كيف يلمس محتواها واقعنا الشخصي وحياتنا الخاصة. ينبغي أن نكون أول المستفيدين من نصائحنا التي نوجهها لغيرنا.

إرادة الرّبّ (اش ٤٢، ٢١): هل يقصد بعبارة “بسبب برّه” هنا برّ الله، أو برّ “عبد الرّب” الذي ذكر في الآية السابقة؟ النص مبهم هذه الناحية. إن كانت الإشارة لبّره الله، يكون القصد بأن الله قد جعل التوراة عظيمة ومكرمة بسبب بّره وامانته لعهده تجاه شعبه. أما إذا كان مصلح البرّ للإشارة لـ “عبد الرّب”، فذلك يعني بأن الله من خلال عبده هذا سيرجع الشرعيّة والنظام والحياة الكريمة لعالم يعاني من الخطيئة والفوضى والدمار.

يعطي الكتاب المقدس لنا حكمة الحياة وسرّ نجاحها بتأكيده على أن السير في طريق الرّب وعيش التوراة يعطي الحياة والسعادة والخير والبركة، أما الانحراف عنه، والسير في طريق الأشرار، فنتيجته المأساة والموت واللعنة والهلاك (تث ٦؛ ٣٠؛ مز ١).

السلب والنهب (اش ٤٢، ٢٢): رفضُ إسرائيل العمل بإرادة الله، جلبَ له الدمار والموت حيث أصبح شعباً منهوباً ومسلوباً، وفي الحفر وبيوت الحبس. حينما كان آحاز ملك يهوذا، على سبيل المثال، رفض الاستماع لله، وأتكل على ملك أشور. فقام بسلب ونهب خزانة الهيكل والقصر الملكي بنفسه وبعثها كهبة للملك الأشوري: “وأَخَذَ آحاز ما وُجِدَ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ في بَيتِ الرَّبِّ وخَزائِنِ بَيتِ المَلِك، وأَرسَلَه إِلى مَلِكِ أَشّورَ هَدِيَّة” (٢ مل ١٦، ٨؛ قارن: ٢ أخ ٢٨، ٢١). فماذا كانت نتيجة ذلك؟ المصائب التي تعظمت شيئاً فشيء حتى وصلت فيما بعد لخراب اورشليم، وسبي الشعب الإسرائيلي إلى بابل. لكن الرّب لم يترك شعبه بسبب محبته وامانته لعهده، حيث يرجعهم من السبي وبأيديهم الفضّة والذهب والأموال التي كانت قد نهبت (٦٠، ٩). وهكذا يبدؤون من جديد.

ينصت، يصغي، يستمع (اش ٤٢، ٢٣): مجدداً يأتي التأكيد على السماع بتكرار ثلاث كلمات مرادفة تشير لذلك. من المهم الملاحظة بأن هنا الاستماع هو “لِما سيَأتي”. إذن الرّب يعطي فرصة جديدة لشعبه لكي يعود لإيمانه ويسير حسب إرادة الله.

سبب السلب والنهب (اش ٤٢، ٢٤ ـ ٢٥): الرجوع والتأكيد على المشكلة الأساسية وهي عدم طاعة الله. بالرغم من كل ما جرى للشعب من السلب والنهب والدمار والهلاك، يستمر في طرقه الملتوية. إذن سبب الدمار والموت واضحٌ، وهو كما ذكر في سفر تثنية الاشتراع الابتعاد عن الله، وعبودية الأصنام: “… ١٧ وإِنْ تَحَوَّلَ قَلبُكَ ولم تَسمَعْ وابتَعَدتَ وسَجَدتَ لآلِهَةٍ أُخْرى وعَبَدتَها، ١٨ فقد أُعلِنُ لكمُ اليَومَ أَنَّكم تهلِكونَ هَلاكًا ولا تُطيلونَ أَيَّامَكم … ” (تث ٣٠، ١٥ ـ ٢٠). اشعيا ذاته يؤكد على هذا بقوله: ١٩ إِن شِئتُم أَن تَسمَعوا، فإِنَّكم تأكُلونَ طَيِّباتِ الأَرض، ٢٠ وإِن أَبَيتُم وتَمَرَّدتُم، فالسَّيفُ يأكُلُكم، لِأَنَّ فَمَ الرَّبِّ قد تَكَلَّم” (اش ١، ١٩).

إذن اشعيا النبي يُبين في هذا المقطع سبب الواقع المؤلم لشعب الله، أما خلاصه فسيُعلنه في الآيات التالية مباشرة حيث يقول فيها الرّبُ لشعبه: “… لاتَخَفْ، فإِنِّي قَدِ آفتَدَيتُكَ، ودَعَوتُكَ بِآسمِكَ، إِنَّكَ لي” (اش ٤٣، ١). هكذا ينتهي الفصل الثاني والأربعون بأسف الله وغضبه بسبب تدهور الحالة الروحية لشعبه، لكنه رغم كل ذلك يفتح مباشرة (اش ٤٣) صفحة جديدة معه ويعطيه فرصة أخرى بفضل رحمته، فيرجعهم أبناء شعبه من عبوديتهم وسبيهم، ويلملم شملهم، ويعيد بنائهم الروحي. فبدلاً من صبّ جام غضبه عليهم، صبَّ عليه نار محبته.

إذن الله يلمُّ شمل اسرائيل من ارض العبودية والسبي. والمعنى الروحي لهذا يخص كلٌ منا. الله يجمع شملنا ويوحّدنا ويجعلنا سعداء ومتحابين إن سّرنا بحسب وصاياه، وتعلمنا من سقطاتنا. محبة الله المتجسدة في يسوع المسيح وفي سلامه وغفرانه تجعلنا نبدأ عامنا الجديد وكلنا رجاءٌ بولادة عالم جديد ركائزه المحبة والأخوة، والعدالة والسلام، والحريّة المقرونة بالمسؤولية. الخروج من مصر أرض العبودية والرجوع من سبي بابل (اش ١١، ١ ـ ٩؛ ٦٠، ٤ ـ ٢٠) ينبغي أن نعيشه اليوم بفضل رحمة الله وحنانه وغفرانه. علينا ان نخرج من عبوديتنا وماضينا المؤلم ونرجع للسير على طريق الله وعلى نور وجهه (مز ٨٩، ١٦) نحو أرض الميعاد. كل خطوة نخطوها على هذا الطريق تمنحنا السلام والسعادة والراحة والطمأنينة وتقربنا من خلاصنا وأسمى هدف روحي في كياننا إلا وهو رؤية وجه الله: “فيكَ قالَ قلبي: «اِلتَمِسْ وَجهَه». وَجهَكَ يا رَبِّ أَلتَمِس” (مز ٢٧، ٨).

بما أن اليوم الأول من العالم الجديد مخصص للسلام العالمي، نختم هذه الأسطر بصورة رائعة يصف فيها النبي اشعيا السلام والوئام والانسجام في الكون كله انطلاقاً من أورشليم مدينة السلام، قائلاً: ٦ فيَسكُنُ الذِّئبُ مع الحَمَل، وَيربِضُ النَّمِرُ مع الجَدْيِ، ويَعلِفُ العِجلُ والشِّبلُ معاً وصَبِيٌّ صَغيرٌ يَسوقُهما. ٧ تَرْعى البَقرةُ والدُّبُّ مَعاً، ويَربضُ أَولادُهما معاً، والأَسَدُ يَأكُلُ التِّبنَ كالثَّور. ٨ ويَلعَبُ الرَّضيعُ على حُجرِ الأَفْعى، ويَضَعُ الفَطيمُ يَدَه في جُحرِ الأَرقَم. ٩ لا يُسيئونَ ولا يُفسِدون في كُلِّ جَبَلِ قُدْسي، لِأَنَّ الأَرض تَمتَلِئُ مَعرِفَةِ الرَّبّ كما تَغمُرُ المِياهُ البَحر” (اش ١١، ٦ ـ ٩؛ قارن: اش ٦٥، ٢٥). هذا السلام الحقيقي نطلبه من الرّب، ونسعى إليه، ونتمناه للعالم بأسره في مطلع هذه السنة الجديدة.

سنة ٢٠١٩ مباركة ومثمرة، وكل عام وأنتم بألف ألف خير

عن Maher

شاهد أيضاً

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 26

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 26 الكاردينال لويس روفائيل ساكو ايشوعياب الرابع بن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *