الرئيسية / المقالات / العائلة مربية الدعوات

العائلة مربية الدعوات

العائلة مربية الدعوات

المطران شليمون وردوني

العائلة، الخلية الأولى والأساسية للجماعة البشرية لها مكانتها المرموقة في المجتمع عامة، وفي حياة الكنيسة خاصة، هي الطريق الأول والأهم إلى العالم. إنها الطريق الوحيد على الاطلاق، الطريق الذي لا يستطيع الكائن البشري أن يحيد عنه… عندما تُفقد الأسرة ينشأ في الشخص الأتي إلى العالم نقصٌ مقلق وأليم، يجعله ثقلاً على حياته كلها فيما بعد.

فأينما توجد عائلة ثابتة، قوية، فرحة، مؤمنة… هناك كنيسة ثابتة وقوية وفرحة ومؤمنة. هناك اطفال ثابتون أقوياء فرحون ومؤمنون، هناك سعادة، وهناك دعوات ناضجة وقوية. هناك محبة، هناك تضحية وهناك عطاء.

للعائلة دور أساسي في التقدم التربوي للأطفال والشباب… لا بل إن نجاح شخصية الأطفال وعدم نجاحها يعود كثيراً إلى العائلة، وهذا عينه بالنسبة إلى الدعوات. منها وفيها تبدأ العادات الصالحة والرديئة، التقدم والتأخر، الغنى والفقر الروحي للأولاد الذين فوقهم تُبنى جماعة الغد الأجتماعية والكنسية. إن المحبة الأبوية والشعور بالثبات والفرح والعفوية لا يمكن أن نجدها إلا في العوائل الثابتة والأمينة لقيمها الأساسية ولهذا فإنَّه من الضروري الأهتمام الجدّي بالعائلة.

فأول عمل يجب أن تقوم به الكنيسة هو مساعدة العائلة لتكون مركزاً تربوياً لكي تقود جميع أعضائها إلى النضوج البشري والخُلقي والأجتماعي والديني لكي يستطيعوا أن يبنوا مستقبلهم وأن يميزوا دعواتهم الحقيقية ويتقدموا في اختيار ما دعاهم الرب ليحققوه في حياتهم المستقبلية ويعملوا بكل جدية لإكتشاف دعوتهم الخاصة.

العائلة هي جماعة إذ فيها يتحد أشخاص لهم غاية واحدة، يحاولون أن يتكاملوا بالتبادل، يقومون بأعمال مشتركة في هذه الحياة الجماعية. بين أعضاء العائلة الواحدة توجد وحدة نظامية وأدبية فليست تجمعاً خارجياً وعرضياً. إنها – العائلة – قبل أية جماعة أخرى. إنها طبيعية للأنسان وكما أرادها الله له. فتكوين العائلة الداخلي هو متدرج، أي أنه يوجد فيها سلم من القيم والواجبات والأعمال والمسؤوليات لكونها مؤسسة فوق اختلاف أعضائها بالنسبة إلى الجنس والعمر والواجبات.

والعائلة بما أنها مركز تربوي يجب أن تكون العلاقات فيها صميمية وشفافة ومبنية على المحبة والوحدة. فما يميزها عن أية جماعة أخرى هو أن المحبة فيها هي المركز الأساسي وهذه المحبة هي من صميم الدعوة المقدسة. فحيث لا توجد المحبة فهناك لا توجد عائلة مسيحية حقة، ولا يمكن أن تنشأ دعوة لتحقق البرنامج الإلهي الذي هو محض محبة، ولا يمكن أن تستمر فيها حياة هادئة وكما يريدها الله لها. إن القدوة والمثل الصالح ينبثقان من هذه الحياة التي تتغذى وتنمو بواسطة المحبة وتنتقل لتسير في شرايين الاطفال. العائلة هي عمل المحبة، ومنها نصل إلى كشف الدعوة الحقيقية.

بهذا المعنى يمكننا القول بأن العائلة المسيحية هي جماعة متميزة حقاً، لأن العلاقات بين اعضائها يجب أن تكون مقدسة وتشبه العلاقات التي كانت تعيشها عائلة الناصرة وتُؤسس فوق العلاقات الثالوثية. هكذا تصبح موضع السلام، لأن كل شيئٍ يكتسب فيها نبرة الهدوء حيث تتلاقى القلوب. كل شيئ يصبح مشتركا ومفهوماً من الجميع بكل بساطة.

العائلة هي مركز اللقاء الودي بين الآباء انفسهم وبين الآباء والأبناء فالمحبة تلد وتغذي هذا الود المتبادل، هنا يتأسس الحوار ويتحقق اكتشاف المؤهلات والميول، إنّها رداءٌ للحياة العائلية.

إن تهيئة الآباء والأمهات المسيحيين ليقوموا برسالتهم التربوية تجاه الأولاد، تعني جعلهم قادرين أن يساعدوهم ليتقدموا في نمو إنساني كامل. لأن الأولاد سوف لا يتربّون حقيقة إذا ما لم يبلغوا إلى تربية إنسانية كاملة، تلك التي يستطيعون الوصول إليها؛ بكلمات أخرى: عندما يكونوا قد وصولوا إلى دعوتهم.

العائلة المسيحية، في النهاية، يجب أن تهتم بمشكلة دعوة أعضائها أي بقضية النمو المستقبلي لكل واحد منهم من ناحية الميول والمثل.

الدعوة والدعوات: إن الدعوة، بالعموم، تتطابق مع حياة الإنسان نفسها، الإنسان الذي يجتهد ليصبح ما يجب أن يكون حسب المخطط الألهي عليه. إنّها حياته ذاتها موجهة نحو الغاية الأخيرة.

لقد خلق الله الأنسان لأجل غاية معينة ودعوته العامة هي أن يكمل هذه الإرادة الإلهية. بهذا المعنى هناك دعوة عامة وأساسية لجميع البشر. وهذه الدعوة هي النمو الشخصي لكل واحد ليصبح ناضجاً إنسانياً ومتطوراً روحياً بواسطة حياة ملؤها محبة الله والقريب وهذا ما يؤسس الكمال الإنساني والمسيحي.

بهذا المعنى، الدعوة هي علاقة مستمرة بين الله الذي يخلق، ويدعو إلى الوجود ويسلّم للإنسان مهتمه الخاصة، وبين الأنسان الذي يقبل النداء بمسؤولية، ويجاوب بسخاء إلى الدعوة ويحاول أن يُنفذها بالتزام.

إذاً كل إنسان يحقق دعوته العامة في الدعوة الخاصة التي يختارها في العمل، في نمط الحياة التي يريد أن ينتهي إليها، في عطاء ذاته الخاص، في محيطه الإجتماعي، وفي اللحظة الخاصة والتاريخية من حياته.

إن الدعوات (الشخصية) هي كثيرة، وتعتمد على الأوضاع الأجتماعية المختلفة لكل واحد، وعلى الأعمال والفعاليات المتنوعة في العالم، وعلى الميول الخاصة، الجسدية، والنفسية، والعقلية والخُلقية والدينية. وكذلك على الميول الطبيعية وعلى المحيط الواقعي حيث يولد فيه كل واحد يعيش وينمو.

إذا ما أراد كل واحد أن يتبع دعوته الخاصة، ويكمل رسالته حسب برنامج الله الخلاصي، يجب قبل كل شيء أن يميز ويعرف هذه الدعوة؛ ولهذا فأن مهمة العائلة هي في غاية من الأهمية في كشف الدعوة الخاصة لكل واحد من الأولاد، كيما يتوجهوا جيدأَ، كل واحد، في مسيرته نحو النضوج… يتبع

 

عن Maher

شاهد أيضاً

الكاتب المسرحي الأستاذ حنا الرسام الموصلي

الكاتب المسرحي الأستاذ حنا الرسام الموصلي (1891-1958) لقد صدق من قال إن مدينة الموصل أنجبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *