الرئيسية / المقالات / الدنح: البعد الكوني لسر الخلاص

الدنح: البعد الكوني لسر الخلاص

الدنح: البعد الكوني لسر الخلاص

الخور اسقف ثابت حبيب بولس

ان سر الخلاص هو تلك العملية العجيبة التي من خلالها اراد الله ان يخلص الانسان اي يقدسه اي ان يكشف المعنى الاصيل لوجود الانسان حيث تصبح حياة الانسان كلها انعكاسا لهذا المعنى للذي بدوره ليس سوى ارادة الله التي طبعت في خلقة الانسان والتي يسميها الكتاب المقدس ” صورته ومثاله”. لم يكن لهذا المعهى ان يظهر من دون ان يتجسد في حياة الانسان بصورة اوضح واقوى. ان مجي ابن الله الى عالمنا هو بالذات لاجل هذه الغاية، لكي يشارك حياة الانسان مظهرا ارادته التي هي ذاته بأسلوب بشري. ان عماذ المسيح يعتبر حدثا كاشفا فيه تعلن ارادة الله في المسيح ابنه الذي تعلن بنوته في هذا المشهد ” هذا هو ابني الحبيب”. ان اعلان البنوة يعني ضم الانسان الذي يشاطر المسيح مصيره الى الله، اي انه تسامي بالحياة الانسانية نحو الله، هذا التسامي لا يعني تخلي عن ابعاد هذه الحياة، ولكن عيش الحياة الانسانية بكل ابعادها ضمن منظور وهوية الانتماء الى حياة الله، تقول احدى الصلاة لهذا العيد ” اليوم ظهرت الحياة الجديدة “.  يوجد اذن خلاص يشمل الحياة الانسانية بكل مفاصلها وابعادها، ولكن هذا الخلاص يمتد ليكون اوسع في شموليته، فهو ذو ميزة كونية: اي ان الخليقة مدعوة ايضا لتتقدس به ويظهر معنى وجودها. ان الاشياء والطبيعة هي ايجابية وخيرة، فهي اولا خليقة خرجت من يد الله، ولا يخرج من الصالح الا الصلاح. هي اشارات تتجه نحو من وضعها ومنه تكتسب معاني واقعية وصفات الخلاق وان كانت بنسبة ضئيلة جدا وبفرق مطلق. من اجل هذا امور الطبيعة تتحول لتصبح رموزا محسوسة تخاطب امكانية الانسان المعرفية وتنقله من عالمه المحسوس الى الحقيقة المتسامية التي يعصى فهمها على الانسان. هذه الرموز هي مؤشر لكيفية الاستخدام الصحيح للاشياء وعيش الحياة ككل. انالرمز الواحد قد يخرج من دائرة استخدامه الصحيح ليقلب المعنى ككل نجو اتجاخ مضاد للحقيقة ذاتها. ان الاستخدام الخاطيء للامكانيات يؤدي الى اخراجها مسارها الحيوي لتصبح ادوات تولد الموت والركود. ان الخلاص المسيحي هو رؤية شاملة للحياة وما يحيط بها، انه تصحيح لمسار عيش الحياة. ان الدنح هو فرصة من خلالها تنخرط الكنيسة ضمن ديناميكية تنطلق من النشوء حتى الكمال مرورا بمحطات فيها تجدد وتصحح وتغذي مسارها. ان نقطة الانطلاق هي المعموذية التي هي مراجعة شاملة لمعنى الوجود الحي، انها نقطة تواصل وانقطاع: بها يتواصل الانسان مع كل موروثاته الاصيلة الانسانية ليدخلها ضمن رؤية جديدة مطلقة تسمو بها الى حد اعتبارها وكانها انقطاع عن ما سبق والبدء بشيء جديد كليا. هذه الرؤية تصبح رؤية اسرارية حقيقية، والاسرارية نعني بها جلاء المعنى الحقيقي والقوة التي تساعد ان يبرز هذا المعنى ويشكل الحياة ويغيرها. يتحول الرمز الى سر، اي انه لن يصبح فقط مؤشرا يكشف معاني الحياة، ولكن وسيلة تمنح الحياة. مواد الطبيعة تدخل ضمن مواد السر الكنسي لقتود الى الحقيقة التي هي اسمى من تلك التي يتعرف اليها العقل والحدس فقط، انها الحقيقة المطلقة الالهية الابدية. الماء مثلا هو مادة طبيعية لا تقوم الحياة من دونه، يعلمنا بصورة مباشرة عن وجود الحياة، ولكنه يصبح مادة اسرارية من خلاله نكتسب حياة تفوق الحياة البايولوجية، فيالعماذ بالماء نصبح ابناء الله ونكتسب حياته. ليس هذا فقط ولكن تصبح لنا رؤية الهية ترفع من شان رؤيتنا الانسانية نحو الحياة. ان تنازل المسيح واختلاطه بالطبيعة شحذ وابرز قيمتها الخيرة ودورها كبيئة بها ينال المؤمن الخلاص. اذا كانت الطبيعة بئية الخلاص فهي اذن قد وضعت ضمن حيز مكرس، فمنها تؤخذ الرموز لتتحول الى اسرار وهذه الرموز الاسرارية تصبح موصلات تربط ما بين الحقيقة التي تشير اليها وما بين الحياة الاعتيادية التي تساعدها لتولد معنى وجودها. الخبز الذي يرمز الى الحياة يصبح جسد المسيح ومن يأكله تنمو رؤيته ليرى ان الحياة على اساس معاني الخبز اي المقاسمة والبذل والعطاء. ان الدنح هو مفهوم اشمل من حدث عماذ المسيح، لا بل ان عماذ المسيح هو صورة مكثفة لحدث المسيح بأشمله الذي يأخذ الخليقة منذ نشأتها وحتى اليوم الذي به يكون الله فيها بالتمام، اي يوم تصبح كلها محاطة بهالة المعنى الاصيل الذي اراده الله لها.

عن Maher

شاهد أيضاً

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد الثالث من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *