الرئيسية / المقالات / الأول من الدنح: مراحل حياتنا ودعوتنا

الأول من الدنح: مراحل حياتنا ودعوتنا

الأول من الدنح:

مراحل حياتنا ودعوتنا

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد الأول من موسم الدنح:

الاولى من سفر الخروج (٣، ١ ـ ٧) تروي خبر دعوة موسى ومخطط الله في خلاص شعبه من عبودية فرعون.

الثانية من الرسالة الثانية الى طيمثاوس (٣، ١ ـ ١٥) فيها يمتدح بولس سيرة طيموثاوس في اتباع المسيح.

الثالثة من إنجيل لوقا (٤، ١٤ ـ ٢١) تنقل حضور المسيح في المجمع، وإعلانه عن برنامجه الخلاصي للمساكين والمظلومين وعن سنة مقبولة للرب!

تفسير نص القراءة الأولى (خر ٣، ١ ـ ٧) وتأوينه:

“كانَ موسى اَبنَ مِئَةٍ وعِشْرينَ سَنةً، حينَ ماتَ، ولم يَكِلَّ بَصَرُه ولم تَذهَبْ نَضرَتُه” (تث ٣٤، ٧). يعلق التقليد الحاخامي على هذه الآية بقوله: “قضى موسى أربعين سنة في مصر، وأربعين سنة في مِدْيَن، ولأربعين سنة خدم اسرائيل”. يتفق سفر أعمال الرسل (أع ٧، ٢٠ ـ ٤٠؛ قارن: عب ١١، ٢٣ ـ ٢٩) مع التقليد الحاخامي في تقسيمه لحياة موسى لثلاث مراحل والتي تعكس التطور التدريجي لإدراك موسى لدعوته ورسالته. كان على موسى النمو في الحكمة والمرور بالكثير من الخبرات كي يكتشف في النهاية وبعد ثمانين سنة ما كان يريده الله منه، ولماذا كان قد دعاه.

إن المراحل التي مرّ فيها جعلته أن يعيّ محدوديته وخطاياه من جهة، ولا محدودية الله وقداسته من جهة أخرى. لا شك أن موسى في المرحلة الأولى والثانية من حياته قام بأشياء مهمة، إلاّ أنه فقط في المرحلة الأخيرة استطاع أن يعيش دعوته ويخدم بالفعل شعبه.

فلنتأمل بشكل مقتضب بهذه المراحل الثلاث لحياة موسى، والتي تمثل بطريقة وأخرى مراحل حياتنا أيضاً:

تنشئة موسى في القصور (أع ٧، ٢٠ ـ ٢٢): تُسرد في (خر ٢) قصة ولادة موسى وكيف تبنته ابنة فرعون، ويرد فيها ما يلي: “ولَمَّا كَبِرَ الوَلَد، جاءَت بِه آبنَةَ فِرعَون، فأَصبَحَ لَها آبناً، وسَمَّته موسى وقالت: «لإِنِّي اَنتَشَلتُه مِنَ الماء»” (خر ٢، ١٠). إذن موسى الذي ولد وهو محكوم عليه بالموت، بفضل العناية الإلهية يعيش كابن وفي قصر من أصدر حكم الموت عليه أي فرعون (خر١، ٨ ـ ٢٢). هكذا يدخل موسى في قصور فرعون ويتلقى العلم والمعرفة وأساليب القيادة حسب المنطق البشري في أحد اهم مراكز الحضارة في ذلك الزمان: “ولُقِّنَ موسى حِكمَةَ المِصرِيِّينَ كُلَّها، وكانَ مُقتَدِرًا في أَقوالِه وأَعمالِه” (أع ٧، ٢٢).

بالرغم من أهمية مرحلة التنشئة هذه ومنافعها لموسى إلا أن خطورتها الكبيرة تكمن في العيش في عالم النظريات والمخيلة والانفصال عن الناس وواقعهم حيث يتغلب فيها التفكير بالناس وتكوين صورة خيالية عنهم، بدلاً من الالتقاء بهم وجهاً لوجهٍ، والأصغاء لمشاكلهم، وعيش واقعهم والتضامن معهم في معاناتهم اليومية. إن العالم النظري لا يتطابق دوماً مع واقع الحال المُعاش.

كلنا نمّر مثل موسى بهذه المرحلة التعليمية التي يكتسب طالب العلم فيها المعارفَ والطرق التقنية، وتتغلب فيه المخيلة والجانب النظري لجوانب الحياة. كان لابدّ للنبي موسى في النهاية الخروج من القُصور لإدراك مدى قصور الفراعنة تجاه شعبه وظلمهم له.

 

رؤية الأخوة (أع ٧، ٢٣ ـ ٢٩): بعد أربعين سنةٍ قضاها موسى في القصور ورفاهيتها يخرج منها أخيراً ليرى بأم عينيه ما يجري بالفعل على أرض الواقع: ٢٣ ولمَّا بلَغَ الأَربَعين، خَطَرَ له أَن يَتَفَقَّدَ إِخوانَه بَني إِسرائيل٢٤ فرأَى أَحدَهم يُعتَدى علَيه، فدافَعَ عنه وانتَصَرَ لِلمَظْلوم فقَتلَ المِصرِيّ” (أع ٧، ٢٣ ـ ٢٤). انصدم موسى بالواقع الذي كان مختلفٌ تماماً عمّا تعلمه في القصور. رأى كيف أن أبناء امته مضطهدون من المصريين وكيف جعلهم فرعون عبيداً. ولهذا يقرر الدفاع عنهم باندفاع بديهي وبشجاعة فائقة معتمداً على ذاته، ومخاطراً بحياته من أجلهم، حيث يقتل العدو المعتدي على ابنه امته (خر ٢، ١١ ـ ١٢). إلا أن الصدمة الأكبر تأتي في اليوم الثاني لخروجه من القصور. الصدمة هذه المرة ليست من أعداء خارجيين، وإنما من الاخوة الأعداء. سخاء موسى واندفاعه البديهي وتحمسه الفطري في الدفاع عن شعبه المظلوم تتعارض مع مواقف اخوته الذين خاطر بحياته من أجلهم وقتل من اعتدى عليهم. فقد حاول موسى في اليوم الثاني لخروجه مصالحة اثنين من أبناء شعبه اللذين كانا يتخاصمان مع بعضهما، إلا أن رفض المعتدي ذلك التدخل تحول لفضح جريمة قتل موسى للمصري (خر ٢، ١٣ ـ ١٥). وهكذا يصدر حكم فرعون للمرة الثانية بقتل موسى، فيضطر للهرب.

رؤية الله واكتشاف الدعوة (أع ٧، ٣٠ ـ ٤٠): الصدمات التي تلقاه موسى مع الحكم بالموت جعلته أن يلتجأ لأرض غريبة ويعيش كنزيل ولاجئ. ما جاء في سفر اعمال الرسل عن بنيه “… فولَدَ فيها ابنَين” (أع ٧، ٢٩) ربما يشير إلى أن موسى الذي حاول بالاعتماد على ذاته تحرير شعبه من عبودية مصر وكانت النتيجة الفشل لينتهي به الامر في المنفى، جعلته أن يفكر على الأقل في عيش حياته الخاصة حيث يبدأ من جديد عند كاهن مِدْين ويتزوج بنته ويكون لنفسه عائلة (خر ٢، ١٥ ـ ٢٢).

يستمر موسى في حياته الخاصة ويعمل كراعي: “وكانَ موسى يَرْعى غَنَمَ يِتْرُوَ حَمِيه، كاهِنِ مِدْيَن. فساقَ الغَنَمَ إِلى ما وراءَ البَرِّيَّة، وأَنتَهى إِلى جَبَلِ اللهِ حُوريب” (خر ٣، ١). وفي هذا السياق يدعوه الرّب كي يحرر شعبه من عبودية مصر. موسى الذي وصل إلى حالة اليأس بخصوص انقاذ شعبه وفُصِلَ عنهم وأصبح غريباً بسببهم، وظنَّ بأنه غدا وحيداً في صحراء مع غنم حَمِيه ومنسياً من قبل الجميع بعد أن كان يعيش في قصور فرعون، يظهر الله له ويختاره ليكون ذلك القائد الذي يواجه أحد أهم عظماء الأرض في ذلك الزمان أي الفرعون وينتصر عليه بقوة الله وحضوره معه ويحرر شعبه باسره من عبودية مصر.

موسى الذي قال عنه أحد أبناء شعبه: “… مَن أَقامَكَ رَئيساً وحاكِماً علَينا؟” (خر ٢، ١٤)، يقيمه الله الآن ويرسله ليواجه فرعون الذي كان قد أصدر حكم قتله: “«١٠ فالآن، اِذهَبْ! أُرسِلُكَ إِلى فِرعَون. أَخرِجْ شَعْبي بَني إسْرائيلَ من مِصر». ١١ فقالَ موسى لله: «مَن أَنا حَتَّى أَذهَبَ إِلى فِرعَون وأُخرِجَ بني إِسرائيلَ من مِصر؟» ١٢ قال: «أَنا أَكونُ معَكَ، وهذه علامةٌ لكَ على أَنِّي أَنا أَرسَلتُكَ: إِذا أَخرَجتَ الشَّعبَ مِن مِصر، تَعبُدونَ اللهَ على هذا الجَبَل»” (خر ٣، ١٠ ـ ١٢). هذه هي القوة التي تأتي من الإيمان بحضور الله في حياة المؤمن. إن ظهور الله لموسى الله وتوجيه كلمته المشجعة له في أصعب اللحظات تغيير حياته رأساً على العقب، وتجعل من المنفى والصحراء لمكان مقدس. الله رأى الظلم تجاه شعبه (خر ٢، ٢٥؛ ٣، ٧) بما فيهم موسى نفسه، ينزل لينقذهم بدءاً بقائدهم وراعيهم موسى.

إذن ظهور الله لموسى (خر ٣) كان اساسياً في اكتشاف دعوته حيث غيّر ذلك الحدث حياته برمتها وجعله يرجع للأرض التي هرب منها بفضل قوة الله وحضوره معه لكي يُتمّم رسالته. وهنالك امثلة كثيرة في الكتاب المقدس عن التغيير الجذري في حياة المؤمن بعد هذه الخبرة الشخصية والروحيّة العميقة مع الله. نذكر على سبيل مثال تغيير حياة تلميذي عماوس رأساً على العقب، وتغيّر توجههما مائة وثمانية درجةٍ بعد لقائهما بالرّب الذي جعلهما أن يدركا جوهر دعوتهما (لو ٢٤). وكذلك هو الحال بالنسبة لمار بطرس الذي كان يهرب من الاضطهاد في روما، وعندما يظهر له الرّب يسوع يرجع من حيث هرب ويصلب ورأسه للأسفل، قائلاً بأنه لا يستحق أن يصلب مثل معلمه وربّه يسوع. وأيضا مار بولس بعد ظهور الرّب يسوع له (أع ٩، ١ ـ ٣٠) يتحول من مُضْطَهِدٍ للمسيح وللمسيحيين إلى معلنٍ لبشارة الانجيل، ومُضطَهَدٍ بسبب رسالته (قارن في سبيل المثال: أع ١٦، ١ ـ ٤٠)، ويقطع رأسه بسبب ايمانه وتبشيره باسم المسيح.

رأينا بأن المرحلة الأخيرة لحياة موسى كانت حاسمة حيث اكتشف فيها دعوته وحقق رسالته وخدم شعبه. فيا ترى هل نجد أنفسنا في هذه المرحلة الحاسمة أم لا زلنا نراوح في المرحلتين الأوليتين؟

شاهد أيضاً

بطريرك كاردينال – مطران و راهبة و التعليم و الثقافة في كنيسة العراق ‎

بطريرك كاردينال – مطران و راهبة و التعليم و الثقافة في كنيسة العراق ‎ كرستينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *