الرئيسية / المقالات / الطبيعة – المعرفة – التقديس

الطبيعة – المعرفة – التقديس

الطبيعة – المعرفة – التقديس

الخور اسقف ثابت حبيب 

ان عملية الخلقة هي مسار متقدم نحو هدف وصورة فيها تتطابق صورتها وحالتها النهائية مع معناها ككل. ان عملية الخلقة تمر منمرحلة الى اخرى وتخرج من واحدةالى غيرها بفعل خارجي منها يقوم به الخالق ذاته. ان الخطوة الاولى التي بها نفذ الخالق مخططه واتى به الى الوجود كانت الطبيعة التي ليست مجرد اشياء في علاقة منظمة بقوانين فيزيائية لا غير، وانما هي مكان يستوعب ارادة الخالق ولها امكانيات لتصبح ناطقة تعلن صوت الله وكلمته. ان الطبيعة هي مؤشر جيد الى من اتى بها وتعكس ارادته الخيرة من خلال صورها الايجابيةز قد تكون بعض اوجه الطبيعة احيانا داكنة مظلمة عاجزة عن ايصال صوت الله، ولكن هذا لا يكون بسبب قوامها ونسيجها الطبيعي ، ولكن بسبب الموقف الشخصي تجاهها. الخالق لا يترك خليقته عاجزة ولكنه يتدخل ليكشف جمالها، انه يعلنها شاهدا له ووكيلا حاضرا هنا يعكس جماله وطيبته هو. ان تدخل الخالق هذا يسمى الكشف الالهي او الوحي الالهي الذي بجوهره كشف ارادة الله تجاه العالم والخليقة وكما هو ايضا قوة دافعة للخليقة نحو الامام. ان التعامل مع الخليقة وفهم دورها يصبح واضحا اكثر على ضوء كلمة يقولها الله مباشرة وليس فقط عبر كلمة تأتي بصورة غير مباشرة عبر الخليقة، انها معرفة اشمل واكمل، لا بل هي معرفة تحوي على حقائق ومعاني يستنير بها المعنى الذي كانت تحمله الخليقة سابقا ويضاف اليها امكانية اخرى جديدة ترفع من مستواها لتصبح حاملة لقدرة من نوع اخر. ان الوحي الالهي ليس فقط ما تكلم به الله مع الاباء والانبياء، ولكنه ايضا مجي الله الى عالمنا وتجسده، اي عندما اصبح الخلق خليقة وعاش وضعها. احداث التجسد وموت وقيامة المسيح هي احداث كشف واضافة: كشفت ارادة الله بصورة نهائية واضافت الى الخليقة والعالم امكانية من خلالها يستطيع العالم والانسان ان يرتقي الى مستوى حياة الله. ان صفة القداسة تعني هوية الله التي هي حقيقة خالصة مطلقة، هذه الهوية تظهر ثالوثيا عبر تاريخ الخليقة: بصورة ثالوثية عندما خلق الاب العالم واعطى للخيقة معانيها لتكون اشارة تدل على وجوده، تجلى معنى هذه الخليقة عندما تجسد فيها الابن، وهي الان تتحول بفعل الروح القدس الذي يقدسها، اي يجعل منها مكانا يمنح حياة الله للانسان. لقد خلق الله المواد ووضع فيها معاني الحقائق الكبرى التي تأتي من حقيقته هو مثل الحياة والحب والقوة والجمال وغيرها، عندما كشف ارادته من خلال الوحي دخلت هذ المواد لتكون عناصر حاضرة في تاريخ التدبير الخلاصي واكمال افعال الله والتي اكتمل استخدامها مع المسيح الذي ارسل الروح القدس ليكمل حضوره في حياة الكنيسة وتستمر افعاله الخلاصية فيها بصورة تسمى رمزية: انها الخليقة ذاتها التي تتحول من معنى الى اخر، من مادة طبيعية فيها معنى الى رمز يقترن مع ما اوحى به الكتاب المقدس ليصبح اخيرا مكانا يحضر بها المسيح بصورة عجيبة بقوة الروح القدس. ان الاشياء المخلوقة تصبح رموزا ومن ثم اسرارا، تؤخذ من الخليقة لترجع اليها من جديد لتتقدس بها.

عن Maher

شاهد أيضاً

معاني الأحلام بين الأمس واليوم

معاني الأحلام بين الأمس واليوم المطران الدكتور يوسف توما يعطي الانسان في جميع أطواره أهمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *